LOGINأغمضت عينيّ بقوة. وفي تلك اللحظة المظلمة، انتفضت روحي فجأة لظهور أطياف أشخاص طالما اشتقت إليهم بشدة.
"أستغفر الله..."
تمتمت شفتاي بالاستغفار بخفوت. تجسدت جدتي في عالم خيالي، تقف بجانب جدي، ثم قالت بصوت حنون: "نحن نشتاق إليك كثيراً يا سلمى."
انهمرت دموعي عندما عادت بي الذاكرة إلى كلماتهم الأخيرة في محطة "ماوس" في ذلك اليوم: "سننتظر عودتك دائماً يا ابنتي."
لو أنني أزهقت روحي حقاً، كم سينفطر قلبيهما حين يجدان جثة حفيدتهما متدلية بلا حراك في نهاية حبل؟
من المرجح أن خبر المصيبة التي ألمت بي لم يصل إلى مسامعهما بعد. أخذت أنتحب، وقطرات الحزن تنهمر بغزارة لتبلل الجروح التي على وجهي، جاعلة إياها رطبة ومؤلمة، ومختلطة برائحة الصديد الكريهة.
"آه..." تأوهت محاولة كتمان ألمي. حقاً، هذا الألم الجسدي لا يقارن بالعذاب النفسي حين ينظر إليّ الناس باحتقار وازدراء.
ارتجفت شفتاي وهي تتمتم بالدعاء: "الحمد لله الذي أيقظ روحي من وادي اليأس. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لي ولا قوة إلا بعونك وحدك. لذلك، أسلمت جسدي وروحي إليك وحدك يا رب."
سارعت بتطهير نفسي بماء الوضوء، ثم أديت صلاة ركعتين وجثوت أطلب مغفرته. رويت جفاف قلبي بتلاوة آيات القرآن الكريم، منتظرة عودة أبي وشوفي في سكون الليل.
لم يظهرا إلا عندما خيم الليل الدامس على الأرض. لست أدري أين كانا يتجولان حتى هذا الوقت المتأخر. في الحقيقة، هناك شوق في صدري يدفعني للإفصاح عن نيتي في العودة إلى قريتي. لكن، ملامح وجهيهما العابسة أجبرت لساني على التزام الصمت مجدداً.
في اليوم التالي، حين كان الندى لا يزال يبلل أفق الصباح، كان أبي وشوفي منشغلين بتناول طعامهما بصمت. بعد رحيل العمة "إيماه"، أصبحت شوفي هي من تعد الطعام لأبي. بين الحين والآخر، يطرح أبي سؤالاً حول دراسة شوفي، لكنه سرعان ما يعود للتركيز في طعامه دون أن يكلف نفسه عناء النظر إليّ.
آه... لقد بات وجودي وكأنه عدم، فما فائدة بقائي متسمرة هنا إذن؟ استجمعت كل ما في صدري من شجاعة، وكسرت حاجز الصمت لأعبر عما في داخلي.
"يا أبي، أرجوك اسمح لي بالعودة إلى قريتي،" قلتها بوجه مطرق وحزين، غير قادرة على مواجهة نظراته. كنت أدرك تماماً مدى اشمئزازه من مظهري الحالي.
"اذهبي الليلة إلى المحطة، سأحجز لك تذكرة. اذهبي واستأجري دراجة نارية من الموقف، فجدولي مزدحم جداً ولا وقت لدي لأوصلك،" رد أبي بنبرة باردة مزقت قلبي.
"هيه." سُمعت ضحكة ساخرة ومستخفة من شفتي شوفي، مع ابتسامة ماكرة. وكما فعل أبي، لم تلقِ عليّ ولو نظرة عابرة. ملامح وجهها المليئة بالسخرية بدت وكأنها تردد عبارة: لا تحلمي أبداً أن يوافق أبي على إيصالك.
"لا بأس، أنا أتفهم الوضع. شكراً لك يا أبي."
أسرعت في إنهاء ما تبقى من طعامي ثم حبست نفسي مجدداً في الغرفة. ألقيت بجسدي المتعب على السرير، وأطلقت تنهيدة طويلة مثقلة بالأسى.
فجأة لمعت في ذهني ذكرى. رفعت أصابع يدي اليسرى في الهواء. في هذا البنصر، لا يزال يقبع بكبرياء خاتم ذهبي منقوش بخط عربي جميل.
