All Chapters of حُسن الخفاء: Chapter 1 - Chapter 10

17 Chapters

الفصل الأول

​"يا سلمى، هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟" قالها رجل وهو يجثو على ركبتيه أمامي ويقدم لي خاتماً.​فخفق قلبي بشدة، وتلاطمت الأفكار في رأسي. لقد اصطحبني هذا الرجل فجأة في نزهة إلى أحد المقاهي، ثم تقدم لخطبتي دون أي كلمات تمهيدية. وبدا أن بعض الزوار الآخرين ينظرون إلينا بشغف وفضول.​أما أنا، فادعى جميلة سلمى. في الحقيقة، لقد لُقبت بأجمل طالبة في المدرسة الثانوية. وبفضل طبيعتي المطيعة دائماً، وودي، وأخلاقي الحسنة، فقد مال إليّ الكثير من الزملاء.​موطني الأصلي هو إندونيسيا، وتحديداً في مدينة تشيلاتشاب. انتقل والدي إلى رحمة الله عندما كنت بالكاد أبلغ الخامسة من عمري. فعشت مع أمي وجدي وجدتي في إحدى القرى. بعد ذلك، تزوجت أمي مرة أخرى من تاجر ثري من مدينة سولو. وكان لذلك التاجر ابنة تكبرني بعام واحد.​وقد تم زواج أمي منه عندما أنهيت دراستي في المدرسة المتوسطة. فانتقلنا للعيش معه في مدينة سولو، أو ما يُعرف بشكل أكثر شهرة بمنطقة سوكوهارجو.​"إن تصرفك هذا لعجيب حقاً، يا سيد طارق! ألسنا مرتبطين بالفعل بخطبة مدبرة؟" هكذا رددت على كلماته.​"في الحقيقة، أردت فقط أن أؤكد النية التي في قلبي." ثم ارتسمت على ش
Read more

الفصل الثاني

​"سلمى... سلمى! أين أنتِ يا ابنتي؟" نادت أمي، واخترق صوتها باب الغرفة."أمي! الباب مغلق من الداخل!" رددت بصرخة مكتومة.ثم تمكنت أمي من إدارة المفتاح الذي كان لا يزال عالقاً في القفل.طق!"أمي!"فتحت ذراعيّ، أردت أن أعانق بشدة تلك المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء."احذري يا ابنتي!" صرخت أمي فجأة، وبحركة سريعة أدارت جسدي.طراخ!"آآآه،" سُمعت أنة مكتومة من شفتيها.سقطنا على الأرض، وتزامن ذلك مع تساقط عوارض خشبية مشتعلة. التهمت النيران كل ما حولنا. عانقتني أمي بشدة، جاعلة من ظهرها درعاً يصد ذلك الحطام المشتعل."سلمى، حقاً هذه إشارة من الخالق استجابة لدعواتك،" همست أمي بأنفاس متقطعة."إشارة؟ ماذا تقصدين يا أمي؟"..."أمي؟"صمت مطبق.لم يعد هناك صوت يجيب. حتى أنفاسها لم أعد أشعر بها تلامس بشرتي. وفي تلك اللحظة بالذات، انهمرت الدموع من مقلتيّ، تتدفق كينبوع من الحزن.بدأت رائحة احتراق جسدها تتسلل إلى أنفي. غصّ حلقي، ولم أقوَ على إطلاق صرخة لطلب النجدة. لم أعد أبالي بلسعات النار التي بدأت تلتهم وجهي وذراعيّ. عانقت جسدها بقوة في تلك اللحظات الأخيرة. أسلمت أمري لله. حقاً، كنت عاجزة تماماً.تلاشت
Read more

