LOGINخطا غفران في شوارع مألوفة جداً بالنسبة لي. تبعت خطواته للحظات، حتى أوقف سيره أمام مبنى يقف بشموخ. كان ذلك هو المنزل الذي أويت إليه أنا وأمي لثلاث سنوات، منذ أن أعادت بناء عش الزوجية. ولكن، في نهاية المطاف، عقدت العزم على الرحيل من ذلك المكان.
"لقد وصلنا،" قال غفران وهو يفلت يدي ببطء. "استريحي بسلام!"
كيف له أن يعرف مكان إقامتي؟ رغم أن لساني لم ينطق به قط.
"عرفت موقع هذا المنزل من بطاقة الدعوة التي أعطيتني إياها قبل أيام،" قال الشاب وهو يبتسم، مظهراً صفاً من أسنانه البيضاء المنتظمة.
"آه، تلك الدعوة... قد أُلغيت. والليلة، إن شاء الله، أنوي العودة إلى قريتي."
صمت غفران للحظة في ذهول. ثم سأل: "على متن القطار من محطة بوروساري؟"
أومأت برأسي ببطء مؤكدة.
"لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك،" هكذا وعدني.
ماذا يقصد بذلك؟ يقول إنه سيلحق بي؟ لمجرد توديعي؟ حقاً، يعجز عقلي عن سبر أغوار تفكير هذا الشاب.
...
أسدل الليل أخيراً ستائره على الأرض. وجهت نظري نحو ساعة الحائط المعلقة في غرفة المعيشة، كانت عقاربها تشير إلى السابعة والنصف مساءً. في وقت سابق من هذا المساء، اكتفى أبي بإعطائي تذكرة قطار تحمل اسمي، ثم غادر مسرعاً مع شوفي. وحتى هذه اللحظة، لم يظهر لهما أثر، بينما يداهمني الوقت للإسراع إلى المحطة.
الآن، جسدي مسمر على أريكة غرفة المعيشة، أنتظر عودة أبي لألقي عليه تحية الوداع. كان لسانه قد وعد باستئجار دراجة نارية لي. ولكن، بالنظر إلى بروده الشديد، ساورني الشك. سينطلق ذلك القطار الحديدي في الساعة الثامنة وخمسين دقيقة، بينما تفصلني عن المحطة مسافة تزيد عن كيلومترين. لو أنني بدأت السير منذ هذه اللحظة، فربما لا يزال الوقت في صالحي.
فنهضت مسرعة. أي أمل يمكن أن أعلقه على عائلة ترفض حتى النظر إلى وجودي؟ مجرد شراء هذه التذكرة لي، يستوجب مني شكراً لا حدود له.
جررت خطواتي عبر عتبة الباب، حاملة حقيبة سفر مقاومة للماء متوسطة الحجم. للحظة، أدرت وجهي إلى الوراء، أنظر بحزن إلى جدران المبنى الذي كان المحطة الأخيرة لأمي. انهارت دفاعاتي، وتساقطت الدموع الصافية من عيني، رغم محاولاتي المستميتة لحبسها.
"وداعاً!" همست بصوت خافت، ثم استدرت ومسحت خدي المبلل.
"آه!" شعرت بلسعة ألم نابضة. "لا ينبغي لهذا البكاء أن ينفجر. هذه الدموع لن تفعل سوى أن تبلل الجروح التي بدأت تجف،" وبخت نفسي في صمت، وأنا أمسح بقايا الدموع بحذر شديد وبطء.
هبت رياح الليل بعنف، تتلاعب بعباءتي والوشاح الذي يخفي وجهي حتى أخذا يرفرفان بلا توقف. عانيت من أجل الإمساك بقطع القماش تلك كي لا تطير مع الريح. لكن قسوة هذه العاصفة لم تزحزح قيد أنملة من أعمدة الإصرار في قلبي على سلك طريق العودة.
