All Chapters of في عشقه المسموم، أسيرة بين ذراعيه: Chapter 91 - Chapter 100

292 Chapters

الفصل الحادي والتسعون

الصمت، ليس إلا هروبًا فعليًا من تبعات الكلام، فأحيانًا يوجد بين طيات الحديث منافذ للأوجاع، وأحيانًا أخرى ينجم عن الحديث دخول الأشخاص مع بعضهم البعض في صراع. لذلك قرر "عاصم" أن يلتزم الصمت مع زوجته، حتى يريح رأسه من الكلام فيما لا يفيد، أو حتى يمنع ما سينتج عن الكلام من مشاكل أو أي أمر غير حميد. فإذا فتح مجالًا للحديث بينهما، من المؤكد أنها ستأتي على ذكر ما قاله لها، وبالتحديد ما يتعلق بابنهما، وستجعل الألم يمزق قلبه من لومها المتوقع، كما ستجعله يرى نفسه كأبيه الذي كان لا يغدق عليه بمشاعر أبوية في صغره، أو حتى يظهر الجانب الحاني في معاملته، وهو لا يود أن يبغض نفسه أكثر من ذلك. كعادة دائمة لا تنقطع عنده، جلس في غرفة المكتب المتواجدة في بيته، بعد عودته من شركته، ولكن الفارق الوحيد أنه لم يكن يقوم بأي عمل على الإطلاق، كان هروبًا بحتًا من الجلوس مع زوجته. عندما شعر بتيبس جسده، لجلوسه على نفس الوضعية طوال ساعات عمله، ومنذ عاد إلى بيته حتى الوقت الحالي لما يقرب من الثلاث ساعات، نهض عن مقعد المكتب، وتوجه نحو الأريكة الوثيرة الجلدية الموضوعة في مقابلته. جلس عليها وهو يتنهد بإنهاك، وأراح ظ
Read more

الفصل الثاني والتسعون

تابعت "زينة" ما حدث بابتسامة محبة، وعندما انتهى الصغير مما يريد، توجه نحو والدته، ووضع يده في يدها، وسارت هي حينها به إلى الخارج، بينما ظل "عاصم" على حالته، وجهه يعلوه بسمة متأثرة بلطافة الصغير، والذي جعله يشعر برغبة شديدة في احتضان طفليه. لم يفكر كثيرًا، نهض عن جلسته وتوجه إلى خارج المكتب صاعدًا إلى غرفته، دخل إلى الغرفة ليجد الصمت يعمها، لم يبحث عن وجود زوجته ككل مرة، بل توجه إلى موضع سرير الرضيعين، فوجدهما مستيقظين، ويصدران همهمات طفولية تتلاعب على أوتار قلبه. قرب يده نحو وجه ابنه المسمى بـ"نائل"، وملس بخفة على رأسه، ثم داعب وجنته، وبعدها انتقل بيده نحو "رائف"، ولكنه حينما نظر إلى وجهه تذكر ما قاله، فشعر بالضيق من نفسه، وقرب يده الأخرى منه وحمله. قرب فمه من مقدمة رأس الصغير، وقبله قبلة مطولة كأنما تحمل اعتذارًا عما بدر منه، ثم ضمه إلى صدره، وبتأثرٍ جعل عينيه تلمعان بالدموع، همس له: — لا تحزن مني، لم أكن أقصد ما قلته. ثم ما لبث أن أضاف بصوت مهتز بعدما انهمرت دموعه: — أنا أحبك كثيرًا، ولن أكرهك أبدًا. كأنما في عبارته رفضًا لأن يصبح كوالده، كارهًا لطفليه دون سبب وجيه، أو
Read more