الفصل الثالث

أغمضت عينيّ بقوة. وفي تلك اللحظة المظلمة، انتفضت روحي فجأة لظهور أطياف أشخاص طالما اشتقت إليهم بشدة.​"أستغفر الله..."تمتمت شفتاي بالاستغفار بخفوت. تجسدت جدتي في عالم خيالي، تقف بجانب جدي، ثم قالت بصوت حنون: "نحن نشتاق إليك كثيراً يا سلمى."​انهمرت دموعي عندما عادت بي الذاكرة إلى كلماتهم الأخيرة في محطة "ماوس" في ذلك اليوم: "سننتظر عودتك دائماً يا ابنتي."​لو أنني أزهقت روحي حقاً، كم سينفطر قلبيهما حين يجدان جثة حفيدتهما متدلية بلا حراك في نهاية حبل؟​من المرجح أن خبر المصيبة التي ألمت بي لم يصل إلى مسامعهما بعد. أخذت أنتحب، وقطرات الحزن تنهمر بغزارة لتبلل الجروح التي على وجهي، جاعلة إياها رطبة ومؤلمة، ومختلطة برائحة الصديد الكريهة.​"آه..." تأوهت محاولة كتمان ألمي. حقاً، هذا الألم الجسدي لا يقارن بالعذاب النفسي حين ينظر إليّ الناس باحتقار وازدراء.​ارتجفت شفتاي وهي تتمتم بالدعاء: "الحمد لله الذي أيقظ روحي من وادي اليأس. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لي ولا قوة إلا بعونك وحدك. لذلك، أسلمت جسدي وروحي إليك وحدك يا رب."​سارعت بتطهير نفسي بماء الوضوء، ثم أديت صلاة ركعتين وجثوت أطلب م
Read more

الفصل الرابع

خطا غفران في شوارع مألوفة جداً بالنسبة لي. تبعت خطواته للحظات، حتى أوقف سيره أمام مبنى يقف بشموخ. كان ذلك هو المنزل الذي أويت إليه أنا وأمي لثلاث سنوات، منذ أن أعادت بناء عش الزوجية. ولكن، في نهاية المطاف، عقدت العزم على الرحيل من ذلك المكان.​"لقد وصلنا،" قال غفران وهو يفلت يدي ببطء. "استريحي بسلام!"​كيف له أن يعرف مكان إقامتي؟ رغم أن لساني لم ينطق به قط.​"عرفت موقع هذا المنزل من بطاقة الدعوة التي أعطيتني إياها قبل أيام،" قال الشاب وهو يبتسم، مظهراً صفاً من أسنانه البيضاء المنتظمة.​"آه، تلك الدعوة... قد أُلغيت. والليلة، إن شاء الله، أنوي العودة إلى قريتي."​صمت غفران للحظة في ذهول. ثم سأل: "على متن القطار من محطة بوروساري؟"​أومأت برأسي ببطء مؤكدة.​"لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك،" هكذا وعدني.​ماذا يقصد بذلك؟ يقول إنه سيلحق بي؟ لمجرد توديعي؟ حقاً، يعجز عقلي عن سبر أغوار تفكير هذا الشاب.​...​أسدل الليل أخيراً ستائره على الأرض. وجهت نظري نحو ساعة الحائط المعلقة في غرفة المعيشة، كانت عقاربها تش
Read more

الفصل الخامس

​خفق قلبي!شعرت وكأن قلبي في صدري ينتفض، يكاد يقفز من قفصه.​وبحذر شديد، رفعت وجهي الذي كان مطرقاً كتمثال متصلب. عبر ستارة قطرات المطر المضاءة بنور مصابيح الشوارع الخافتة، حدقت في ذلك الوجه. ابتسامة هادئة ليست غريبة على وجداني.​"غفران؟" خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً، يكاد يغرق في هدير العاصفة.​أجاب الشاب بإيماءة بطيئة. "خذي هذا!" قالها وهو يقرب الكيس الشفاف نحوي.​سارعت بسحب طرف الوشاح الذي وضعه للتو على رأسي، ثم لفيته بإحكام لأخفي هذا الوجه المشوه، حتى لم يتبق سوى عيناي. عاد الخجل ليقيد قلبي، متذكرة نظرات الناس المحتقرة لي قبل لحظات. هاجمني الخوف في أعماقي، خشية أن يعكس غفران رعباً مماثلاً. ولكن، عندما استجمعت شجاعتي لمواجهة نظراته، لم ألمح فيها ذرة من اشمئزاز أو رعب أو شفقة تهين كرامتي.​كانت نظراته كما هي، تماماً كغفران الذي عرفته في الماضي، دافئة جداً وتبعث على طمأنينة الروح.​بأصابع لا تزال ترتجف، أخذت كيس الطعام. سرعان ما تسلل الدفء من باطن يدي التي كانت متجمدة كالثلج.​"هيا بنا، ألن ينطلق قطارك بعد قليل؟" دون إضاعة للوقت، أخذ غفران حقيبتي بيده اليسرى، بينما أشار بيده اليمنى لأتبع
Read more

