Share

الفصل الثاني

Author: El Mufied
last update publish date: 2026-05-17 07:16:08

​"سلمى... سلمى! أين أنتِ يا ابنتي؟" نادت أمي، واخترق صوتها باب الغرفة.

"أمي! الباب مغلق من الداخل!" رددت بصرخة مكتومة.

ثم تمكنت أمي من إدارة المفتاح الذي كان لا يزال عالقاً في القفل.

طق!

"أمي!"

فتحت ذراعيّ، أردت أن أعانق بشدة تلك المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء.

"احذري يا ابنتي!" صرخت أمي فجأة، وبحركة سريعة أدارت جسدي.

طراخ!

"آآآه،" سُمعت أنة مكتومة من شفتيها.

سقطنا على الأرض، وتزامن ذلك مع تساقط عوارض خشبية مشتعلة. التهمت النيران كل ما حولنا. عانقتني أمي بشدة، جاعلة من ظهرها درعاً يصد ذلك الحطام المشتعل.

"سلمى، حقاً هذه إشارة من الخالق استجابة لدعواتك،" همست أمي بأنفاس متقطعة.

"إشارة؟ ماذا تقصدين يا أمي؟"

...

"أمي؟"

صمت مطبق.

لم يعد هناك صوت يجيب. حتى أنفاسها لم أعد أشعر بها تلامس بشرتي. وفي تلك اللحظة بالذات، انهمرت الدموع من مقلتيّ، تتدفق كينبوع من الحزن.

بدأت رائحة احتراق جسدها تتسلل إلى أنفي. غصّ حلقي، ولم أقوَ على إطلاق صرخة لطلب النجدة. لم أعد أبالي بلسعات النار التي بدأت تلتهم وجهي وذراعيّ. عانقت جسدها بقوة في تلك اللحظات الأخيرة. أسلمت أمري لله. حقاً، كنت عاجزة تماماً.

تلاشت رؤيتي تدريجياً. وفي ذلك الضوء الخافت، رأيت ظلال أقدام عدة أشخاص يهرعون نحونا.

​في اليوم التالي، عندما عاودت الشمس إشراقها.

استعدت وعيي في غرفة يكسوها بياض ناصع. شعرت بتصلب في وجهي وذراعيّ، وكأن ضمادات تقيدهما. رفعت إحدى يدي، فوقع بصري على حروق تزداد سواداً، تمتد من المرفق حتى ظهر اليد.

"آه!" أننتُ، أقاوم ألماً يمزق الجلد.

للحظة، أغمضت عينيّ، محاولة استرجاع شظايا الذكريات حول الفاجعة التي مرت للتو.

يا إلهي، أمي!

اتسعت عيناي أبحث عن تلك المرأة العظيمة. على السرير المجاور لي يميناً، وجدت جسداً مسجى بلا حراك تحت غطاء أبيض.

هل يعقل...؟

أجبرت جسدي المنهك على النهوض، وجررت خطواتي نحو السرير المجاور لأبدد شكوكي. وبيدين ترتجفان، أزحت ذلك الغطاء الطاهر ببطء.

فظهرت المرأة التي كنت أبحث عنها، راقدة في سكون أبدي. كان وجهها شاحباً جداً. أمسكت بأصابعها التي باتت باردة كالثلج. ثم انهار جسدي، وجثوت أبكي بحرقة بجوار سريرها.

كم وددت أن أصرخ بأعلى صوتي، لأفرغ كل هذا اليأس المحطم. لكنني لم أستطع. كان صوتي محتبساً بثقل في حنجرتي. وفي النهاية، لم يسعني سوى أن أحني رأسي، وأقبل ظهر يدها والدموع تنهمر.

وفي تلك اللحظة، قلتُ: "إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا."

​بعد فترة من الوقت، دخل طبيب ليفحص حالتي.

"أعتذر يا آنسة. اسمحي لي بفحص حالتك أولاً،" طلب بتهذيب.

نهضت ومسحت بقايا الدموع عن وجهي. "تفضل أيها الطبيب."

وبعد أن أتم فحصه، قال: "الحمد لله، لقد مرت مرحلة الخطر. جروح جسدك ستجف تدريجياً، لكن هذه الحروق ستترك على الأرجح ندوباً دائمة."

