LOGINخفق قلبي!
شعرت وكأن قلبي في صدري ينتفض، يكاد يقفز من قفصه.
وبحذر شديد، رفعت وجهي الذي كان مطرقاً كتمثال متصلب. عبر ستارة قطرات المطر المضاءة بنور مصابيح الشوارع الخافتة، حدقت في ذلك الوجه. ابتسامة هادئة ليست غريبة على وجداني.
"غفران؟" خرج صوتي مبحوحاً ومرتجفاً، يكاد يغرق في هدير العاصفة.
أجاب الشاب بإيماءة بطيئة. "خذي هذا!" قالها وهو يقرب الكيس الشفاف نحوي.
سارعت بسحب طرف الوشاح الذي وضعه للتو على رأسي، ثم لفيته بإحكام لأخفي هذا الوجه المشوه، حتى لم يتبق سوى عيناي. عاد الخجل ليقيد قلبي، متذكرة نظرات الناس المحتقرة لي قبل لحظات. هاجمني الخوف في أعماقي، خشية أن يعكس غفران رعباً مماثلاً. ولكن، عندما استجمعت شجاعتي لمواجهة نظراته، لم ألمح فيها ذرة من اشمئزاز أو رعب أو شفقة تهين كرامتي.
كانت نظراته كما هي، تماماً كغفران الذي عرفته في الماضي، دافئة جداً وتبعث على طمأنينة الروح.
بأصابع لا تزال ترتجف، أخذت كيس الطعام. سرعان ما تسلل الدفء من باطن يدي التي كانت متجمدة كالثلج.
"هيا بنا، ألن ينطلق قطارك بعد قليل؟" دون إضاعة للوقت، أخذ غفران حقيبتي بيده اليسرى، بينما أشار بيده اليمنى لأتبعه.
مشينا معاً نشق طريقنا في ساحة محطة "بوروساري" المكتظة بالمسافرين. قادني غفران نحو صف من المقاعد الطويلة في زاوية من قاعة الانتظار، بعيداً نوعاً ما عن الزحام.
"اجلسي. يجب عليك أن تملئي معدتك أولاً،" أمرني برفق، وهو يضع حقيبتي بجانب ساق الكرسي.
كانت معدتي تعتصر وتئن منذ فترة، والرائحة الزكية لمرق اللحم المنبعثة من هذا الكيس تعذب مقاومتي حقاً. لكن الأمل تراجع مجدداً. أطرقت رأسي أنظر إلى الطعام بتردد. لكي أتناول الطعام، كان لزاماً عليّ أن أزيح الوشاح عن وجهي. وفي هذا المكان المضيء والصاخب، تضاءلت شجاعتي جداً لعرض الحروق التي شوهت جسدي مرة أخرى.
وكأنه وُهب بصيرة لسبر أغوار أفكاري وترددي، استدار غفران فجأة. وقف منتصباً، وأعطاني ظهره، جاعلاً صدره يواجه بحر البشر في المحطة. تحول جسده الطويل على الفور إلى حصن منيع يحجب طعنات أنظار الناس إليّ.
"تناولي طعامك بهدوء يا سلمى. سأقف حارساً هنا وأراقب لوحة مواعيد الرحلات،" قالها دون أن يلتفت إلى الوراء قيد أنملة.
أستغفر الله. شعرت بدفء مفاجئ في عيناي. نبل أخلاق هذا الشاب حطم حصون دفاعاتي حقاً. بحركة بطيئة، أرخيت عقدة الوشاح عند شفتي وبدأت أرتشف مرق اللحم.
تدفق الدفء اللذيذ للمرق ليبلل حلقي الجاف. وفي تلك اللحظة، تساقطت دمعة لتبلل خدي، وتختلط بالملوحة على طرف لساني. هذه المرة، لم يكن بكائي ندباً لحظي العاثر أو إهانات البشر، بل كان بسبب تأثر عميق فاض في صدري. في الوقت الذي لعنني فيه العالم كوحش مقزز، أرسل الله سبحانه وتعالى إنساناً رضي بأن يعاملني كإنسانة بكل هذا النبل.
بعد أن أنهيت نصف وجبتي وأعدت ترتيب وشاحي، استدار غفران.
سألني: "هل تشعرين بتحسن؟" فاكتفيت بالرد بإيماءة بطيئة.