الفصل الثالث والتسعون

بقت أنظاره الكارهة، والضائقة على وجه الآخر -الذي لا يعيره أي اهتمام- وهو يرد عليها في غليل ناقم:— لم أعد قادرًا، لقد وقف الطعام في حلقي.ما كاد يشرع في التحرك حتى أخبره "عز الدين" بكلمات تهكمية على هيئة نصيحة:— اشرب ماءً يا عاصم، فشرب الماء بعد الطعام مفيد جدًا، ويسهّل عملية الهضم.اشتعل وجه "عاصم" بحمرة حانقة، وكزّ على أسنانه بغضب يحاول كتمه حتى لا تثور ثائرته في وجهه، ثم غمغم وهو يسير بخطى سريعة منفعلة نحو باب الغرفة:— اللهم طولك يا روح.تراقصت بسمة متسلية على شفتيه وهو يتابع سيره، وبعد أن اختفى عن مرمى بصره، عاد بنظره إلى الطعام، إلا أن انتباهه انصرف لنظرات والدته غير الراضية، وعبوس وجه زوجته.رفع حاجبيه بحركة زائفة تلقائية، وقال بجدية مصطنعة:— لماذا تنظرون إليّ هكذا؟ هذه معلومات طبية، لم أختلقها من عندي.تفاجأ الثلاثة بضحكة "داليا" التي صدحت بغتة، فالشد والجذب الذي دار بين الأخوين جعلها تنسى الأمر الجلل الذي علمته، وأعجبت بشخصية "عز الدين" وأسلوبه العبثي مع زوجها، مما جعلها تشعر بحالة من الألفة تخيم على المكان بوجوده، حتى وإن كان حضوره في حد ذاته يثير غضب "عاصم"، إلا أنها كانت
Read more

الفصل الرابع والتسعون

اهتز كامل جسدها في رجفات متتالية، ونهنهات بكائها أخذت تعلو شيئًا فشيئًا، ليستشيط غضبًا من عدم ردها، وهدر في صوت محتدم: — هل حدث أم لم يحدث؟ ارتعدت فرائصها، وردت عليه في هلع شديد بنحيب باكٍ: — حدث، وأنا كنت أتناولها، لكن... صرخت متألمة من دفعه لها، فقد تسبب ذلك في ازدياد جذب شعرها الذي كان ملتفًا حول أصابعه، ولم تكد تحاول أن تتحرك من أمامه حتى حاصرها بينه وبين الحائط، وصاح في استهجان شديد: — لكن ماذا؟ ستبررين هذه المرة بماذا؟ ارتفع صدره وهبط في تكرارٍ ناهج، ينم عن نيران غضبٍ أهوج على وشك أن تثور، وإن ترك نفسه لها فلن يتركها إلا وهي لافظة آخر أنفاسها، لذا وبجهدٍ جهيد أبعد نفسه عنها، وبحركة عصبية انتزع الإطار الكبير المعلق على الحائط لصورته، وألقاه بانفعال شديد أرضًا، فانكسر وتناثر الزجاج في الأرجاء، مخلفًا صوتًا صاخبًا امتزج بصوت صراخها الملتاع. لم يكتفِ عند ذلك الحد، بل توجه نحو تسريحة المرآة، ومرر بعصبية ساعديه عليها، ملقيًا كل ما فوقها بجوار الإطار المحطم، متهشمًا كل ما هو زجاج من بينها، ومبعثرًا باقي الأشياء في أنحاء متفرقة. وبعد كل ذلك لم يرَ في ذلك تنفيسًا كافيًا عما يختلج
Read more

الفصل الخامس والتسعون

دنت منه بخطوات متدللة، ثم التصقت بصدره بعدما انتهى من إغلاق أزرار قميصه، وقالت له وهي تمرر يدها على جانب صدره: -اليوم لدي متابعة الحمل. لم يفهم المغزى من إبلاغه بالموعد، فسألها باهتمام: -أمّي ستذهب معك، أليس كذلك؟ ابتسمت له بدلال، ثم طلبت منه برقة: -بصراحة أريدك أن تأتي معي هذه المرة. لم تفارق البسمة شفتيه، وعلّق متسائلًا بنبرة تنبيه: -وماذا عن العمل؟ ابتعدت عنه قليلًا، وهتفت باحتجاج مصطنع: -اليوم لن تذهب إلى العيادة، وستنهي عملك في المستشفى الساعة الثانية، وأنا موعد متابعتي الساعة الثالثة. تمتم لعدة لحظات في تفكير، ثم استرسل بجدية: -ستتركين يونس مع أمي؟ عقدت حاجبيها وسألته باستغراب: -نعم، لماذا تسأل؟ أحاط خصرها بذراعيه، وقربها إليه المسافة القليلة التي ابتعدتها، ثم سألها وهو متيقن من الإجابة مسبقًا: -ما رأيك بعد المتابعة أن أدعوكِ إلى الغداء خارجًا؟ قفزت في مكانها بفرح وهي تقول بموافقة يملؤها السرور: -أنت تسأل؟ موافقة طبعًا. رفع حاجبيه في صدمة من عفويتها المبالغ فيها لامرأة حامل في شهرها الرابع، وهتف بدهشة: -تمهّلي يا حمقاء، الحمل. قهقهت ضاحكة على انتباهها لتصرفها
Read more

