جميع فصول : الفصل -الفصل 60

154 فصول

الحادي والخمسون...

في اليوم التالي لـرحيل محمود، جلست صفية تـرمق سهر بـنظرةٍ مـلؤها الإصرار والـحزم، وقالت بـهدوءٍ لا يـخلو من قوة:_ على فكرة يا سهر، أنا رتبت كل حاجة طالما محمود مش هيبقى معانا ولا الحرباية دي، وأخدت القرار مـكانك، كلمت الدكتور حمدي وهو كـتر خيره وافق على كلامي، ومن النهاردة الساعة خمسة المغرب دكتور هاني هيجي يكمل علاجك، وأيام إجازة محمود مش هيجي، أنا عاوزاكي تـشدي حيلك معاه وتـخفي، خلينا نـعمل مفاجأة لـمحمود إنك مـبقتيش زي زمان وخـفيتي.ابتسمت سهر بـسعادةٍ غامرة، وشعرت لـأول مرة بـأن الـحياة تـفتح لها ذراعيها بـأملٍ جديد لـتـحيا دون ذلك الـخوف الـجاثم على صـدرها، لكن سـرعان ما عـبس وجـهها وقالت بـتـوجس:_ بس أنا خايفة محمود يـزعل، لو عرف إني بـتعالج من وراه مـمكن تـحصل مـشكلة.أجابتها صفية بـيقينٍ وهي تـربت على يـدها:_ حتى لو عرف، سـيبي المـوضوع ده عليا، مـتـشغليش بالك بـحاجة غير بـنفسك وبس، مـاشي؟هزت سهر رأسها بـإيجابٍ، وهي تـمني نـفسها بـأن تـسير الأمور بـخير، ومـرت الأيام، وجاء نـهاية الأسبوع الأول ولـم يـأتِ محمود فِى إجازته كـما وعد، بـل اتـصل مـعتذراً لـانشغاله بـتجهيز شـقته ا
اقرأ المزيد

الثاني والخمسون...

أغمضت سهر عينيها لتهرب من حصار نظراته، وهمست بصوتٍ خافت:_ إحنا بقى بينا عشرة يا محمود، ورغم إنك بعد جوازك اتغيرت شوية، بس أنت برضه لسه بالنسبة لي محمود اللي اتربيت معاه، كفاية معروفك معايا.زفر محمود بـضيقٍ ونظر إلى الأفق، وهو يحدث نفسه بـمرارة:«هربتي برضه من السؤال، يعني مش بتحبيني يا سهر! يعني أفهم كدة إن اللي بتكلميه ده هو آدم فعلاً؟ بس يا ترى سمحتي له باللي حرمتيني منه؟ يا ترى يا سهر أخد حقي فيكي؟ سرقه مني زي ما سرق قلبك؟ آه يارب مش قادر أشوف وشها اللي كله براءة ده وأكذب ودني واللي سمعته منها، ما لو كان حد اللي قال كنت قتلته، إنما أنا اللي سمعتك وأنتِ بتنبهي عليه ميجيش علشان أنا جيت! هتجنن يا سهر، إزاي قدرتي تعمليها؟ معقول أنا اتخدعت فيكي؟ معقول أنتِ سهر ولا أنا مكنتش عارفك من الأول؟انتبه محمود على يد سهر وهي تربت على كتفه في رفق، وتسأله بنبرةٍ وادعة:_ روحت مني لفين؟أجابها محمود وهو ينهض بـجفاءٍ لم تعهده منه، والـمرارة تـحرق حلقه:_ روحت لـحد هدى، أصلها وحشتني، عن إذنك أنا داخل أنام.تركها محمود بـمفردها تـواجه سكون الليل وبرودة البحر، فـنظرت إليه وهو يـواري جسده خـلف باب غرف
اقرأ المزيد

الثالث والخمسون...

كانت سهر تـتحرك بـخفةٍ لم تـعهدها من قبل، ونادت على صفية بـحماس:_ يا ماما، هـنزل أجيب نـسكافيه قبل مـيعاد دكتور هاني، هو خلاص على وصول.أجابتها صفية وهي تـرمقها بـنظرةٍ مـلؤها الـفخر والـسعادة:_ لا خـليكي، أنا جبت إمبارح يا قلبي، بلاش تـنزلي أنتِ، ولا خلاص بـقينا مش بـنخاف وعـاوزين نـنزل كل شوية؟ضحكت سهر بـصفاءٍ وقالت:_ أنا مش مـصدقة أصلاً إني قدرت ونـزلت إمبارح! يااااه يا ماما، ربنا مـيحرمنيش منك، ويارب دايماً تـفضلي تـكملي الحاجة الـناقصة و..قطع حديثـها رنـين الـهاتف، فـأجابت سهر ثم نادت على صفية:_ ماما، دي طنط سميرة عـاوزاكي.تحدثت صفية مع سميرة لـلحظات، ثم أغلقت الـخط وقالت لـسهر بـتوجس:_ هـطلع أشوفها مالها، بـتقول تـعبانة أنا مش هـغيب، لو دكتور هاني جه وأنا فوق، قـعديه في الـصالة ورنـي عليا وأنا هـنزل على طول.غادرت صفية، فـجلست سهر بـقرب الـنافذة تـراقب تـلاطم الأمواج وتـبتسم بـعذوبة وهي تـستعيد شـريط ذكريات الأمس؛ حين كانت تـجري وتـداعب مـياه البحر وسط ضـحكات صفية التي كـانت تـدفعها لـلحياة دفعاً، فـاقت من شـرودها على رنـين هاتفها، فـأجابت بـتلقائية وهي تـضحك:_ أيـوة يا
اقرأ المزيد

