جميع فصول : الفصل -الفصل 70

154 فصول

الحادي والستون...

انتزع محمود الهاتف من يدها بحدة، وفتح الفيديو ليتسمر في مكانه، وتجمدت ملامحه وصار كتمثالٍ من حجر وهو يحدق في الشاشة بصدمةٍ زلزلت كيانه؛ حين شاهد فؤاد يركع أمام سهر بذل، شعر بغضبٍ مريرٍ يحرق أحشاءه، وظن في تلك اللحظة أن سهر قد انتقمت منه أشد انتقام؛ فكيف تعود لـفؤاد وتغفر له ما فعله بها، وهي التي ذاق معها الأمرين طوال زواجهما بسبب ذلك الماضي؟فأغمض عينيه بقهرٍ واضح، وقد شعر بطعنةٍ في كبريائه الرجولي، بينما انكمشت هدى على نفسها وابتعدت عنه بضع خطواتٍ خشية أن ينفجر فيها، فتح محمود عينيه مرةً أخرى، وكانت نظراته كالشرر المتطاير، وصوبها نحو هدى وقال بصوتٍ مكتومٍ من فرط الغيظ:_ لما أنتِ شوفتِ الفيديو ده، متصلتيش على طول وبلغتيني ليه؟ همست هدى بصوتٍ مرتجفٍ مـذعور:_ خوفت منك عـلشان عارفة إنك هـتـتحول زي دلوقتي! محمود أنا عـمري ما شوفتك كـدة، مـعقول لـلـدرجة دي بـتـحبها وبـتـعشقها؟أغمضت هدى عـيـنيها بـألمٍ يـعتصر قلبها وأكملت:_ أنا عندي اقـتـراح عـلشان تـعرف مـكانها، خـصوصاً إن المـكان المـتـصورة فـيه هنا في الـقاهرة، في أنت تـروح الـكافيه وتـسأل، يـمكن حد يـدلك على مـكانها.مد محمود يـده
اقرأ المزيد

الثاني والستون...

بادل هاني النظرات لآدم وجلس بأريحيةٍ استفزت سكون الغرفة، وأخذ يجول بنظره في أركان المكتب الفاخر متحاشياً عيني آدم المشتعلتين، حتى فقد آدم آخر ذرات صبِره، فنهض فجأةً وضرب سطح مكتبه بعنفٍ صُمَّت له الآذان وصاح بملء فيه:_ أنت قاعد بارد كدة ليه؟ ما تنطق! سهر مالها؟اعتدل هاني في جلسته، وخلع عنه قناع المرح ليحل محله وقارٌ طبيٌّ صارم، وقال بجديةٍ:_ كدة يبقى ظني صح، اقعد بقى واهدى واسمعني، علشان اللي هقوله يحتم عليا أقفل عيادتي وأسحب رخصة مزاولة المهنة، لاني هكشف سر مريضة عندي.عقد آدم حاجبيه بذهولٍ، وقد بدأت ملامح الريبة تتبلور في نظراته، وقال:_ مش فاهم، ما توضح كلامك! أنت بتلاعبني بالكلام ليه؟ وبعدين أساساً أنت دكتور إيه وإيه صلتك بسهر من الأصل؟ ما تفهمني بدل ما أتهور عليك، أنا مشفتش كمية برود بالشكل ده قبل كدة!ابتسم هاني بأسىً هذه المرة، وقال بنبرةٍ هادئةٍ اخترقت اضطراب آدم:_ معلش خلي عندك صبر، أنا دكتور نفسي، وكنت بعالج سهر من المرض النفسي اللي كان عندها، وكان سبب في تدمير حياتها في السنين اللي فاتت، وهو برضه السبب في إنها هتضيع نفسها تاني لو ملحقتهاش.أحس آدم بخوفٍ باردٍ يسري في أو
اقرأ المزيد

الثالث والستون...