ندوب دائمة؟ هل هذه إشارة إلى أنني سأتحول إلى امرأة قبيحة الوجه لما تبقى من عمري؟ وماذا عن مصير زواجي إذن؟

​بعد أن ودعنا أمي إلى مثواها الأخير، وبخطوات متثاقلة وقلب يعتصر ألماً، عدت إلى منزلنا مع أبي وأختي غير الشقيقة، شوفي. منذ لقائنا، لم يكلف أبي نفسه عناء النظر إلى وجهي قط. كان يدير وجهه دائماً كلما تواجهنا. أما شوفي، فكانت ترمقني بنظرات تشمئز منها النفس.

كان الجو اليوم ساطعاً جداً. وحرارة الشمس تلفح الرؤوس بقسوة. كانت بعض أجزاء منزلنا لا تزال متناثرة قيد الإصلاح، خاصة غرفتي والمطبخ. في تلك الليلة الكئيبة، انفجرت أسطوانة الغاز فجأة. ولأن غرفتي ملاصقة تماماً للمطبخ، امتدت ألسنة اللهب بشراسة وسرعة لتلتهم غرفتي.

ولذلك، انتقلت مؤقتاً إلى غرفة الخادمة، العمة إيماه. وقدر الله أن العمة إيماه مسافرة إلى قريتها لرعاية والدتها المسنة. ورغم أن الغرفة ضيقة جداً، إلا أنها كانت نظيفة ومرتبة حقاً.

بعد صلاة العصر، وبعد أن أديت فريضة المناجاة للخالق، تناهى إلى مسمعي صوت طارق يتردد من غرفة المعيشة. دون تضييع للوقت، سارعت بخطواتي للقائه.

"سمعت بخبر التهام النيران لمنزلكم الليلة الماضية. هل الجميع بخير؟ أين سلمى؟" قال طارق الذي رأيته يتبادل أطراف الحديث مع شوفي.

استرقت النظر إليهما من خلف الجدار.

"أمم، أعتقد أن سلمى لا تزال بحاجة إلى بعض الوقت للخلوة بنفسها. إنها غارقة في الكآبة منذ رحيل والدتها،" أجابت شوفي.

تبادر إلى ذهني تساؤل: منذ متى أصبحت أختي تكترث لأمري؟

"طارق..." استجمعت شجاعتي واقتربت من الرجل.

بحالتي المزرية هذه، كنت أدرك حقيقة نفسي تماماً. من غير اللائق حقاً لامرأة مشوهة مثلي أن تقف بجوار رجل وسيم وبارز مثله.

"يا إلهي!" جفل بشدة حين وقع بصره على وجهي.

تبدلت ملامح وجهه إلى العبوس فوراً، تماماً كنظرة شوفي حين رأت وجهي المحطم لأول مرة. نعم، نظرة ازدراء واشمئزاز.

"يا إلهي يا سلمى! ظننت أنكِ لا تزالين ترغبين في العزلة. لهذا لم أخبرك بقدوم طارق،" تحججت شوفي.

"هـ-هل أنتِ... سلمى؟" قال طارق مصدوماً. بدا جسده يرتعد وهو ينظر في عيني.

"إذا كان الأمر كذلك، تفضلا بالحديث. لن أزعجكما."

استدارت شوفي وغادرت. ولكن قبل أن تدير وجهها تماماً، لمحت ابتسامة غريبة ترتسم على شفتيها.

"ما الذي تريدين قوله؟" قال طارق بحدة وهو يشيح بوجهه.

"أنا... أردت التحدث بشأن زواجنا. أنا..."

"زواجنا؟ تشه! هل تظنين أنني سأقبل الزواج بكِ بوجهكِ هذا؟!" صرخ طارق بصوت مرتفع.

خفق قلبي بألم! ألم لا يوصف، كطعنة سيف لم تسل منها قطرة دم.

"هوه!"

تنهد الرجل بخشونة. استدار وأخذ يمشي نحو باب الخروج. توقف للحظة، وأعطاني ظهره قائلاً بنبرة حازمة:

"سأخبر جميع الأقارب الذين دعوناهم بأن زفافنا قد أُلغي."

بعد رحيل طارق، عادت شوفي إلي. يبدو أنها كانت تنتظر هذه اللحظة البائسة.

"تؤ تؤ. لا أعلم ما الذي كان يدور في رأس أمي لتضحي بحياتها من أجل إنقاذ شخص مثلك. لو أنكِ أنتِ من هلكتِ حينها، لعاشت أمي بسعادة معي ومع أبي،" سخرت شوفي وهي تتجاوزني. كانت ملامحها تشع بخيبة أمل لم تحاول إخفاءها.