الفصل السادس والتسعون

وضع "عاصم" يده فوق فمه، كاتمًا شهقة خوفه، ولم يستطع متابعة الإنصات لما يقولانه بعد ذلك، ولكنه عندما لمح تقدم والده نحو باب الغرفة، عاد أدراجه راكضًا نحو غرفته، خوفًا من أن يكون قد رآه، وينهال عليه بالصفعات التأديبية على تجسسه غير المقصود عليهما، دلف إلى حجرته، وأنفاسه متهدجة من كثرة رعبه، ومنذ ذلك الحين، وقد ترسخ في رأسه، أن طباع والده، تجعله غير صالح لأن يكون والدًا.فاق "عاصم" من تلك الذكرى على صوت بوق سيارة من خلفه، تنبهه إلى تغير إشارة المرور، اعتلى الحنق وجهه من ثبات يدي السائق على البوق، مخلفًا صوتًا مزعجًا ضاعف من ضجيج رأسه، تابع قيادة سيارته حتى مقر شركته، وصوت عقله لا يرحمه، ويردد في رأسه مساوئ والده معه، التي ستتكرر عن طريقه مع كافة أولاده.سار في صرح الشركة، بهيئة مريبة، فقد كان جسده متشنجًا في سيره، كما أن نظرات عينيه مهيبة، دلف إلى مكتبه، ومن خلفه سكرتيرته، التي وضعت أمامه على سطح المكتب بعض الملفات العاجلة، التي تحتاج إلى إمضائه، آثرت الصمت وهو يضع إمضاءه في نهاية كل ورقة، وبعدما انتهى، ترك القلم وأخبرها بجمود:— ألغي أي مقابلات اليوم، ولا أريد لأي أحد أن يدخل مكتبي.قطب
Read more

الفصل السابع والتسعون

انتفضت الممرضة من عصبيته المباغتة، وحالته المنفعلة التي تراه عليها لأول مرة، وأطرقت رأسها في حرج، بينما هو رفع يده السليمة، وفرك بها وجهه في ضيق من نفسه، ثم نظر لها بعدها واعتذر منها بصوت نادم:— المعذرة، أنا آسف، أعصابي متوترة من شدة قلقي.ضمت شفتيها للحظة، قبل أن ترد عليه في تفهم:— أقدّر الموقف يا دكتور، أسأل الله أن يطمئنك على المدام.هز رأسه في إيماءة بسيطة، ثم أراح ظهره على الحائط خلفه، ولم يكد يغمض عينيه وهو يردد في نفسه رجاوات ودعاوات لزوجته والجنين بأحشائها، حتى انتفض قلبه في صدره عندما استمع إلى صوت فتح الباب، آنئذ هرع نحو الطبيب الذي خرج من الداخل، وسأله في تلهف بالغ:— خيرًا يا أحمد، ماذا حدث لزينة؟رد عليه الطبيب "أحمد" بعد زفرة سريعة، مطمئنًا إياه بوجه عابس:— الحمد لله، تمكنا من إيقاف النزيف، ولكن...لم يتابع عبارته، وأخفض نظراته عن عيني "عز الدين" مما ضاعف من قلقه، وراح يسأله بتوجس خيفة:— ولكن ماذا؟اعتلى الأسف أمارات وجهه، وهو يخبره بحذر:— حدث إجهاض.نزلت كلمته كالصاعقة على قلب "عز الدين"، مما شعر بروحه تُسلب منه، شحب وجهه، وبدا في لحظة كمن فارق الحياة، في حين تابع
Read more

الفصل الثامن والتسعون

ما زال رأسه يعجّ بالضجيج الذي أحدثه صخب الذكريات الماضية، والتي ظل يسترجع كثيرًا منها منذ الصباح، والتي حُفرت وترسخت من خلالها منذ صغره تأثيرات سلبية في نفسه، وجعلته إنسانًا مشوشًا، مليئًا بالعُقد والاضطرابات النفسية. فرغم قوته الواضحة، إلا أنه لا ينكر ضعفه مهما صدر منه من أفعال ناطحة، حتى شخصيته المهيبة، في باطنها تحوي شخصية مضطربة لا تستطيع اتخاذ القرارات المصيرية أو حتى التفكير في حلول عقلانية، وحينها لا يسعه إلا اللجوء إلى العنف والسادية، لمواراة تخبطه وعدم قدرته على إصلاح ما يفسده بسوء تفكيره.بعدما أُرهق من الجلوس ومزاولة الأعمال الروتينية في ظل تشوش فكره البالغ، نهض من جلسته وتوجه إلى الوقوف أمام النافذة الزجاجية المتواجدة في مكتبه. كان المنظر الطبيعي الخارجي من الحشائش الخضراء والأشجار العالية باعثًا على بعض الهدوء في نفسه، إلا أن صوت ضميره حال دون صفاء ذهنه، إذ لم ينفك للحظة عن الصراخ به وتنبيهه إلى أنه لم يعد كما كان سابقًا، مسؤولًا فقط عن نفسه، بل أصبح كل ما يقوم به من أفعال قميئة ومساوئ بغيضة سيعود بطريقة أو بأخرى إلى زوجته وأولاده.مهما حاول الهروب من الأمر الواقع، فإن حق
Read more