وقفت سهر والاضطراب ينهش روحها، كانت تغرس أظافرها في كفها بقوةٍ أدمتها، تحاول التمسك بجمودها الزائف ودرع القسوة الذي تحصنت به، ولكن حين رأت انكسار صفية، ولمحت صالح وهو يهز رأسه بأسفٍ بالغ وحزنٍ على ما آلت إليه الأمور، تهاوت حصونها دفعةً واحدة. لم تستطع إكمال دور القسوة، ووجدت صوتها ينطلق مخترقًا جدار الصمت، صرخةً مشحونة بالندم والاحتياج:_ استني يا ماما، متسيبنيش وتمشي!ارتمت سهر في أحضان صفية كأنها طفلة وجدت مأمنها بعد طول ضياع، فما كان من محمود إلا أن تراجع إلى الخلف في اضطرابٍ جلي، ووقف يراقب المشهد بقلبٍ مثقل؛ رأى صفية توزع قبلاتها الحانية على رأس سهر، وتحتضنها بلهفةٍ كادت تذيب الجليد الذي تراكم بينهما، بينما كانت تربت على ظهرها في حنوٍ بالغ. أما سهر، فقد أحنت رأسها في ذلة المحب، تقبل يد صفية وترجوها الصفح والغفران، بينما بللت الدموع وجنتيهما في مشهدٍ يفيض بالشجن.في تلك اللحظة، التقت عينا محمود بعيني صالح، الذي أومأ له برأسه إشارةً بأن يتبعه ويتركهما تنفردان بحديثهما، فانسحبا بهدوء ليجلسا في الشرفة يرقبان صمت الليل.استصحبت سهر صفية إلى غرفتها، وحين استقرت صفية في مجلسها، انطرحت س
اقرأ المزيد

الرابع والستون...

قبل ساعات...خيم الصمت الثقيل على أرجاء الغرفة، صمت لا يقطعه سوى أزيز المكيف الذي بدا وكأنه يئن تحت وطأة التوتر المتصاعد بين الرجلين، وقف آدم ويده ترتجف بغير وعي، وعيناه تطلقان شرارات من الشك والترقب، بينما كان هاني يحاول الحفاظ على ثباته رغم العاصفة التي تلوح في الأفق. كان آدم يشعر بغليان في عروقه، فصبره قد نفد، وروحه التي أرهقها البعد والغموض لم تعد تحتمل مزيدًا من الألغاز.وبصوت انخفضت نبرته لدرجة مخيفة، قال آدم بهدوء خادع لا يبشر بخير أبدًا:_ أنا مش جايبك هنا تستجم، ما يا تقول يا هنزل وأسيبك وهعرف كل حاجة من سهر نفسها، حتى لو حكمت أخطفها وأخليها تقول غصب عنها، أنا مش هقعد تحت رحمتك أكتر من كدا.كانت نبرة آدم تنم عن يأس عميق ممزوج بإصرار فتاك، كأنه غريق يتشبث بآخر قشة قد تنجيه من هلاك الروح، فاعتدل هاني في مقعده، وزفر زفرة حارة وهو يراقب ملامح آدم المتشنجة، محاولاً امتصاص غضبه بقدر من الحكمة والتروي، فأجابه بنبرة هادئة:_ ما طول ما أعصابك ثايرة كدا مش هعرف أتكلم معاك، صدقني الموضوع مش سهل، أنا مجرد تفكيري إني أعرفك حليت نفسي من قسم المهنة وبجد مش ندمان إني هخسر شغلي اللي كافحت علي
اقرأ المزيد

الخامس والستون...

استقل آدم سيارته، وكان صدره يضطرب في صعود وهبوط متلاحق كمرجلٍ يغلي فوق نار موقدة، وبجانبِه هاني الذي استسلم لصمت مطبق تملكًا للرعب مما قد تؤول إليه تلك الرحلةُ المحفوفةُ بالمخاطر. انطلقت السيارةُ تنهب الطريق نهبًا وتسابق الزمن، حتى توقفت بعنفٍ أمام منزلِ صالح، ليترجل آدم مندفعًا بجنون نحو الشقة، ويطرق الباب بضرباتٍ قوية متتالية كأنها مطارق القدر التي تعلن عن لحظةِ الحساب. فتح الباب فجأة ليطل منه محمود بملامحه المستفزة، ووقف سدًا يمنعه من الولوج صائحًا بلهجة حادة تنضح بالعداء: _ أنت إيه اللي جابك هنا؟ هو أنا مش هخلص منك بقى و.. لم يترك له آدم فرصةً ليتم جملته، بل عاجلَه بلكمةٍ قوية هوت على وجهه فزلزلت كيانه وأطاحت بتوازنه، ودفعَه من أمامِه في غضب عارم كاد يقتلع الجدران، وهو يصرخ في هاني بعينين تقدحان شررًا: _ أوضتها فين؟ اتكلم بدل ما أرتكب جريمة فيكم أنتم الاتنين! بيدٍ ترتجف رعبًا وقلب يخفق بانتفاضاتٍ متسارعة، أشار هاني إلى بابِ غرفة سهر، والابتهالات تتدفق من أعماقهِ بأن تمر تلك العاصفة دون إراقة دماء، اندفع آدم وفتحَ الباب عنوة، لكنه تيبس في مكانه كأن صاعقة أصابت أطرافه، في اللحظة
اقرأ المزيد

السادس والستون...