"يبدو أن السماء ستسكب دموعها قريباً،" تنهدت بخفوت، وأنا أنظر إلى أفق الليل الحالك والخالي من وميض النجوم.
فجأة، تردد صدى أنين من أعماق معدتي. جوع يمتص طاقتي، ويعتصر أمعائي بألم في الداخل. لم تعبر حبة أرز واحدة حلقي، إذ لم يتبق ولو القليل من الطعام في ذلك المنزل. وهذا الجسد البائس، لا يملك ولو درهماً واحداً في قبضته.
في بعض الأحيان، كنت أغمض عيني للحظة لأستشعر مدى مرارة القدر الذي أعيشه. جررت خطواتي التي تزداد ثقلاً، ترافقها شفاه ترتجف بذكر الله، "لا حول ولا قوة إلا بالله!" لا حول لي ولا قوة، إلا بعون الله وحده.
قطعت نصف مسيرة العذاب هذه. اصطفت أكشاك بائعي الأطعمة على جانبي الطريق. تخللت رائحة الطعام الشهية أنفي، مما جعل الديدان في معدتي تزداد تمرداً. لكن هذا الجسد العليل لم يقوَ إلا على مواساتها بابتلاع ريق مرير.
لأعتبر نفسي صائمة. هكذا واسيت قلبي الحزين.
واصلت خطواتي لأشق صمت الليل، مستكملة رحلتي التي توقفت قليلاً. حثثت خطاي أكثر عندما بدأت قطرات الماء من السماء تلامس بشرتي. أجبرت نفسي على الركض قليلاً، لأن الرذاذ تحول تدريجياً إلى مطر غزير.
"لم يتبق سوى مائة متر أمامك. تماسكي يا سلمى! وإلا سيتبلل جسدك بالكامل في أحضان العاصفة!" تمتمت لأقوي هذه الروح الهشة.
وووش!
هبت رياح الليل بشراسة أكبر، وكأنها تصب غضبها عليّ. رافق هدير أنفاسها قطرات المطر التي تحولت الآن إلى ضربات قاسية. اضطررت للركض بخطوات صغيرة، إحدى يداي تجر الحقيبة بما تبقى من قوة، بينما اليد الأخرى تتشبث بإحكام بطرف الوشاح الذي يغطي وجهي. لكن طاقتي التي استنزفها الجوع والتعب، لم تكن نداً لقسوة غضب الطبيعة.
زززط!
"آه!" صرخة احتبست في حلقي.
في لمح البصر، انتزعت عاصفة الرياح العاتية الوشاح من قبضتي. أفلتت قطعة القماش الرقيقة قسراً، وتطايرت تتخبط في مهب الريح، ثم سقطت في مكان مجهول ابتلعته عتمة شوارع المدينة.
تجمد جسدي في تلك اللحظة، مترنحاً يكاد يفقد توازنه. هبط برد الليل القارس بقسوة ليسلخ وجهي الذي لم يعد مستوراً الآن. بدأت قطرات المطر تقبل سطح بشرتي المليء بجروح الحروق المفتوحة والملتهبة والتي بدأت تتجعد.
وكأن عجلة الزمن توقفت عن الدوران في المكان الذي أقف فيه. العشرات من الأشخاص الذين كانوا يحتمون تحت شرفة المتجر، بالإضافة إلى المشترين المصطفين في الأكشاك على جانب الطريق، أداروا رؤوسهم فجأة ليحدقوا بي. شعرت بوضوح بلسعة نظراتهم الحادة الخارقة. العيون التي كانت تنظر إليّ بشفقة في البداية لرؤيتي أقف تحت المطر، اتسعت فجأة لتعكس رعباً شديداً. ضجيج الأحاديث الذي كان يحيي الشارع منذ قليل، مات فجأة وابتلعه صمت طويل.
"يا إلهي، ما الذي أصاب وجهها؟" التقطت أذناي بصعوبة همس امرأة من جهة بائع المقليات.