الفصل التاسع والتسعون

استدار له ورمقه بنظرات يشع منها البؤس، وسأله بأسى: -إذن، هل تريد حق ما فعلته؟ أم أن لديك تهديدات أخرى تريد أن تقولها قبل أن أرحل؟ توجه "عاصم" نحو المكتب وأخذ من فوقه هاتفه وسلسلة مفاتيحه، ثم تقدم منه، وقال له بصوت جاد بعد أن توقف قبالته: -سآتي معك. حيد "عز الدين" بعينيه عنه، وقد شعر ببعض الخزي من تسرعه، وأسلوبه المهاجم له، وأومأ له بهدوء وبدأ في السير، تبعه "عاصم" بصمت، ولا يدري حتى لمَ قرر الذهاب معه، ولكن جزء في أعماقه حثه على وجوب الوقوف جواره في تلك المحنة، كأنما الخير الذي زرعته به والدته، ما يزال ينبض بداخله، وما يزال يحاول أن يعيده إلى سابق عهده، حينما كان طفلا صغيرا لم يوسم بعد الشر به. ❈-❈-❈ تقدمه "عز الدين" سيرا في الردهة المؤدية إلى غرفة زوجته، فقد كان متلبكا طوال الطريق، ولم يكف عن مهاتفة الأطباء للاطمئنان على استقرار وضعها، حتى أنه من حين لآخر كان يرى تكوم الدموع بعينيه، وانسياب بعضها رغما عنه على وجنتيه، كل ذلك شغل تفكير "عاصم" بقوة، فكيف لكل ذلك الحزن أن يستوطن قلبه لفقده لجنين لم يُرَ؟ فإحساس الأبوة بالنسبة له مقرون بوقت رؤية الأب لوليده، حتى إن هناك بعض الآباء ل
Read more

الفصل المئة

لاح التلهف في وجهه عند ذكر زوجته، وأومأ له بالإيجاب وهو يجيبه بتعجل:-نعم، هيا بنا.ولج "عز الدين" ومن خلفه "عاصم" الغرفة المتواجد بها "زينة"، كان جسدها مستكينًا فوق السرير، وموصولًا بيدها إبرة المحلول المغذي، ابتلع "عز الدين" غصة تكوّنت في حلقه وهو يتوجه نحوها، ولكنه لم يتمكن من السيطرة على لمعة الدموع التي ترقرقت في عينيه، جلس بجانبها على الفراش، وانحنى مقبّلًا جبهتها، ثم ابتعد قليلًا وقال أمام وجهها بصوت خافت:-كوني بخير… لا تُخيفيني عليكِ هكذا.فتحت عينيها عندما نفذ صوته إلى سمعها، ولكنها ما لبثت أن أغلقتها بإنهاك واضح، مرّر حينها على شعرها بحنان، وسحب نفسًا مطولًا، ثم استدار نحو أخيه الواقف على بعد عدة خطوات منه، يتابع ما يحدث بصمت تام، قرر أن يعتذر منه عما فعله في مكتبه، خاصة بعدما تأكد من أنه ليس له يد فيما أصاب زوجته، نهض من جوارها، وتوجه إليه، رفع يده وحكّ بها مؤخرة عنقه، وابتدأ الحديث قائلًا:-عاصم أنا...قاطع كلامه دخول والدته المتلهف، هاتفة بلهفة شديدة:-عز!تفاجأ من وجودها، فكيف لها أن تعلم بما حدث؟ توجه نحوها وهو يردد بدهشة واضحة:-ماما!تقدمت منه مسرعة، وأمسكت بيده، ثم
Read more
PREV
1
...
89101112
...
30
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status