"بالمناسبة يا سلمى، في أي ساعة ستصلين إلى محطة 'ماوس'؟ ومن سيستقبلكِ؟"
أعادتني أسئلة غفران إلى أرض الواقع. يا إلهي! لم أكن أحمل أي وسيلة اتصال، ولم أخبر جدي أو جدتي بالأمر إطلاقاً. طردني زوج أمي من منزله هكذا ببساطة، دون أن يترك لي مجالاً للتفكير في ترتيبات كهذه.
عندما قرأ غفران علامات الذعر في عيني، مد يده مسرعاً إلى جيب بنطاله وأخرج هاتفاً محمولاً ليقدمه لي. "استخدمي هذا. اتصلي بعائلتك في القرية، حتى لا يساورهم القلق ويتمكنوا من استقبالك في المحطة."
مددت يدي لأخذ الهاتف. أسرعت بطلب الأرقام التي تتصل بهاتف منزل العمة "إيناه"، جارة جدي. كان قلبي ينبض بشدة عندما بدأ رنين الاتصال. وبعد لحظات قليلة، سمعت صوت العمة إيناه، فطلبت منها مسرعة مساعدتي في مناداة جدتي.
مرت بضع دقائق من الانتظار، حتى جاء الصوت الذي طالما اشتقت إليه من الطرف الآخر. صوت مبحوح أكل عليه الدهر وشرب، لكنه يفيض دائماً بالحنان.
"آلو؟ من المتصل؟"
"جدتي... إنها أنا سلمى يا جدتي." تحشرج صوتي في تلك اللحظة. وانهار بكائي دون أن أتمكن من حبسه.
"يا إلهي يا ابنتي! سلمى؟ حفيدتي الحبيبة؟ أين كنتِ طوال هذا الوقت؟ لماذا لم تتصلي إلا الآن؟ سمعت خبراً أن النيران التهمت منزلك في سولو... هل أنتِ بخير يا ابنتي؟" سيل أسئلة جدتي المتلاحقة، ممزوجة بشهقات بكاء مكتومة، زادت من تمزيق قلبي.
"أنا بخير يا جدتي. أنا عائدة إلى المنزل... أنا الآن في المحطة أنتظر القطار الذي سيقلني إلى تشيلاتشاب."
"الحمد لله... عودي يا ابنتي. سينتظرك جدك وأنا في المحطة. كوني حذرة في طريقك يا ابنتي."
انتهت تلك المحادثة القصيرة المليئة بالدموع براحة هائلة اتسع لها صدري. أعدت الهاتف إلى يد غفران بنظرة تغمرها مشاعر امتنان لا توصف. "شكراً لك بلا حدود يا غفران. لست أدري ما الذي كان سيحل بي اليوم لولا وجودك."
"لا شكر على واجب. أليس لهذا وُجدت الصداقة؟" ابتسم، مظهراً مرة أخرى صف أسنانه البيضاء المنتظمة.
انتباه للمسافرين، القطار المتجه من بوروساري إلى ماوس سيصل قريباً على الرصيف الثاني...
شق صوت المذيع الآلي في المحطة الهواء، ليكون إشارة على نداء رحلتي. أمسك غفران بحقيبتي مجدداً وقاد خطواتي نحو الرصيف الثاني. بدأ هدير محرك القطار الصاخب يصم الآذان عندما زحف ذلك الجسد الحديدي العملاق إلى نقطة التوقف.
بعد أن تأكد من عثوري على المقطورة والمقعد المكتوبين على التذكرة، وقف غفران كتمثال عند باب القطار. حدق بي طويلاً، وكأنه يريد أن ينقل كل صلابة روحه إلى جسدي الذي لا يزال يبدو هشاً.
"سلمى،" ناداني بصوته الجهوري الناعم، متغلباً على ضجيج المحطة الصاخب.
رفعت رأسي، لألتقي بعينيه السوداوين كسواد الليل.
"يقول الحكماء، إن أشد الابتلاءات تُلقى دائماً على أصلب الأكتاف،" قال غفران بصوت تغلغل ليبعث الطمأنينة في وجداني. "ولكن في نظري... الابتلاءات الشديدة حقاً، هي طريقة الله عز وجل لاحتضان عبده بقوة بالغة."
تسمرت في مكاني. تسللت كلماته، لتمتص في أعمق وأكثر الأماكن سكوناً في قلبي.