الرابع والخمسون...

حدقت سهر في وجـه محمود، وقـد ألجمت الـصدمة لـسانها؛ فـالاتهام كان أقسى من الـصفعات التي تـنهال على وجـهها بـلا رحـمة، كانت تـشعر بـروحها تـنسحب منها وهي تـرى زوجها وسـترها يـتحول إلى وحـش كـاسر يـنهش في عـرضها. وفـجأة، انـتشل محمود بـعيداً عنها صـوت صفية وهي تـصرخ بـلوعةٍ وغـضب، وتـحاول أن تـدفعه بـكل قـوتها:_ أنت اتـجننت؟ ابـعد عنها!دفع محمود والدته بـغير وعيٍ وهو في قـمة ثـورته، وقـبض بـكلتا يـديه على عـنق سهر يـخنقها بـكل حـقده، بـرزت عـروق وجـهه وجـحظت عـيناه وهو يـرى وجـهها يـحتقن، كان يـريد أن يـزهق تـلك الـروح التي ظـنها خانته. حاول هاني يـائساً إبـعاد يـدي محمود عن عـنقها، وهو في حالة من الـذهول لـعدم مـقاومة سهر، واسـتـسلامها المـطلق لـبطشه بـها بـتلك الـطريقة كـأنها تـرحب بـالموت فـراراً من كـلماته الـسامة التي اخـترقت مـسام قـلبها. نـجح هاني أخـيراً في إنـقاذها من قـبضة المـوت، لـيشرع محمود في رجمها بـكلماتٍ مـسمومة، وصـدره يـعلو ويـهبط من فـرط الـهياج:_ هو ده تـمن المـعروف اللي عـملته معاكي لـما سـترت عـليكي يا سـافلة؟ هو ده تـمن ما حـميتك بـدل ما كـلاب الـسكك تـنهشك؟ أ
اقرأ المزيد

الخامس والخمسون...

انـهارت هدى بـاكيةً بـعد أن وصـلت الـعلاقة بـينهما إلى مـفترق طـرقٍ لا عـودة مـنه، بـينما تركها محمود وأسرع يعدو خلف سهر يدعو أن يلحق بها، يشعر بثقل الندم ينهش صدره، مدركًا أن الكسر الذي أصاب قلب سهر أكبر من أن يجبره عمر كامل من التوسل، حتى وصل إلى بـاب المـشفى وبحث عنها بـعينيه يـميناً ويـساراً، لـكنها تـبخرت تمامًا، فسـأل عنها حـارس المـشفى بـلهفةٍ، لـكنه أجـابه بـنفيٍ قـاطعٍ؛ فـعاد إلى الـداخل مـرةً أخـرى والـخوف يـتـملكه مـما قـد تـفعله نـفسها بـها.فـي تـلك اللـحظة، غادر حـمدي غـرفة الـعناية، وانـتـظر تـقدم محمود لـيـبـشره بـحذر:_ الـحمد لـله حـالة الـحجة صفية اسـتـقرت، وهـنخرجها من الـعناية بـس هـي مـصممة تـشوف مـدام سهر، هي راحـت فـين؟جـذب هاني الـدكتور حـمدي بـعـيداً وقـال لـه بـصوتٍ خـافضٍ مـا حـدث، فـتـحول وجـه حـمدي إلى كتلةٍ من الـلهب، وصـوب نـظراتٍ نـارية تـجاه محمود وهدى، ثـم سـار بـخطواتٍ مـتـهدمة وقـف أمام هدى وقـال بـصوتٍ يـرتجف مـن الـخزي:_ أنتِ إزاي تـعملي حـاجة زي كـدة وأنا مـفهم سـميرة عـلى كـل حـاجة؟ وإزاي مـوضـحـتـيش لـمحمود إن هاني الـدكتور اللي بـيـعالج سهر
اقرأ المزيد

السادس والخمسون...