"يا لسوء حظها، هل تعرضت لحادث؟ لكن مظهرها يثير الرعب حقاً..." أجابت صديقتها وهي تتراجع خطوات إلى الوراء خوفاً.
"هيه، أبعدوا أنظاركم، لا تحدقوا بها هكذا."
كانت تلك الهمسات المتطايرة في الهواء وكأنها آلاف السيوف غير المرئية التي طعنت في صميم قلبي. ورغم أن تلك الكلمات قيلت بخفوت، إلا أنها ترددت بصوت عالٍ يصم الآذان في صدري. ابتلعت ريقي الذي أصبح الآن بطعم العلقم. كان قلبي يدق بعنف لا يتوقف، يضغط على قفصي الصدري حتى ضاق نفسي.
دون وعي، أحنيت رأسي إلى أقصى حد. استخدمت كلتا يدي كدرع لتغطية وجهي، لكن غريزتي نبهتني سريعاً، مذكرة إياي بأن الجلد على ظهر يدي كان مرعباً بنفس القدر. لم يعد هناك أي مكان على وجه الأرض لأختبئ فيه من نظرات العالم القاسية التي تدينني. ابتلعتني مشاعر الخجل والذل والنقص في ظلمة حالكة، متجاهلة برودة العاصفة التي بدأت تبلل ملابسي تدريجياً.
لم يقوَ هذا الجسد على فعل شيء سوى الوقوف بجمود والنظر بحزن إلى أطراف حذائي الذي غمرته برك المياه الآن، لم أجرؤ ولو قيد أنملة على رفع وجهي. يا الله، استرني. ارزقني نجدتك، هكذا صرخت روحي التي سُحقت وتحولت إلى غبار.
وسط خنق اليأس الذي يسلب أنفاس هذه الحياة، تسلل فجأة طيف إلى أعماق روحي. وجه غفران. ابتسامته المليئة بالصدق، وقبضة يده القوية التي لا تعرف التردد تحت شمس الظهيرة الحارقة، ورقة كلماته عادت لتتردد بوضوح في أذني باطني.
"لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك."
تسلل بريق من الدفء ببطء إلى زوايا قلبي المتجمد. وبدأ برعم من الأمل يزهر ببطء. هل سيفي حقاً بوعده ويلحق بي؟ وسط نظرات الاشمئزاز التي يوجهها العشرات من هؤلاء الغرباء، كان تخيل وجود شخص واحد فقط مستعد للنظر إليّ دون سخرية يبدو وكأنه واحة في وسط صحراء معاناتي القاحلة.
ولكن، بعد ثانية واحدة، هززت رأسي بقوة. وشنقت برعم الأمل الذي نبت للتو حتى مات ولم يتبق منه شيء.
أستغفر الله يا سلمى! أفيقي من أوهامك! وبخت نفسي لاعنة غفلتي.
ارتسمت ابتسامة مريرة عابرة على شفتي، لتختلط مع شهقات البكاء المكتومة. لا، لا يحق لهذا الجسد أن يعلق آماله على قدوم أي شخص. إن تعليق الأمل على مخلوق من مخلوقاته - خاصة على شخص لا يزال مستقبله يشرق بوضوح - لن يجلب سوى الكارثة للدم المضغة في هذا الصدر. الرجاء في البشر ما هو إلا طريق مختصر نحو أعمق هاوية من خيبة الأمل التي تمزق القلب. ولو أنه لم يأتِ في النهاية، فلن تتحطم هذه الروح إلا إلى أشلاء للمرة الألف. حسبي الله ونعم الوكيل. فلأدع هذه الأكتاف الضعيفة تحمل كل ذلك الألم بمفردها.
بدأت دموع السماء تنهمر بغزارة أكبر، وكأن الكون يشاركني النواح على حظي العاثر. انهارت حصون دموعي أخيراً دون مقاومة، لتسقط وتندمج مع قطرات المطر التي تضرب الإسفلت تحت قدمي. ارتجف هذا الجسد بشدة، ممزقاً بين الجوع المعذب، وقسوة برد الليل، والصمت الطويل الذي لا نهاية له. أغمضت عيني، مستعدة لحث خطاي لاختراق ظلام هذه العاصفة بمفردي.