خيم صمت رهيب ومفاجئ على الأرجاء، ران السكون الذي يسبق العواصف الكبرى، ووقفت صفية تحدق في ابنتها بذهول، بينما تجمدت ملامح آدم وصار وجهه كقناع من الجبس بفعل الصدمة. ارتخت يد آدم وابتعد عن فؤاد وهو لا يكاد يصدق ما تفوهت به سهر، في حين بدأ فؤاد يسعل بشدة محاولًا استعادة أنفاسه، وهو يرمق الجميع بنظرات شماتة وانتصار أثارت اشمئزاز النفوس. اقتربت سهر من فؤاد، وربتت على كتفه بفتور وسألته بنبرة غريبة: _ أنت بخير يا فؤاد؟ تحب نروح المستشفى نطمن عليك؟ ثم التفتت إلى آدم بملامح قاسية، ووجهت إليه تعنيفًا مرًا قائلة: _ عجبك اللي عملته في فؤاد؟ أنت إزاي تسمح لنفسك تلمسه أصلاً؟ بعدين أنت لسه هنا ليه؟ اتفضل يا أستاذ آدم، أظن جاوبت على كلامك بما فيه الكفاية. لم تكتفِ سهر بذلك، بل أدارت وجهها نحو محمود بجمود وقالت بنبرة حاسمة: _ وحضرتك يا أستاذ محمود، خد طنط صفية وروح، وجودك مش مرغوب فيه لا دلوقتي ولا بعدين. أنهت سهر كلماتها وهي تشيح بنظرها عن الجميع، ووقفت تحدق بصمت غامض في وجه فؤاد، قبل أن تقول بلهجة تخلو من أي مشاعر: _ الأحسن نمشي إحنا يا فؤاد، أنا هدخل أجيب شنطتي ونمشي، استناني برا. تركتهم سه
اقرأ المزيد

السابع والستون...

غادر مازن والضحكة لا تفارق وجهه، متعجبا من ملامح آدم التي تبدلت من الجهم إلى الهيام في لحظة خاطفة بمجرد رؤيتها. أوصد آدم الباب وجلس بجانب سهر، وضغط بقسوة محببة على يدها وهو يسألها بصوت يرتجف بمرارة العتاب: _ أقدر أفهم معنى اللي عملتيه إمبارح دا إيه؟ ابتلعت سهر ريقها بصعوبة، وشعرت برعدة تجتاح جسدها وهي تلمس حرارة يد آدم رغم قبضته القوية، فأجابت بصوت خفيض: _ عملت الصح، فؤاد عرض عليا الجواز وأنا وافقت و.. و.. توقفت الكلمات في حلقها حين اشتدت قبضة آدم على أصابعها حتى كادت تصرخ، فتنهدت بيأس وقالت بصدق جارف: _ كان لازم أحميك، أنت كنت هتقتله وتضيع بسببي، وأنا مستحيل أسمح لك تأذي نفسك علشاني. نهض آدم فجأة، وجذبها من يدها لتعتدل قائمة أمامه، وقال بلهجة لا تقبل الجدل: _ يلا بيا. تصلبت سهر في مكانها، وحاولت تحرير يدها وهي تسأل بحيرة: _ يلا على فين؟ وبعدين سيب إيدي على فكرة بتوجعني. توقفت نظرات آدم عند عينيها، ورأى فيهما بريق حب لا يخطئه قلب، فرفع كفها إلى فمه وطبع عليها قبلة طويلة جعلتها ترتجف بين يديه. تركها فجأة وتوجه صوب مكتبه، وفتح أحد الأدراج بحركة سريعة ليخرج علبة سوداء مخملية. و
اقرأ المزيد

الثامن والستون...