الفصل السادس

كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي.​"آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.​لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي أيضاً آلاماً نابضة وشديدة في جروح الحروق التي لم تمضِ فترة طويلة على جفافها. شعرت بتصلب وحكة في بشرة وجهي وذراعيّ بالكامل، ممتزجة بألم حاد يمزق الجسد. أسندت رأسي إلى زجاج النافذة المكسو بالضباب، مستجمعة كل قواي لحبس أناتي حتى لا أزعج هدوء المسافرين الآخرين الذين استغرقوا في نوم عميق غارقين في أحلامهم.​وفي غمرة هذا العذاب الجسدي، كانت أعماقي تضطرب بلا توقف. بدأت بذور الخوف تزحف لتنهش عقلي. كيف يا ترى سيكون تقبل جدي وجدتي لي؟ هل سيصعقان برؤية مظهري المحطم هذا؟ ماذا لو تسلل الخجل إلى أعماق قلبيهما لوجود حفيدتهما في هذه الحالة المزرية؟ في الماضي، عندما كنت أعيش في هذه القرية، كنت دائماً جوهرتهما وفخرهما. لا أنوي التكبر أبداً، لكن لقب "زهرة الورد الأبهى في القرية" كان دائماً يطلقه أهل القرية عل
Read more

الفصل السابع

​تسللت خيوط شمس الصباح على استحياء من بين شقوق الجدران الخيزرانية لغرفتي. وكان صياح الديكة المتتالي وصوت الماء المتدفق من بئر جدتي بمثابة إعلان بأن عجلة الحياة في القرية قد دارت بكامل طاقتها. نهضت بجسدي من المرقد، ولففت نفسي بثياب ذات أكمام طويلة، ولم أنسَ أن أحكم لف الوشاح حول وجهي ليكون ساتراً لمظهري، فلم تظهر مني سوى عيناي.​في هذا اليوم، عقدت العزم في صدري على ألا أكتفي بنحب حظي غارقة في عزلة غرفتي. فقد أثقل الكبر كاهل جدي وجدتي، وتأبى نفسي أن أعود إليهما لأكون مجرد عالة تزيد من وقر الهموم على عاتقيهما الواهنين.​خطوت ببطء نحو المطبخ القابع في مؤخرة المنزل. لكن خطواتي تسمرت عندما التقطت مسامعي جلبة وأحاديث نساء القرية القادمة من الفناء الأمامي. يبدو أن عربة الخضار المتجولة الخاصة بالعم عمار كانت غارقة في زحام المشترين. ولأن نافذة غرفة الضيوف كانت مواربة قليلاً، فقد وصل صدى كلماتهن واهتزت به مسامعي بوضوح تام.​"يا ليلى، أحقاً ما يشاع من أن التي وصلت في غسق الفجر بالأمس هي سلمى؟" كان هذا الصوت الحاد يعود لفاطمة، زوجة رئيس الحي، التي طالما كانت نهمة لفضائح الآخرين وعوراتهم.​أجابت ال
Read more

الفصل الثامن

​في تلك الليلة، بدت مائدة البيع في الشرفة الأمامية موحشة وخالية للغاية. ولم يكن ذلك لأن البضاعة قد نفدت بتهافت المشترين، بل على العكس تماماً؛ فالقدور المليئة بالخضار المطبوخة بحليب جوز الهند وتقلية التمبي لا تزال ممتلئة عن آخرها، تكاد لم تُلمس. وعلى الصينية، رقدت أكوام مقليات الخضار و"التمبي" التي بردت الآن، متراكمة بلا حراك، تاركة بقع الزيت تتجمد ببطء حولها.​لقد غرق عائد اليوم إلى أعمق قاع؛ وكانت هذه أمرّ حقيقة يتجرعها جدي وجدتي طوال سنوات تجارتهما.​وقفت متسمرة عند عتبة الباب، أنظر بحزن إلى جدي وهو يرتب المقاعد الخشبية بتنهيدات أثقلها الكبر والهم. تفتت قلبي كالغبار في مهب الريح، وشعور الذنب يعتصر قفصي الصدري حتى خنق أنفاسي. كنت أبتغي تخفيف العبء الذي يثقل كاهليهما، فإذا بوجودي يتحول إلى لعنة تقطع شريان رزق هذه العائلة. حقاً، لم أكن سوى جالبة للبؤس والأسى.​"جدتي... جدي..." خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً وأنا أخطو نحوهما.​التفتت جدتي التي كانت تغطي صينية المقليات بأوراق الموز: "ما الخطب يا حفيدتي؟ هل هناك شيء تبغينه؟"​"سامحيني يا جدتي،" وانفجر بكائي رغماً عني، فجثوت على ركبتي وأمسكت بخ
Read more