ولكن، بمشيئته... توقفت فجأة قطرات المطر التي كانت تضرب رأسي. وكأن مظلة خفية تشكلت لتظللني بمعجزة من فوق رأسي.
ظل هذا الجسد مطأطئاً متصلباً كالتمثال، وانقطعت شهقات بكائي في حلقي فجأة، عندما رأيت زوجاً من أحذية شاب مبللة بالكامل تخطو نحوي، ثم تتوقف تماماً لتحاذي أطراف حذائي.
بعد ثانية، امتدت ببطء قطعة قماش أحفظ رائحتها عن ظهر قلب - وشاحي الذي طارته العاصفة إلى مكان مجهول. قام زوج من الأيدي القوية بوضعه برقة شديدة وعناية فائقة على تاج رأسي. عاد ذلك القماش ليغلف شعري ونصف وجهي، ليصبح درعاً يحميني من نظرات العالم الخارجي القاسية.
تجمد جسدي في مكاني. رائحة عطر رجولية، ممزوجة بعبق الأرض المبللة بالمطر، تسللت برقة إلى تجويف أنفي، لتجلب طمأنينة روحية لم أتذوقها قط طوال حياتي.
وقبل أن يتمكن عقلي من استيعاب هذه المعجزة ورفع وجهي للقاء منقذي، امتدت ذراع الشاب لتقدم كيساً شفافاً أمام صدري مباشرة.
اخترق بخار خفيف غلافه، لينشر رائحة مرق اللحم الزكية وشرائح البصل المقلي التي تفتح الشهية. كيس من الطعام الساخن يروي ظمأ المعدة.
"املئي معدتك أولاً. مسار رحلة عودتك لا يزال طويلاً جداً يا سلمى،" جاء صوت جهوري عميق ومليء بالرقة، رغم أنه بدا لاهثاً بعض الشيء. كان ذلك الصوت دافئاً جداً، يتغلب على هدير المطر الصاخب في هذه الليلة.
خفق قلبي!
شعرت وكأن قلبي يقفز من مكانه في صدري.
كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي."آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي أيضاً آلاماً نابضة وشديدة في جروح الحروق التي لم تمضِ فترة طويلة على جفافها. شعرت بتصلب وحكة في بشرة وجهي وذراعيّ بالكامل، ممتزجة بألم حاد يمزق الجسد. أسندت رأسي إلى زجاج النافذة المكسو بالضباب، مستجمعة كل قواي لحبس أناتي حتى لا أزعج هدوء المسافرين الآخرين الذين استغرقوا في نوم عميق غارقين في أحلامهم.وفي غمرة هذا العذاب الجسدي، كانت أعماقي تضطرب بلا توقف. بدأت بذور الخوف تزحف لتنهش عقلي. كيف يا ترى سيكون تقبل جدي وجدتي لي؟ هل سيصعقان برؤية مظهري المحطم هذا؟ ماذا لو تسلل الخجل إلى أعماق قلبيهما لوجود حفيدتهما في هذه الحالة المزرية؟ في الماضي، عندما كنت أعيش في هذه القرية، كنت دائماً جوهرتهما وفخرهما. لا أنوي التكبر أبداً، لكن لقب "زهرة الورد الأبهى في القرية" كان دائماً يطلقه أهل القرية عل