"آه، الوعود التي قيلت في الماضي كانت حلوة كالعسل، لكنها الآن أصبحت شديدة المرارة. هوووه!" أخذت نفساً عميقاً بصدر ضيق. "من الأفضل أن أعيد هذه المجوهرات الفانية إلى صاحبها على الفور. ليت القدر لا يجمع دربي بدربه مرة أخرى أبداً."
ومع اقتراب الساعة الحادية عشرة ظهراً، عقدت العزم على التوجه إلى منزل طارق. لففت جسدي بالكامل بملابس ذات أكمام طويلة، ثم أخفيت وجهي وشعري خلف أطراف الوشاح المتدلية.
توقفت خطواتي على حافة طريق "سلاميت ريادي" السريع. في الواقع، المسافة التي كان عليّ قطعها سيراً على الأقدام بعيدة جداً وستستغرق وقتاً طويلاً. "آه، لا بأس، فالبقاء في المنزل لن يجلب سوى الحزن"، تمتمت في نفسي.
سرت على حافة الطريق المغبر تحت أشعة الشمس الحارقة. وعندما وصلت إلى فناء منزل طارق، تجمد جسدي فجأة. شعرت بثقل شديد حتى في رفع يدي لطرق الباب.
طق!
على غير المتوقع، فُتح الباب أمامي. وظهر أمامي بوضوح ذلك الشاب الوسيم الذي تربع اسمه في أعماق قلبي لعام كامل.
"يا إلهي! مـ-ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟ ألم تفهمي... أن الرابط بيننا قد انتهى؟" تراجع إلى الوراء مفزوعاً، وهو يغطي عينيه بإحدى ذراعيه. كانت كراهيته وعدم رغبته في النظر إلى وجهي واضحة تماماً.
"ليس لدي شأن آخر سوى إعادة الأمانة التي بقيت معي." مددت يدي بالخاتم الذي ألبسني إياه قبل أيام قليلة مع الكثير من الوعود المعسولة.
"احتفظي به لنفسك!" قاطعني بحدة وهو يشيح بوجهه. "هل انتهيتِ؟ ليس لديك عمل آخر هنا، أليس كذلك؟"
ألجمتني كلماته فلم أنطق بحرف. آه، يا له من تصرف يثير الغثيان.
طراخ!
أسقطت تلك الجوهرة لتتدحرج وتقبل الأرض. ثم قلت: "أعذرني، لكنني لا أستطيع قبوله. أرجو في ما تبقى من عمري ألا يجمع القدر بين دربينا مجدداً، وإلى الأبد."
لعلّه شعر برعب شديد من أن تتلامس بشرتانا، حتى أنه فضل ترك ذلك الشيء الثمين يسقط على أن يأخذه من يدي. تباً لما يدور في عقل ذلك الشاب. لقد بلغ خيبة أملي منتهاها. وددت لو أرمي ذلك الخاتم في وجهه مباشرة، لكن قيم الأدب والأخلاق لا تزال تكبح جماح غضبي.
"السلام عليكم!" قلتها بسخرية، ثم استدرت ومشيت بخطوات متثاقلة مبتعدة عن أنظاره.
كانت أعماقي تضطرب كأنها عاصفة هوجاء—حزن، وغضب، وخيبة أمل انصهرت جميعها في بوتقة واحدة، مما جعل صدغي ينبض بالألم. وما زاد الطين بلة هو حرارة الشمس التي كانت تحرق الجلد، بينما كان جسدي مغطى بإحكام بطبقات من الملابس.
"رأسي يؤلمني،" تذمرت بصوت مبحوح، وأنا أضغط على جبهتي التي شعرت وكأنها تدور بشكل جنوني.
"مرحباً! احذري!" فجأة شق الهواء صراخ حاد. يبدو أن ذلك التحذير كان موجهاً إليّ.
بييييب... بييييب!
صوت بوق السيارة الذي صم الآذان أعاد إليّ وعيي، لأدرك أنني كنت أقف مترنحة في منتصف الطريق السريع. ومن يساري، كانت مركبة حديدية وحشية تنطلق شاقة الهواء، متجهة نحوي مباشرة.
ووووش! طراخ!
اندفع شاب ودفع جسدي بقوة، مما جعلنا نسقط على حافة الطريق الصخرية. نهضت بصعوبة مسرعة واقتربت منه. لقد جعل ذلك الشاب من جسده درعاً لحمايتي من قسوة الرصيف، حتى أن رأسه ارتطم بقوة بحجارة الطريق.