"إذا أنزل الله بكِ هذا الابتلاء العظيم، فهذه حقاً علامة على حبه لكِ. فاجعلي من صبركِ درعاً واقياً، حسناً؟"
دوى صافرة سائق القطار الطويلة، لتقطع سكون الليل. تراجع غفران بخطواته إلى الوراء، نازلاً إلى رصيف المحطة في اللحظة التي بدأت فيها أبواب المقطورة تنزلق لتغلق من تلقاء نفسها.
وقفت متسمرة أنظر من خلف زجاج النافذة. بقايا آثار المطر على الزجاج جعلت خيال غفران يبدو ضبابياً ببطء، لكن ابتسامته الصادقة ظلت محفورة إلى الأبد في مخيلتي. بدأ القطار الحديدي يتحرك ببطء، يشق عباب الليل، تاركاً طيفه يقف منتصباً يراقب رحيلي.
شكراً لك يا غفران، همست بها بصدق في قلبي، حاملة معي دعواته لترافقني في رحلتي الطويلة نحو دياري. نحو مكان لعل هذه الجراح تُشفى فيه، أو على الأقل... تُقبل فيه بالرضا.
"أوقفي خطواتكِ في هذه اللحظة بالذات أيتها القابلة."تردد صدى ذلك الصوت الجهوري الذي يُثلج نخاع العظام، صوتاً ثقيلاً يبعث هالة من التهديد القاتل، ليشق الهواء في لمح البصر.تجمدت حركة القابلة "لاستري" فجأة في الهواء. وأدرتُ أنا و"نادية" أنظارنا معاً في دهشة. لم يعد "غفران" جالساً باسترخاء؛ بل وقف الشاب منتصباً كصخرة تكسر الأمواج، ساداً كل منافذ الوصول إلى جسدي، ومتوجاً بنظرات حادة كالصقر المتربص للانقضاض على فريسته وإهلاكها.ابتلعت القابلة لاستري ريقها الذي مر متحجراً في حلقها، وتراخت أصابعها المغلفة بالقفازات الطبية ببطء. حاولت رسم ابتسامة متكلفة للغاية وقالت: "إـ إيه، يا بني غفران. إنني أريد فقط أداء واجب العلاج يا بني. بناءً على كلام نادية، فإن جراح سلمى بالغة الخطورة...""أداء واجب؟" قاطعها غفران بحزم مطلق، دون أن تشوب كلماته ذرة من التردد أو الخوف وهو يواجه ممرضة القرية. "منذ متى يفرض معالج متعلم إرادته لكشف عورة المريض وغطاء جرحه بوحشية في شرفة مفتوحة، دون رضا المريض نفسه، ثم يجعله فرجة أمام أعين الحاسدين الذين لا شأن لهم؟"شحب وجه القابلة لاستري على الفور، ورمشت عيناها في د
بعد أن أُسند هذا الجسد الواهن عائداً إلى فراشه في الغرفة، خيم السكون تدريجياً على الفناء الخلفي. ومن شق النافذة الخشبية الذي تركته مفتوحاً عمداً لأسمح بتدفق النسيم، كانت أذناي لا تزالان قادرتين على التقاط إيقاع المكنسة وهي تتأرجح بيد غفران، ليطهر الأرض من بقايا نشارة الخيزران.وعندما كان الشاب يجمع قطع الخيزران في كيس، توقفت حركته فجأة. واستنشق الهواء. لقد انتشرت رائحة نفاذة وقوية جداً من ناحية المطبخ—تحديداً من بقايا بخار القدر الذي كانت الجدة تغلي فيه عادةً قطعة القماش التي أبرد بها وجهي، والتي كانت قد لامست قطرات الدواء السحري لأم مريم. كانت الرائحة قوية جداً، مزيج غريب بين الجذور الرطبة والعصارة العشبية التي تزكم الأنوف. ولم تكن تلك الرائحة تشبه أبداً رائحة مرهم الصيدلية الذي أهداني إياه قبل أيام.أدار غفران وجهه، ليواجه الجدة التي كانت قد خرجت لتوها من المطبخ وهي تحمل مكنسة."يا جدتي،" نادى غفران بصوت خافت، ونبرته تحمل حذراً بالغاً. "أي دواء وأي طبيب هو الذي تعالج به سلمى نفسها؟ رائحته قوية جداً وتفوح في الفناء. هل هذه التركيبة آمنة حقاً على جسدها؟"كتمت أنفاسي تحت الغطاء ال