اعتصر الألم قلبي. ضممت يدي إلى صدري بقوة، معتصرة قماش ثوبي. كلامها صحيح. لماذا لم يختطفني الموت أنا بدلاً منها؟

مرت الأيام وأنا قابعة في عزلتي داخل هذه الغرفة الموحشة. يومان كاملان لم تعبر فيهما حبة طعام واحدة حنجرتي. حتى أبي وشوفي لم يعيرا مأساتي أي اهتمام. لقد اعتبرا وجودي كغبار لا يُرى بالعين المجردة.

في منتصف الظهيرة، كان المنزل هادئاً جداً. وفجأة، سمعت طرقاً على الباب الخارجي.

طق... طق... طق.

أدرت بصري حولي، فلم أجد أحداً يتحرك لاستقبال الضيف. أخيراً، وبخطوات متثاقلة ومجبرة، ذهبت لأفتح الباب.

طق!

ويا لهول صدمتي حين رأيت بعض صديقاتي من المدرسة قد أتين لزيارتي.

"يا إلهي!"

اتسعت أعينهن، وارتعدن رعباً وكأنهن أمام وحش كاسر. كانت نظراتهن تسلخني وتحبط عزيمتي. وعلى الفور، أغلقت الباب بقوة.

"من تكون تلك المرأة؟" تذمرت سينتا بنبرة منزعجة.

"أظن... أنها سلمى،" همست رارا بصوت خافت.

"حقاً؟ الفتاة الأجمل في مدرستنا سابقاً، تحولت إلى هذه البشاعة؟"

استمعت إلى كل كلمة جارحة من خلف الباب. لا، حقاً لم يعد هذا الجسد قادراً على التنفس في هذا المكان.

ثم جررت خطواتي عائدة إلى غرفتي. تسمرت عيناي على حبل خشن يتدلى من فوق الخزانة.

عقلي فارغ تائه...

وقلبي قد مات...

لماذا لم تهلكي أنتِ؟!

ظلت عبارة شوفي القاسية تتردد في رأسي، وتجرني إلى هاوية اليأس. قبضت على الحبل، وعقدت العزم على إنهاء هذه المعاناة الدنيوية.

"على أي حال، لم يعد هناك روح تتعاطف معي. وهم يرفضون حتى الاعتراف بوجودي. فما الذي أطمح إليه بعد الآن؟ وجودي في هذا العالم ليس سوى عبء مزعج،" أننتُ بقلب يعتصر من اليأس.

صعدت على كرسي، ثم وضعت العقدة المحكمة حول عنقي.

"يا أمي، روحي تشتاق إليكِ بشدة. اسمحي لي باللحاق بكِ..."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • حُسن الخفاء   الفصل السادس

    كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي.​"آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.​لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي أيضاً آلاماً نابضة وشديدة في جروح الحروق التي لم تمضِ فترة طويلة على جفافها. شعرت بتصلب وحكة في بشرة وجهي وذراعيّ بالكامل، ممتزجة بألم حاد يمزق الجسد. أسندت رأسي إلى زجاج النافذة المكسو بالضباب، مستجمعة كل قواي لحبس أناتي حتى لا أزعج هدوء المسافرين الآخرين الذين استغرقوا في نوم عميق غارقين في أحلامهم.​وفي غمرة هذا العذاب الجسدي، كانت أعماقي تضطرب بلا توقف. بدأت بذور الخوف تزحف لتنهش عقلي. كيف يا ترى سيكون تقبل جدي وجدتي لي؟ هل سيصعقان برؤية مظهري المحطم هذا؟ ماذا لو تسلل الخجل إلى أعماق قلبيهما لوجود حفيدتهما في هذه الحالة المزرية؟ في الماضي، عندما كنت أعيش في هذه القرية، كنت دائماً جوهرتهما وفخرهما. لا أنوي التكبر أبداً، لكن لقب "زهرة الورد الأبهى في القرية" كان دائماً يطلقه أهل القرية عل