فـرت الـدموع من عين صفية وهي تـسمع اعتراف آدم الذي نـزل على مـسامعها كـالـصاعقة، فـأسندها آدم إلـيه خوفاً عليها، وسحب لها المـقعد وأجـلسها عـليه وقـال بـقلقٍ بـالغ:_ تـحبي أجيب لـحضرتك دكتور؟هزت صفية رأسها بالرفض القاطع وقالت بصوت متهدج:_ لا يا ابني، أنا دوايا هي بنتي، يوم ما ترجع لي، ده اللي بدعي إني أشوفه قبل ما أموت.احتضن آدم كف صفية، ففزع حين وجده بارداً كالثلج، ولاحظ حبات العرق الغزيرة التي تكسو جبينها الشاحب، فقال بارتباك:_ لا، أنا لازم أنقلك المستشفى، حضرتك شكلك تعبان والظاهر إن أنا زودت التعب أكتر، سامحيني، بس أنا فعلاً مقدرتش أمنع نفسي إني أشوفها للمرة الأخيرة بعد ما خسرتها بجوازها من محمود، ورغم إنها هي اللي خلفت كلامها معايا بس مقدرتش أكرهها.همست صفية بضعفٍ شديد، وعيناها تفيضان بالمرارة:_ متظلمهاش أنت كمان، بلاش تيجي عليها زي الدنيا كلها ما جت عليها، سهر متجوزتش محمود ابني إلا بعد ما اتوفى أبوها بأربع شهور.تراجع آدم إلى الخلف بخطوات متعثرة، ونظر إلى صفية بدهشةٍ شلت تفكيره وقال بغير تصديق:_ بس، بس محمود فهمني غير كدة تماماً!ابتسمت صفية ابتسامةً ذابلة يملؤها الوجع و
اقرأ المزيد

السابع والخمسون...

انـصرفت سهر بـخـطواتٍ واثـقةٍ وهـدوءٍ يـخفي خلفه عـواصف مـن الـانـتـقام، تـاركةً فؤاد يـحترق بـنـاره، بـينما كان هـاتـفها ف حـقـيـبتها يـسجل كل لـحظةٍ مـن ذل الـرجل الذي دمر حـياتـها يـوماً، لـتـبـدأ لـعـبـتـها الـكـبـرى التي لـن يـنـجو مـنها أحـد، واتجهت بخطواتٍ واثقة صوب سيارتها فوجدت سائقها بانتظارها، فأشارت إليه بعدما جلست بمقعدها للإنطلاق، لتختفي سهر عن الأنظار قبل أن يلحق بها فؤاد ككل مرة، بينما وقف فؤاد يتابع أثر السيارة التي اختفت وسار بخطواتٍ وئيدة نحو سيارته وهو يتنهد بثقل، والـذكرى تـعود به إلى لـقائهما الأول منذ شهر؛ ذلك اللـقاء الذي زلزل كـيانه وأحيا فـيه رعباً ظن أنه وئد مع الأيام.كان يـتذكر بـدقةٍ كيف هـجم عليه الـخوف حين ظهرت أمامه فـجأة، في تلك اللـحظة التي كان يـمارس فـيها دناءته المـعتادة بـالـتحرش بـموظفةٍ جـديدةٍ تعمل لديه، لـتـفاجئه سهر بـدفعةٍ قـويةٍ أبعدته عن الـفتاة، وهي تـصيح بـصوتٍ هـدر فـي المـكان كـرعدٍ غاضب:_ فؤاد! ابـعد عنها، إيه هو أنت لـسه فـيك الداء الـقذر ده؟ صحيح ديل الـكلب عـمره مـيـتـعدل!حدق بـها فؤاد بـرعبٍ شل أطـرافه، وتـراجع بـعـيداً عن تـلك
اقرأ المزيد

الثامن والخمسون...

تـوقـفت سهر عن الـكلام، واسـتـحالت نـظرتها إلى جـمودٍ قـاسٍ يـخـفي خـلفه بـراكـين من الانـتـقام الـمـر، وكـأن صـالـحاً لـمس الـوتر الـحساس فـي لـعـبـتـها الـخـطـرة، لكنها عادت ووارت ما تشعر به من سقم، وحاولت جاهدة أن تبعد عينيها عن نظراته الثاقبة التي تخترق روحها، وقالت وهي تدير عينيها عنه يمنة ويسرة:_ يا حج بلاش شغل التحقيقات ده معايا، ومشيها إني مصدقة، ومشيها إنك مصدقني لحد ما نعرف آخرتها سوا، ولا إيه؟وقف صالح بـثباتٍ رزينٍ يستند إلى عصاه الأبنوسية، وتركها بـصمتٍ ليخطو نحو غرفته بـخطواتٍ حزينة، وقبل أن يدلف للداخل وقف أمام الباب ونظر إليها نظرةً طويلةً يملؤها الوجع وقال:_ أنتِ بقيتِ بتلعبي بالنار يا سهر، وأنا خايف لتحرقك.ضحكت سهر بـتهكمٍ مـر، وقالت بـغموضٍ بـدت فيه كـأنها فقدت الخوف من الوجع:_ سبني ألعب، ولو اتحرقت مفيش أكتر من عمليات التجميل!أغلق صالح باب غرفته بـهدوءٍ وجلس خلفه يتمتم بـآياتٍ من الذكر الحكيم وبـدعواتٍ أن يحمي تلك النفس المعذبة، فطرقت سهر الباب عليه بـرقةٍ مـمزوجةٍ بـإصرارٍ وقالت:_ برضه مأكلتش يا حجوج؟ ولما أزعل منك بجد متشتكيش، افتح بقى بلاش قمص كبار.ظلت سه
اقرأ المزيد