زحف الليل ببطء شديد يعذب الروح، وبدا أطول بكثير من عتمة الليالي المعتادة. وكانت عقارب الساعة بالكاد تلامس الثلث الأخير من الليل الهادئ، ومع ذلك، أبت عيناي أن تغتمضا ولو للحظة. كان جسدي يرتعد بعنف تحت الغطاء السميك، بينما شعرت بوجهي وكأنه يُشوى حياً فوق جمر مشتعل بضراوة.لقد بلغت عملية التطهير بالدواء العشبي لأم مريم ذروتها حقاً. بدأت طبقات الجلد الميت تتقشر بشراسة بالغة. وامتزجت لسعات الألم، والحكة المعذبة، والحرارة اللافحة لتشكل عذاباً واحداً يجلدني، ويجبرني مراراً على إطلاق أنات ألم مكتومة وأنا أعض على طرف وسادتي، فقط لكي لا يمزق صدى ألمي نوم جدتي العميق في الغرفة المجاورة.ارتفعت حرارة جسدي بشكل جنوني. وكانت هذه الحمى التي تشوي جسدي هي المهر الباهظ الذي يجب عليّ دفعه كاملاً ثمناً للشفاء.وعندما شق صوت أذان الفجر سكون الصباح، أجبرت جسدي الواهن على النهوض. شعرت وكأن مفاصل جسدي قد خُلعت قسراً من أماكنها. توضأت بحذر شديد، وكنت أصارع لأكتم صرخة ألم عندما لامس الماء البارد كالثلج بشرة وجهي الملتهبة والمتقرحة.وعندما قاربت الساعة الثامنة صباحاً، كانت الشمس في أفق ساحل تشيلاتشاب قد بد
استدارت نادية أخيراً وخطت مبتعدة، تتعمد الضرب بقدميها على الأرض بغضب. كان وجهها محتقناً بالدماء يخفي جمراً من الغيظ. وبالتأكيد، لم يعد لديها ذرة من كرامة أو ماء وجه لتبقى متسمرة هناك بعد أن تلقت رداً مفحماً ولاذعاً من لسان غفران.وبعد أن تلاشى صدى خطوات نادية وابتلعته المسافة، وعاد هدير رياح الجفاف ليسيطر على الأجواء، بقي جسدي متصلباً خلف ظهر غفران المنيع. وكانت عقدة نقابي قد أُحكم ربطها جيداً الآن."هل أصبحتِ في مأمن يا سلمى؟" همس غفران بخفوت، دون أن يدير جسده قيد أنملة."أجل، أنا في مأمن يا غفران،" أجبته بصوت خافت ومكتوم.وبحذر شديد ورعاية فائقة، أدار غفران جسده. وأطرق بصره نحو الأرض المغبرة، دون أن تراوده نية، ولو بمقدار ذرة، للنظر إلى وجهي الذي عاد ليُظلل بستار الطهر والعفة. وذراعاه اللتان كانتا قبل قليل تشكلان درعاً واقياً، عادتا لتستقرا في جيوب بنطاله بتلك العفوية التي طالما عُرف بها."شكراً لك بلا حدود يا غفران،" قلتها بصدق خالص. كان صوتي يرتجف، محاولاً كبح جماح العاصفة التي تضرب في صدري.رسم غفران ابتسامة رقيقة، تلك الابتسامة التي طالما بعثت السكينة في عينيه. "على الرحب
هبت رياح الجفاف القاحلة، تذرو ذرات الغبار الدقيقة وتتلاعب بأوراق شجرة المانجو المتساقطة في فناء منزل جدي. انقضت عدة أهلة منذ أن قطرت أم مريم ذلك الدواء لأول مرة. وخلف ستار نقابي الأسود كسواد الليل، كانت بشرة وجهي تخوض اختبار تطهير قاسٍ وعنيف، تتقشر، وتلتهب بحمرة شديدة، وتلسعني بألم لا يطاق، خاصة عندما تبلغ أشعة الشمس اللافحة ذروتها. ورغم ذلك، لم يعد هذا الجسد يبالي. فهذا الألم ليس سوى المهر الذي يجب أن أدفعه بالكامل فداءً لأمل مرتجى.في ظهيرة ذلك اليوم، كنت أكنس الفناء الأمامي، أنظفه من بقايا الأوراق اليابسة. وباتت العباءة السوداء الفضفاضة، مع الخمار الطويل الذي ينسدل ليغطي ركبتي، هويتي الجديدة التي تكتمل بها حقيقتي.