  • حُسن الخفاء   الفصل الخامس

    ​خفق قلبي!شعرت وكأن قلبي في صدري ينتفض، يكاد يقفز من قفصه.​وبحذر شديد، رفعت وجهي الذي كان مطرقاً كتمثال متصلب. عبر ستارة قطرات المطر المضاءة بنور مصابيح الشوارع الخافتة، حدقت في ذلك الوجه. ابتسامة هادئة ليست غريبة على وجداني.​"غفران؟" خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً، يكاد يغرق في هدير العاصفة.​أجاب الشاب بإيماءة بطيئة. "خذي هذا!" قالها وهو يقرب الكيس الشفاف نحوي.​سارعت بسحب طرف الوشاح الذي وضعه للتو على رأسي، ثم لفيته بإحكام لأخفي هذا الوجه المشوه، حتى لم يتبق سوى عيناي. عاد الخجل ليقيد قلبي، متذكرة نظرات الناس المحتقرة لي قبل لحظات. هاجمني الخوف في أعماقي، خشية أن يعكس غفران رعباً مماثلاً. ولكن، عندما استجمعت شجاعتي لمواجهة نظراته، لم ألمح فيها ذرة من اشمئزاز أو رعب أو شفقة تهين كرامتي.​كانت نظراته كما هي، تماماً كغفران الذي عرفته في الماضي، دافئة جداً وتبعث على طمأنينة الروح.​بأصابع لا تزال ترتجف، أخذت كيس الطعام. سرعان ما تسلل الدفء من باطن يدي التي كانت متجمدة كالثلج.​"هيا بنا، ألن ينطلق قطارك بعد قليل؟" دون إضاعة للوقت، أخذ غفران حقيبتي بيده اليسرى، بينما أشار بيده اليمنى لأتبع

  • حُسن الخفاء   الفصل الرابع

    خطا غفران في شوارع مألوفة جداً بالنسبة لي. تبعت خطواته للحظات، حتى أوقف سيره أمام مبنى يقف بشموخ. كان ذلك هو المنزل الذي أويت إليه أنا وأمي لثلاث سنوات، منذ أن أعادت بناء عش الزوجية. ولكن، في نهاية المطاف، عقدت العزم على الرحيل من ذلك المكان.​"لقد وصلنا،" قال غفران وهو يفلت يدي ببطء. "استريحي بسلام!"​كيف له أن يعرف مكان إقامتي؟ رغم أن لساني لم ينطق به قط.​"عرفت موقع هذا المنزل من بطاقة الدعوة التي أعطيتني إياها قبل أيام،" قال الشاب وهو يبتسم، مظهراً صفاً من أسنانه البيضاء المنتظمة.​"آه، تلك الدعوة... قد أُلغيت. والليلة، إن شاء الله، أنوي العودة إلى قريتي."​صمت غفران للحظة في ذهول. ثم سأل: "على متن القطار من محطة بوروساري؟"​أومأت برأسي ببطء مؤكدة.​"لدي اليوم التزام بإنهاء عمل جماعي. ربما يستغرق الأمر حتى حلول الليل. لكنني سأبذل قصارى جهدي للمجيء لرؤيتك قبل مغادرتك،" هكذا وعدني.​ماذا يقصد بذلك؟ يقول إنه سيلحق بي؟ لمجرد توديعي؟ حقاً، يعجز عقلي عن سبر أغوار تفكير هذا الشاب.​...​أسدل الليل أخيراً ستائره على الأرض. وجهت نظري نحو ساعة الحائط المعلقة في غرفة المعيشة، كانت عقاربها تش

  • حُسن الخفاء   الفصل الثالث

    أغمضت عينيّ بقوة. وفي تلك اللحظة المظلمة، انتفضت روحي فجأة لظهور أطياف أشخاص طالما اشتقت إليهم بشدة.​"أستغفر الله..."تمتمت شفتاي بالاستغفار بخفوت. تجسدت جدتي في عالم خيالي، تقف بجانب جدي، ثم قالت بصوت حنون: "نحن نشتاق إليك كثيراً يا سلمى."​انهمرت دموعي عندما عادت بي الذاكرة إلى كلماتهم الأخيرة في محطة "ماوس" في ذلك اليوم: "سننتظر عودتك دائماً يا ابنتي."​لو أنني أزهقت روحي حقاً، كم سينفطر قلبيهما حين يجدان جثة حفيدتهما متدلية بلا حراك في نهاية حبل؟​من المرجح أن خبر المصيبة التي ألمت بي لم يصل إلى مسامعهما بعد. أخذت أنتحب، وقطرات الحزن تنهمر بغزارة لتبلل الجروح التي على وجهي، جاعلة إياها رطبة ومؤلمة، ومختلطة برائحة الصديد الكريهة.​"آه..." تأوهت محاولة كتمان ألمي. حقاً، هذا الألم الجسدي لا يقارن بالعذاب النفسي حين ينظر إليّ الناس باحتقار وازدراء.​ارتجفت شفتاي وهي تتمتم بالدعاء: "الحمد لله الذي أيقظ روحي من وادي اليأس. لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول لي ولا قوة إلا بعونك وحدك. لذلك، أسلمت جسدي وروحي إليك وحدك يا رب."​سارعت بتطهير نفسي بماء الوضوء، ثم أديت صلاة ركعتين وجثوت أطلب م