الفصل التاسع

بقيتُ متسمرة خلف ستارة نافذة غرفة المعيشة المواربة، أراقب بذهول وإعجاب تلك الفتاة ذات الشعر المصفف بعناية وهي تبتعد بخطوات وئيدة عن فناء منزلنا. كانت السلة في يدها مثقلة بأكياس طعام جدتي. بدت خطواتها مفعمة بالبهجة، وبين الحين والآخر، كانت تلقي تحية ودودة على الجيران الذين تصادفهم في ممرات القرية.​"يا جدتي، من تكون تلك الفتاة؟" سألتها عندما عادت إلى المطبخ الخلفي لتنظيف الأواني الفارغة.​ابتسمت جدتي وهي ترتب الصحون المتسخة وقالت: "اسمها نادية يا حفيدتي. إنها ابنة مختار القرية المجاورة. يُقال إنها بحاجة إلى ولائم ضخمة لإطعام العمال الذين يبنون قاعة الاجتماعات في قريتها. ما شاء الله، ما أنبل أخلاق هذه الفتاة! لم تساوم على السعر قيد أنملة، بل اشترت البضاعة بأكملها دون أن تترك شيئاً."​أومأت برأسي ببطء. وتدفق سيل من الراحة العظيمة ليثلج صدري. لقد تجلى لي بوضوح أن الله سبحانه وتعالى لا يغفل ولا ينام. ففي اللحظة التي شعرت فيها أن جسدي تحول إلى لعنة على عائلتي، ساق الله إلينا الرزق من حيث لا نحتسب، على يد نادية.​توالت الأيام بإيقاع حياة جديد. زاد اجتهادي وتفانيّ في إعداد وصفات جدتي داخل جدرا
Read more

الفصل العاشر

خيم على شرفة منزل جدي صمت متجمد وغريب. بقيتُ متسمرة في مكاني، أراقب غفران الذي كان يجلس الآن باسترخاء تام على المقعد الخشبي الطويل، مقابلاً لي ولنادية.​كسر صوت نادية حاجز الصمت: "أخ غفران... ما الذي أتى بك إلى هنا؟" تغيرت نبرتها بالكامل، لتصبح أكثر رقة وغنجاً واهتماماً. "ألم تنتهِ من أعمالك في سولو بعد؟ ولماذا لم تخبرني بعودتك إلى ماوس؟ لو علمت بقدومك، لأعددت لك مأدبة خاصة تليق بك."​استرقت النظر إلى نادية بطرف عيني. كانت تجلس الآن بظهر مستقيم، وتوجه ابتسامتها المشرقة كشمس الصباح نحو غفران بكاملها. وكانت أصابعها منشغلة بوضع خصلات شعرها المتناثرة خلف أذنيها وتعديل ياقة ثوبها، في محاولة لتبدو أكثر جاذبية أمامه.​اكتفى غفران بإلقاء نظرة سريعة على نادية، وابتسم ابتسامة باهتة يغلفها الأدب لكنها تضع حدوداً واضحة. "قدر الله وما شاء فعل، فقد أنهيت أعمالي في وقت أبكر يا نادية. لذا عدت أدراجي مباشرة، وقررت أن أنتهز الفرصة لزيارة جدي وسلمى."​خفق قلبي!شعرت باضطراب شديد في صدري. الطريقة العفوية والبسيطة التي نطق بها غفران اسمي أمام نادية، جعلت الأجواء أكثر إحراجاً وتوتراً لسبب أجهله.​"أوه... ل
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status