التاسع والخمسون...

_ مااااازن!ارتجت جدران المكتب بـصوت آدم الـجهوري الـعاصف، لـيـهرب الدم من عـروق مـوظفي الـشركة جـميعاً، وتـسكن الـحركة فِى الأروقة كـأنَّ طـيراً جارحاً قد حـلق فوق رؤوسـهم، فأسـرع مازن يـدلف إلى مكتب آدم والـذعر يـتـملكه، لـيـجده واقـفاً كـبـركانٍ أوشـك على الـانـفجار، فـهتف بـخوف:_ إيه حـصل في إيه؟ رعبت الـناس بـرا، صـوتـك جـايب لـلـشارع!لـم يـنطق آدم بـبـنت شـفة، بـل ألـقى هـاتـفه بـقوةٍ فوق المـكتب بـوجـه مازن وقال بـفحيحٍ مـرعب:_ لـما تـشوف المـهـزلة دي هـتـعرف!مـد مازن يـده الـمـرتـجـفة وأخذ الـهاتـف، فـوجد خـبراً يـتـصدر صـفحات الـتواصـل الـاجـتماعي، يـحمل عـنواناً أدبـياً مـثـيراً: "حـين يـركع الـخـريف لـقـمر الـربـيع".هـز مازن كـتـفه بـعدم فـهمٍ لـيـمتص غـضب صديـقه وقـال:_ عـنوان عـادي مـيـخـلـيش حـالـك بـالـشكل ده، كـأن كـارثة حـصـلت!نـظر آدم إلـى مازن بـنظراتٍ سـوداء مـلـيـئةٍ بـالـغـل والـقهر، وقـبض عـلى حـافـة المـكتب حتى ابـيـضـت مـفاصل أصـابـعه وقـال:_ شـوف الـفـيـديو الأول..ضـغط مازن عـلى زر الـتـشغـيل، فـانـطلقت الـصورة مـوثقةً لـتلك الـلحظة التي كـان فـيها ف
اقرأ المزيد

الستون...

ابتعدت عنه بخطواتٍ متعثرة، لتتركه واقفاً وحده وسط حيرته، واختفت في غرفتها وأوصدت الباب خلفها كأنها توصد أبواب قلبها للأبد. توجه هاني إلى صالح الجالس في الشرفة يراقب غيوم السماء بأسى، وقال بضيق:_ عجبك اللي بتعمله ده؟ دماغها بقت ناشفة وأنا بدأت فعلاً أخاف على سهر من نفسها يا عمي.تنهد صالح، ونظر إلى هاني بعينين أثقلهما التعب وقال:_ أنا كتير فكرت أقول لمحمود على مكانها، يمكن يقدر يرجعها عن اللي في دماغها، بس كل ما أفتكر اللي قالته سهر عنه، أخاف لو شافته تهرب مني أنا كمان، وأرجع لوحدي تاني بعد ما نورت حياتي.في الداخل، كانت سهر قد دفنت رأسها أسفل وسادتها، تعنف قلبها الذي بات يخفق باسم آدم من جديد، وتهمس بلوعة:_ حتى لو أسلم، مينفعش، آدم بالذات لأ! إنت فاهم كدة كويس، مش آدم اللي يستحق واحدة زيي، أنا كبيري أرجع لمحمود، هو بنفسه اللي شبه فؤاد، يستحق واحدة حصل معاها اللي حصل، إنما آدم لاء.اعتصرت الوسادة بين يديها وأكملت بنحيبٍ يمزق الصدر:_ آدم ده كان الحلم اللي عمري ما هنساه أبداً، النجمة اللي بتنور حياتي وتديني سعادة وأنا عارفة إنها بتنور لي لوحدي، إنما غير كدة لاء، ااااه، ليه رجعت تاني
اقرأ المزيد
السابق
1
...
45678
...
16
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status