  • حُسن الخفاء   الفصل الثاني

    ​"سلمى... سلمى! أين أنتِ يا ابنتي؟" نادت أمي، واخترق صوتها باب الغرفة."أمي! الباب مغلق من الداخل!" رددت بصرخة مكتومة.ثم تمكنت أمي من إدارة المفتاح الذي كان لا يزال عالقاً في القفل.طق!"أمي!"فتحت ذراعيّ، أردت أن أعانق بشدة تلك المرأة التي أحبها أكثر من أي شيء."احذري يا ابنتي!" صرخت أمي فجأة، وبحركة سريعة أدارت جسدي.طراخ!"آآآه،" سُمعت أنة مكتومة من شفتيها.سقطنا على الأرض، وتزامن ذلك مع تساقط عوارض خشبية مشتعلة. التهمت النيران كل ما حولنا. عانقتني أمي بشدة، جاعلة من ظهرها درعاً يصد ذلك الحطام المشتعل."سلمى، حقاً هذه إشارة من الخالق استجابة لدعواتك،" همست أمي بأنفاس متقطعة."إشارة؟ ماذا تقصدين يا أمي؟"..."أمي؟"صمت مطبق.لم يعد هناك صوت يجيب. حتى أنفاسها لم أعد أشعر بها تلامس بشرتي. وفي تلك اللحظة بالذات، انهمرت الدموع من مقلتيّ، تتدفق كينبوع من الحزن.بدأت رائحة احتراق جسدها تتسلل إلى أنفي. غصّ حلقي، ولم أقوَ على إطلاق صرخة لطلب النجدة. لم أعد أبالي بلسعات النار التي بدأت تلتهم وجهي وذراعيّ. عانقت جسدها بقوة في تلك اللحظات الأخيرة. أسلمت أمري لله. حقاً، كنت عاجزة تماماً.تلاشت

  • حُسن الخفاء   الفصل الأول

    ​"يا سلمى، هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟" قالها رجل وهو يجثو على ركبتيه أمامي ويقدم لي خاتماً.​فخفق قلبي بشدة، وتلاطمت الأفكار في رأسي. لقد اصطحبني هذا الرجل فجأة في نزهة إلى أحد المقاهي، ثم تقدم لخطبتي دون أي كلمات تمهيدية. وبدا أن بعض الزوار الآخرين ينظرون إلينا بشغف وفضول.​أما أنا، فادعى جميلة سلمى. في الحقيقة، لقد لُقبت بأجمل طالبة في المدرسة الثانوية. وبفضل طبيعتي المطيعة دائماً، وودي، وأخلاقي الحسنة، فقد مال إليّ الكثير من الزملاء.​موطني الأصلي هو إندونيسيا، وتحديداً في مدينة تشيلاتشاب. انتقل والدي إلى رحمة الله عندما كنت بالكاد أبلغ الخامسة من عمري. فعشت مع أمي وجدي وجدتي في إحدى القرى. بعد ذلك، تزوجت أمي مرة أخرى من تاجر ثري من مدينة سولو. وكان لذلك التاجر ابنة تكبرني بعام واحد.​وقد تم زواج أمي منه عندما أنهيت دراستي في المدرسة المتوسطة. فانتقلنا للعيش معه في مدينة سولو، أو ما يُعرف بشكل أكثر شهرة بمنطقة سوكوهارجو.​"إن تصرفك هذا لعجيب حقاً، يا سيد طارق! ألسنا مرتبطين بالفعل بخطبة مدبرة؟" هكذا رددت على كلماته.​"في الحقيقة، أردت فقط أن أؤكد النية التي في قلبي." ثم ارتسمت على ش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status