وفي منتصف أرجحة مكنستي، شق الهواء من بعيد هدير محرك دراجة نارية أحفظ صوته عن ظهر قلب. توقفت تلك المركبة ذات العجلتين، التي تبدو قوية العتاد رغم قدمها المعتنى به، أمام السياج الخشبي للفناء مباشرة. أطفأ الشاب، المرتدي سترة بلون التراب، محرك دراجته، وخلع خوذته، ثم مسح حبات العرق التي تتصبب من جبينه.لم يكن ذلك الشاب سوى غفران.وما إن رأيته يترجل من دراجته، حتى تجمد جسدي
مرت ثلاثة أيام منذ أن عصفت تلك الفتنة الشنيعة بمورد رزق عائلتنا، فجعلته أثراً بعد عين. وبات المنزل الذي كان يعبق برائحة توابل الطبخ، غارقاً الآن في صمت موحش وبرودة كئيبة. آثر جدي العزلة في المصلى أكثر وقته، يناجي الخالق القدير. بينما جلست جدتي شاردة في الشرفة، ترمق سلال الخيزران الفارغة التي هجرها زبائنها بنظرات يائسة.ولكن، عندما حان وقت العصر، قطع سكون القرية مشهد في غاية الغرابة. توقفت مركبة ذات أربع عجلات، سوداء كلون الليل البهيم وتشع ببريق الفخامة، أمام فناء منزل جدي مباشرة. وجذب ظهورها انتباه الجيران المارة في طرقات القرية على الفور.نزلت من المركبة امرأة ناضجة تتألق بوقار لا مثيل له. كانت ترتدي عباءة سوداء فضفاضة، ويكملها نقاب بنفس اللون ينسدل ليغطي صدرها بترتيب بالغ. وكانت تحمل في يدها صندوقاً خشبياً صغيراً مزيناً بنقوش رائعة، يبدو عتيقاً جداً ولا يقدر بثمن."السلام عليكم،" نطق لسانها وهي تخطو صاعدة درجات الشرفة. كان صوتها ينساب برقة، ولكنه يفيض بهيبة وقار شديدة، كينبوع ماء بارد يتدفق بهدوء ليشق رمال الصحراء القاحلة."وعليكم السلام،" ردت جدتي وهي تنهض مسرعة. وبحركة مرتبكة،
بقيتُ متسمرة خلف ستارة نافذة غرفة المعيشة المواربة، أراقب بذهول وإعجاب تلك الفتاة ذات الشعر المصفف بعناية وهي تبتعد بخطوات وئيدة عن فناء منزلنا. كانت السلة في يدها مثقلة بأكياس طعام جدتي. بدت خطواتها مفعمة بالبهجة، وبين الحين والآخر، كانت تلقي تحية ودودة على الجيران الذين تصادفهم في ممرات القرية."
في تلك الليلة، بدت مائدة البيع في الشرفة الأمامية موحشة وخالية للغاية. ولم يكن ذلك لأن البضاعة قد نفدت بتهافت المشترين، بل على العكس تماماً؛ فالقدور المليئة بالخضار المطبوخة بحليب جوز الهند وتقلية التمبي لا تزال ممتلئة عن آخرها، تكاد لم تُلمس. وعلى الصينية، رقدت أكوام مقليات الخضار و"التمبي" التي
تسللت خيوط شمس الصباح على استحياء من بين شقوق الجدران الخيزرانية لغرفتي. وكان صياح الديكة المتتالي وصوت الماء المتدفق من بئر جدتي بمثابة إعلان بأن عجلة الحياة في القرية قد دارت بكامل طاقتها. نهضت بجسدي من المرقد، ولففت نفسي بثياب ذات أكمام طويلة، ولم أنسَ أن أحكم لف الوشاح حول وجهي ليكون ساتراً لم
كان القطار الحديدي الذي أقله يزحف شاقاً عتمة الليل الدامس. وكانت قطرات المطر في الخارج لا تزال تترك أثرها، بينما ينفث مكيف الهواء برودة قارسة شعرت وكأنها تغلغلت في نخاع عظامي."آه،" أننتُ أنة مكتومة، وأنا أضم حولي سترة خفيفة كانت تلف جسدي.لم تكن لسعات البرد هذه تجعل جسدي يرتجف فحسب، بل كانت تذكي