"أستغفر الله. يا إلهي، أرجوك سامحني. هل أنت بخير؟" همست بنبرة مليئة بالقلق.
"آه، أنا بخير،" أجاب وهو يلتفت إليّ، متحسساً جبهته التي أصيبت بخدش طفيف.
"غفران!"
اتسعت عينا الشاب. نهض مسرعاً ونظر إليّ بنظرات ثاقبة فاحصة.
يا إلهي، لقد زلّ لساني ونطق باسمه. أرجو ألا يتعرف على هيئتي. سحبت بسرعة طرف الوشاح المتدلي على رقبتي لأخفي بشاعة وجهي.
"سلمى؟ هل هذه أنتِ يا سلمى؟" سألني على الفور، وسرعان ما قبضت يداه على كتفي.
أبعدت أصابعه عني واستدرت، متحججة: "أعذرني، لقد أخطأت في الشخص." وبسرعة البرق، حثثت خطاي للابتعاد عنه.
لكن حركة يده كانت شديدة البراعة. بخفة أمسك بمعصمي. فتوقفت خطواتي على الفور، مقيدة بقبضة ذلك الشاب.
"لا يمكنك خداعي يا سلمى!" اشتدت قبضة غفران، لتمزق الألم من جديد في جميع جروح يدي.
"آه!"
عندما سمع أنتي المكتومة، أرخى غفران قبضته على الفور. "أنا آسف."
"لا داعي للاعتذار،" قلت بحدة. "أرجوك، دعني أذهب! حقاً، لا أرغب في التحدث مع أي شخص كان. شكراً لك على مساعدتك!"
متدثرة بالكبرياء والارتباك، أشحت بوجهي، وتجرأت على ترك ذلك الشاب الذي نزف دمه بسببي.
"توقفي للحظة!" أحبط غفران نيتي مرة أخرى. ركض خلفي واعترض طريقي. قال وعلامات القلق مرتسمة بوضوح على وجهه: "من المستحيل أن أتركك ترحلين في هذا البؤس هكذا. وجهك شاحب لا دم فيه."
لامس ظهر يده جبهتي ببطء، ليقيس حرارة جسدي. الرجل الذي يقف أمامي لم يرتجف قيد أنملة، ولم يظهر عليه أي بصيص من الاشمئزاز. نظرته الهادئة تسللت إلى قلبي، لتقدم قطرة من السلام وسط آمالي المعقدة.
أستغفر الله. ما الذي تسلل إلى عقلي؟ لا ينبغي لي أن أشطح بخيالي إلى هذا الحد. مهما كانت أخلاق غفران النبيلة تجاهي، فهو لا يعدو كونه يشفق على صديقة طفولته.
"أشعة الشمس حارقة جداً اليوم، تغلي ما في رأسي وتصيبني بدوار لا مثيل له. لكنني حقاً بخير. علاوة على ذلك، منزلي لا يبعد سوى مرمى حجر من هنا. شكراً على اهتمامك. وانتبه أيضاً لهذا الجرح في جبهتك." رفعت رأسي، أتأمل الخدش في صدغه.
"إذا كان الأمر كذلك، فدعيني أرافقك إلى المنزل!"
بكل بساطة وحزم، أمسك بيدي مرة أخرى، وقبض عليها بقوة، وقاد خطواتي لأتبعه. لم يترك لي أي مجال لاختلاق الأعذار أو الرفض. يا له من شاب ثابت العزيمة. لذا، وبكل استسلام، تركت جسدي يتبع خطواته أينما اتجهت.
كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي."آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي أيضاً آلاماً نابضة وشديدة في جروح الحروق التي لم تمضِ فترة طويلة على جفافها. شعرت بتصلب وحكة في بشرة وجهي وذراعيّ بالكامل، ممتزجة بألم حاد يمزق الجسد. أسندت رأسي إلى زجاج النافذة المكسو بالضباب، مستجمعة كل قواي لحبس أناتي حتى لا أزعج هدوء المسافرين الآخرين الذين استغرقوا في نوم عميق غارقين في أحلامهم.وفي غمرة هذا العذاب الجسدي، كانت أعماقي تضطرب بلا توقف. بدأت بذور الخوف تزحف لتنهش عقلي. كيف يا ترى سيكون تقبل جدي وجدتي لي؟ هل سيصعقان برؤية مظهري المحطم هذا؟ ماذا لو تسلل الخجل إلى أعماق قلبيهما لوجود حفيدتهما في هذه الحالة المزرية؟ في الماضي، عندما كنت أعيش في هذه القرية، كنت دائماً جوهرتهما وفخرهما. لا أنوي التكبر أبداً، لكن لقب "زهرة الورد الأبهى في القرية" كان دائماً يطلقه أهل القرية عل
خفق قلبي!شعرت وكأن قلبي في صدري ينتفض، يكاد يقفز من قفصه.وبحذر شديد، رفعت وجهي الذي كان مطرقاً كتمثال متصلب. عبر ستارة قطرات المطر المضاءة بنور مصابيح الشوارع الخافتة، حدقت في ذلك الوجه. ابتسامة هادئة ليست غريبة على وجداني."غفران؟" خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً، يكاد يغرق في هدير العاصفة.أجاب الشاب بإيماءة بطيئة. "خذي هذا!" قالها وهو يقرب الكيس الشفاف نحوي.سارعت بسحب طرف الوشاح الذي وضعه للتو على رأسي، ثم لفيته بإحكام لأخفي هذا الوجه المشوه، حتى لم يتبق سوى عيناي. عاد الخجل ليقيد قلبي، متذكرة نظرات الناس المحتقرة لي قبل لحظات. هاجمني الخوف في أعماقي، خشية أن يعكس غفران رعباً مماثلاً. ولكن، عندما استجمعت شجاعتي لمواجهة نظراته، لم ألمح فيها ذرة من اشمئزاز أو رعب أو شفقة تهين كرامتي.كانت نظراته كما هي، تماماً كغفران الذي عرفته في الماضي، دافئة جداً وتبعث على طمأنينة الروح.بأصابع لا تزال ترتجف، أخذت كيس الطعام. سرعان ما تسلل الدفء من باطن يدي التي كانت متجمدة كالثلج."هيا بنا، ألن ينطلق قطارك بعد قليل؟" دون إضاعة للوقت، أخذ غفران حقيبتي بيده اليسرى، بينما أشار بيده اليمنى لأتبع
خطا غفران في شوارع مألوفة جداً بالنسبة لي. تبعت خطواته للحظات، حتى أوقف سيره أمام مبنى يقف بشموخ. كان ذلك هو المنزل الذي أويت إليه أنا وأمي لثلاث سنوات، منذ أن أعادت بناء عش الزوجية. ولكن، في نهاية المطاف، عقدت العزم على الرحيل من ذلك المكان."لقد وصلنا،" قال غفران وهو يفلت يدي ببطء. "استريحي بسلام!"كيف له أن يعرف مكان إقامتي؟ رغم أن لساني لم ينطق به قط."عرفت موقع هذا المنزل من بطاقة الدعوة التي أعطيتني إياها قبل أيام،" قال الشاب وهو يبتسم، مظهراً صفاً من أسنانه البيضاء المنتظمة."آه، تلك الدعوة... قد أُلغيت. والليلة، إن شاء الله، أنوي العودة إلى قريتي."صمت غفران للحظة في ذهول. ثم سأل: "على متن القطار من محطة بوروساري؟"أومأت برأسي ببطء مؤكدة."لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك،" هكذا وعدني.ماذا يقصد بذلك؟ يقول إنه سيلحق بي؟ لمجرد توديعي؟ حقاً، يعجز عقلي عن سبر أغوار تفكير هذا الشاب....أسدل الليل أخيراً ستائره على الأرض. وجهت نظري نحو ساعة الحائط المعلقة في غرفة المعيشة، كانت عقاربها تش