خفق قلبي!شعرت وكأن قلبي في صدري ينتفض، يكاد يقفز من قفصه.وبحذر شديد، رفعت وجهي الذي كان مطرقاً كتمثال متصلب. عبر ستارة قطرات المطر المضاءة بنور مصابيح الشوارع الخافتة، حدقت في ذلك الوجه. ابتسامة هادئة ليست غريبة على وجداني."غفران؟" خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً، يكاد يغرق في هدير العاصفة.أجاب الشاب بإيماءة بطيئة. "خذي هذا!" قالها وهو يقرب الكيس الشفاف نحوي.سارعت بسحب طرف الوشاح الذي وضعه للتو على رأسي، ثم لفيته بإحكام لأخفي هذا الوجه المشوه، حتى لم يتبق سوى عيناي. عاد الخجل ليقيد قلبي، متذكرة نظرات الناس المحتقرة لي قبل لحظات. هاجمني الخوف في أعماقي، خشية أن يعكس غفران رعباً مماثلاً. ولكن، عندما استجمعت شجاعتي لمواجهة نظراته، لم ألمح فيها ذرة من اشمئزاز أو رعب أو شفقة تهين كرامتي.كانت نظراته كما هي، تماماً كغفران الذي عرفته في الماضي، دافئة جداً وتبعث على طمأنينة الروح.بأصابع لا تزال ترتجف، أخذت كيس الطعام. سرعان ما تسلل الدفء من باطن يدي التي كانت متجمدة كالثلج."هيا بنا، ألن ينطلق قطارك بعد قليل؟" دون إضاعة للوقت، أخذ غفران حقيبتي بيده اليسرى، بينما أشار بيده اليمنى لأتبع
خطا غفران في شوارع مألوفة جداً بالنسبة لي. تبعت خطواته للحظات، حتى أوقف سيره أمام مبنى يقف بشموخ. كان ذلك هو المنزل الذي أويت إليه أنا وأمي لثلاث سنوات، منذ أن أعادت بناء عش الزوجية. ولكن، في نهاية المطاف، عقدت العزم على الرحيل من ذلك المكان."لقد وصلنا،" قال غفران وهو يفلت يدي ببطء. "استريحي بسلام!"كيف له أن يعرف مكان إقامتي؟ رغم أن لساني لم ينطق به قط."عرفت موقع هذا المنزل من بطاقة الدعوة التي أعطيتني إياها قبل أيام،" قال الشاب وهو يبتسم، مظهراً صفاً من أسنانه البيضاء المنتظمة."آه، تلك الدعوة... قد أُلغيت. والليلة، إن شاء الله، أنوي العودة إلى قريتي."صمت غفران للحظة في ذهول. ثم سأل: "على متن القطار من محطة بوروساري؟"أومأت برأسي ببطء مؤكدة."لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك،" هكذا وعدني.ماذا يقصد بذلك؟ يقول إنه سيلحق بي؟ لمجرد توديعي؟ حقاً، يعجز عقلي عن سبر أغوار تفكير هذا الشاب....أسدل الليل أخيراً ستائره على الأرض. وجهت نظري نحو ساعة الحائط المعلقة في غرفة المعيشة، كانت عقاربها تش
أغمضت عينيّ بقوة. وفي تلك اللحظة المظلمة، انتفضت روحي فجأة لظهور أطياف أشخاص طالما اشتقت إليهم بشدة."أستغفر الله..."تمتمت شفتاي بالاستغفار بخفوت. تجسدت جدتي في عالم خيالي، تقف بجانب جدي، ثم قالت بصوت حنون: "نحن نشتاق إليك كثيراً يا سلمى."انهمرت دموعي عندما عادت بي الذاكرة إلى كلماتهم الأخيرة في محطة "ماوس" في ذلك اليوم: "سننتظر عودتك دائماً يا ابنتي."لو أنني أزهقت روحي حقاً، كم سينفطر قلبيهما حين يجدان جثة حفيدتهما متدلية بلا حراك في نهاية حبل؟من المرجح أن خبر المصيبة التي ألمت بي لم يصل إلى مسامعهما بعد. أخذت أنتحب، وقطرات الحزن تنهمر بغزارة لتبلل الجروح التي على وجهي، جاعلة إياها رطبة ومؤلمة، ومختلطة برائحة الصديد الكريهة."آه..." تأوهت محاولة كتمان ألمي. حقاً، هذا الألم الجسدي لا يقارن بالعذاب النفسي حين ينظر إليّ الناس باحتقار وازدراء.ارتجفت شفتاي وهي تتمتم بالدعاء: "الحمد لله الذي أيقظ روحي من وادي اليأس. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لي ولا قوة إلا بعونك وحدك. لذلك، أسلمت جسدي وروحي إليك وحدك يا رب."سارعت بتطهير نفسي بماء الوضوء، ثم أديت صلاة ركعتين وجثوت أطلب م