ازدادت حيرة آدم وتضاعف قلقه، فقد قصت سهر عليه تلك الأهوال بهدوء غريب وجفاء في المشاعر لم يعهده فيها، ولم تذرف دمعة واحدة وكأن منبع عبراتها قد جف من فرط القسوة، فشعر بوجل شديد على حالتها النفسية التي بلغت حد التبلد من فرط الصدمة. تحرك آدم ليجلس بجوارها، ونظر إلى جانب وجهها الشاحب فلم تلتفت إليه، فمد ذراعه بحنو غامر وضمها إلى صدره، هامسًا لها وهو يغالب عذابه المشتعل ويخفي بركان غضبه في أعماقه: _ إحنا هنسافر، هتعملي عمليات نمحي أي أثر في جسمك وهتتعالجي صح، أنا معاكي يا سهر وعمري ما هسيبك تاني لحد ما أموت، وأوعي لحظة تفتكري إني هجبرك على حاجة، أه أنتِ مراتي بس يكفيني الحب اللي بحسه معاكي، أما بقى فؤاد دا تنسيه، أنا اللي هجيب لك حقك منه، هقطعه حي لحد ما يموت ويدوق اللي عمله فيكي، وحياتك عندي يا سهر لأعذبه عذاب الدنيا والآخرة، بس الأول ترجعي سهر زي ما كنتِ علشان تشوفيه وهو زي الكلب تحت رجلك. نظرت سهر إليه، وقد لمعت في عينيها نظرة خوف مشوبة بإصرار مرعب وقالت: _ لأ يا آدم، دا تاري أنا وأنا اللي هاخده منه، أنا مش هسمح لك تودي روحك فداهية علشاني. وفجأة، فاجأت سهر آدم بتحركها، حيث نزلت من فو
اقرأ المزيد

التاسع والستون...

تحركت سهر مبتعدة عنه فجأة، وقد غزا الاضطراب ملامحها، وفركت كفيها ببعضهما البعض وهي تقول بصوت خفيض: _ آدم.. طيب أنا ليا طلب عندك، ممكن توافق عليه؟ اعتدل آدم في جلسته هو الآخر، واستقر على طرف الفراش وهو يوجه كل انتباهه نحوها، وقال بصوت يملؤه السخاء والوعد: _ اللي تؤمري بيه هنفذه، أأمريني. التفتت إليه سهر، وارتسمت على ثغرها ابتسامة تفيض بالحب والامتنان، وقالت برقة: _ أنا عاوزة أروح عند ماما صفية قبل ما نسافر، أنا مش هعرف أروح أي مكان وهي زعلانة مني. عبست ملامح آدم فجأة، وظهرت في عينيه لمعة غيرة لم يستطع مداراتها، فحدق بها قائلاً بنبرة حادة بعض الشيء: _ بس كدا هنروح ومحمود هيشوفك! طيب ما أبعت أجيبهالك هنا، وبلاش موضوع إنك تروحي هناك. هزت سهر رأسها بالرفض القاطع، وقد تجمعت في عينيها نظرة استعطاف، وقالت بنبرة باكية: _ أنا زعلتها جامد أوي، وبعدين هي متعرفش إننا اتجوزنا، وحياتي يا آدم علشـ.. وضع آدم طرف إصبعه فوق شفتيها برفق ليمنعها من إتمام جملتها، وقال وهو يتطلع في عينيها بصدق جارف: _ أوعي تترجيني تاني أبدًا مهما حصل علشان أي حاجة، أنا قلت لك هنفذ لك كل حاجة تتمنيها أو تفكري فيها
اقرأ المزيد

السبعون...

جلست سهر تتوسط صفية وآدم، وكلاهما يحيطها بذراعه كأنما يذودان عنها نوائب الدهر، وكانت ضحكاتها الصافية تتعالى وهي تستمع إلى مناوشات آدم اللطيفة مع صفية، حتى خيم الهدوء فجأة حين توقفت صفية عن الكلام، ورمقت آدم بنظرة جادة وقالت: _ ينفع نتكلم جد شوية؟ أنا عاوزة أعرف أنتم ناويين تعملوا إيه في موضوع فؤاد، خصوصًا بعد الكلام اللي الهانم قالته له وعشمته إنها ليه. شعرت سهر بسعادتها تذبل وتتلاشى، وغامت عيناها بذكرى فؤاد المقيتة، فلاحظت صفية ذلك التغير وقالت بنبرة حازمة: _ أنا لازم أسأل، علشان الصفحة دي لازم تتقفل خالص وم تتفتحش تاني. متزعليش من كلامي يا سهر، ما أنا عاوزة أعرف إيه اللي خلاكي تعيشي عند صالح، وليه دكتور هاني خبى علينا إنه يعرف مكانك؟ احتضن آدم كف سهر وضغط عليه برفق ليطمئنها، فابتسمت له في امتنان، ونظرت في عينيه كأنها تحدق في شاطئ نجاتها الوحيد وقالت: _ أنا اللي طلبت من هاني إنه ميقولش على مكاني، علشان محمود ميرجعنيش له تاني، ولو كنت فضلت كنت هضعف علشان خاطرك زي كل مرة وأرجع له. قعدت في شقة أخت هاني وكنت بروح له المستشفى اللي بيشتغل فيها أتعالج، وهناك قابلت عمو صالح، كان تعبان ج
اقرأ المزيد
السابق
1
...
56789
...
16
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status