أغمضت عينيّ بقوة. وفي تلك اللحظة المظلمة، انتفضت روحي فجأة لظهور أطياف أشخاص طالما اشتقت إليهم بشدة."أستغفر الله..."تمتمت شفتاي بالاستغفار بخفوت. تجسدت جدتي في عالم خيالي، تقف بجانب جدي، ثم قالت بصوت حنون: "نحن نشتاق إليك كثيراً يا سلمى."انهمرت دموعي عندما عادت بي الذاكرة إلى كلماتهم الأخيرة في محطة "ماوس" في ذلك اليوم: "سننتظر عودتك دائماً يا ابنتي."لو أنني أزهقت روحي حقاً، كم سينفطر قلبيهما حين يجدان جثة حفيدتهما متدلية بلا حراك في نهاية حبل؟من المرجح أن خبر المصيبة التي ألمت بي لم يصل إلى مسامعهما بعد. أخذت أنتحب، وقطرات الحزن تنهمر بغزارة لتبلل الجروح التي على وجهي، جاعلة إياها رطبة ومؤلمة، ومختلطة برائحة الصديد الكريهة."آه..." تأوهت محاولة كتمان ألمي. حقاً، هذا الألم الجسدي لا يقارن بالعذاب النفسي حين ينظر إليّ الناس باحتقار وازدراء.ارتجفت شفتاي وهي تتمتم بالدعاء: "الحمد لله الذي أيقظ روحي من وادي اليأس. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لي ولا قوة إلا بعونك وحدك. لذلك، أسلمت جسدي وروحي إليك وحدك يا رب."سارعت بتطهير نفسي بماء الوضوء، ثم أديت صلاة ركعتين وجثوت أطلب م
"سلمى... سلمى! أين أنتِ يا ابنتي؟" نادت أمي، واخترق صوتها باب الغرفة."أمي! الباب مغلق من الداخل!" رددت بصرخة مكتومة.ثم تمكنت أمي من إدارة المفتاح الذي كان لا يزال عالقاً في القفل.طق!"أمي!"فتحت ذراعيّ، أردت أن أعانق بشدة تلك المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء."احذري يا ابنتي!" صرخت أمي فجأة، وبحركة سريعة أدارت جسدي.طراخ!"آآآه،" سُمعت أنة مكتومة من شفتيها.سقطنا على الأرض، وتزامن ذلك مع تساقط عوارض خشبية مشتعلة. التهمت النيران كل ما حولنا. عانقتني أمي بشدة، جاعلة من ظهرها درعاً يصد ذلك الحطام المشتعل."سلمى، حقاً هذه إشارة من الخالق استجابة لدعواتك،" همست أمي بأنفاس متقطعة."إشارة؟ ماذا تقصدين يا أمي؟"..."أمي؟"صمت مطبق.لم يعد هناك صوت يجيب. حتى أنفاسها لم أعد أشعر بها تلامس بشرتي. وفي تلك اللحظة بالذات، انهمرت الدموع من مقلتيّ، تتدفق كينبوع من الحزن.بدأت رائحة احتراق جسدها تتسلل إلى أنفي. غصّ حلقي، ولم أقوَ على إطلاق صرخة لطلب النجدة. لم أعد أبالي بلسعات النار التي بدأت تلتهم وجهي وذراعيّ. عانقت جسدها بقوة في تلك اللحظات الأخيرة. أسلمت أمري لله. حقاً، كنت عاجزة تماماً.تلاشت
"يا سلمى، هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟" قالها رجل وهو يجثو على ركبتيه أمامي ويقدم لي خاتماً.فخفق قلبي بشدة، وتلاطمت الأفكار في رأسي. لقد اصطحبني هذا الرجل فجأة في نزهة إلى أحد المقاهي، ثم تقدم لخطبتي دون أي كلمات تمهيدية. وبدا أن بعض الزوار الآخرين ينظرون إلينا بشغف وفضول.أما أنا، فادعى جميلة سلمى. في الحقيقة، لقد لُقبت بأجمل طالبة في المدرسة الثانوية. وبفضل طبيعتي المطيعة دائماً، وودي، وأخلاقي الحسنة، فقد مال إليّ الكثير من الزملاء.موطني الأصلي هو إندونيسيا، وتحديداً في مدينة تشيلاتشاب. انتقل والدي إلى رحمة الله عندما كنت بالكاد أبلغ الخامسة من عمري. فعشت مع أمي وجدي وجدتي في إحدى القرى. بعد ذلك، تزوجت أمي مرة أخرى من تاجر ثري من مدينة سولو. وكان لذلك التاجر ابنة تكبرني بعام واحد.وقد تم زواج أمي منه عندما أنهيت دراستي في المدرسة المتوسطة. فانتقلنا للعيش معه في مدينة سولو، أو ما يُعرف بشكل أكثر شهرة بمنطقة سوكوهارجو."إن تصرفك هذا لعجيب حقاً، يا سيد طارق! ألسنا مرتبطين بالفعل بخطبة مدبرة؟" هكذا رددت على كلماته."في الحقيقة، أردت فقط أن أؤكد النية التي في قلبي." ثم ارتسمت على ش