"سلمى... سلمى! أين أنتِ يا ابنتي؟" نادت أمي، واخترق صوتها باب الغرفة."أمي! الباب مغلق من الداخل!" رددت بصرخة مكتومة.ثم تمكنت أمي من إدارة المفتاح الذي كان لا يزال عالقاً في القفل.طق!"أمي!"فتحت ذراعيّ، أردت أن أعانق بشدة تلك المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء."احذري يا ابنتي!" صرخت أمي فجأة، وبحركة سريعة أدارت جسدي.طراخ!"آآآه،" سُمعت أنة مكتومة من شفتيها.سقطنا على الأرض، وتزامن ذلك مع تساقط عوارض خشبية مشتعلة. التهمت النيران كل ما حولنا. عانقتني أمي بشدة، جاعلة من ظهرها درعاً يصد ذلك الحطام المشتعل."سلمى، حقاً هذه إشارة من الخالق استجابة لدعواتك،" همست أمي بأنفاس متقطعة."إشارة؟ ماذا تقصدين يا أمي؟"..."أمي؟"صمت مطبق.لم يعد هناك صوت يجيب. حتى أنفاسها لم أعد أشعر بها تلامس بشرتي. وفي تلك اللحظة بالذات، انهمرت الدموع من مقلتيّ، تتدفق كينبوع من الحزن.بدأت رائحة احتراق جسدها تتسلل إلى أنفي. غصّ حلقي، ولم أقوَ على إطلاق صرخة لطلب النجدة. لم أعد أبالي بلسعات النار التي بدأت تلتهم وجهي وذراعيّ. عانقت جسدها بقوة في تلك اللحظات الأخيرة. أسلمت أمري لله. حقاً، كنت عاجزة تماماً.تلاشت
"يا سلمى، هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟" قالها رجل وهو يجثو على ركبتيه أمامي ويقدم لي خاتماً.فخفق قلبي بشدة، وتلاطمت الأفكار في رأسي. لقد اصطحبني هذا الرجل فجأة في نزهة إلى أحد المقاهي، ثم تقدم لخطبتي دون أي كلمات تمهيدية. وبدا أن بعض الزوار الآخرين ينظرون إلينا بشغف وفضول.أما أنا، فادعى جميلة سلمى. في الحقيقة، لقد لُقبت بأجمل طالبة في المدرسة الثانوية. وبفضل طبيعتي المطيعة دائماً، وودي، وأخلاقي الحسنة، فقد مال إليّ الكثير من الزملاء.موطني الأصلي هو إندونيسيا، وتحديداً في مدينة تشيلاتشاب. انتقل والدي إلى رحمة الله عندما كنت بالكاد أبلغ الخامسة من عمري. فعشت مع أمي وجدي وجدتي في إحدى القرى. بعد ذلك، تزوجت أمي مرة أخرى من تاجر ثري من مدينة سولو. وكان لذلك التاجر ابنة تكبرني بعام واحد.وقد تم زواج أمي منه عندما أنهيت دراستي في المدرسة المتوسطة. فانتقلنا للعيش معه في مدينة سولو، أو ما يُعرف بشكل أكثر شهرة بمنطقة سوكوهارجو."إن تصرفك هذا لعجيب حقاً، يا سيد طارق! ألسنا مرتبطين بالفعل بخطبة مدبرة؟" هكذا رددت على كلماته."في الحقيقة، أردت فقط أن أؤكد النية التي في قلبي." ثم ارتسمت على ش







