All Chapters of سراب عشقه : Chapter 61 - Chapter 70

96 Chapters

part 61

خرج خالد من بوابة البرج السكني في جليم والكسر يملأ جوارحه، ركب سيارته وقادها في شوارع الإسكندرية شبه الخالية تحت ضوء قمر ليل لئيم لم يرحم لوعته. كان يمسك مقود السيارة بقوة وعروق يده بارزة من فرط الغضب والوجع، وصوت صراخ سما ونحيبها يتردد في أذنيه كصوت المشرط وهو يمزق الأنسجة. تداخلت في عقله مشاعر الإرهاق الجسدي بعد جراحة دامت لساعات طويلة، مع جرح كبريائه كرجل شعر للحظة أن تضحيته وحمايته السرية التي خرجت من أجلهقوبلتا بالدفاع المستميت واللوم لأجل رجل آخر. لم يكن يرى الطريق أمامه بوضوح، فالضباب لم يكن في الجو بل كان في عقله الذي أظلمه الشك المفاجئ والمشحون بالتعب.قاد سيارته تلقائياً نحو المكان الوحيد الذي يمثل له الملاذ القديم قبل أن يعرف الحب؛ فيلا والده الدكتور نديم، حيث تقيم والدته السيدة زينب وشقيقته تارا. أوقف السيارة بعنف أمام البوابة، ونزل منها بخطوات ثقيلة ومبعثرة، وفتح الباب الخارجي بالمفتاح الذي لم يفرط فيه يوماً.كانت الساعة قد تجاوزت الثانية والنصف صباحاً، والهدوء التام يلف جدران الفيلا، باستثناء ضوء خافت كان ينبعث من المطبخ حيث كانت السيدة زينب تجلس لتناول كوب من الأعشا
Read more

part 62

مع أولى خيوط الفجر التي بدأت تنسحب تدريجياً لتعلن ولادة صباح جديد على مدينة الإسكندرية، لم يكن أيّ منهما قد ذاق طعم النوم لثانية واحدة. غلف الهدوء القاتل كلا المكانين، لكنه كان هدوءاً أشبه بسكون ما قبل العاصفة، أو بالأحرى، هدوء ما بعد الخراب.في بيت أهله، تحديدا داخل غرفته القديمه الذي اعتاد المبيت فيها استيقظ خالد – إن كان يُسمى ما عاشه استيقاظاً – مع دقات الساعة السابعة صباحاً. كان ممدداً فوق سريره القديم في غرفته التي هجرها منذ شهرين ونصف. ذراعه موضوعة فوق عينيه لتحجب أشعة الشمس المتسللة عبر الستائر، لكنها لم تحجب الصور الذهنية التي كانت تمزق عقله. شعر بفراغ غريب وجليد يزحف إلى أطرافه؛ فقد اعتاد طوال الأسابيع الماضية أن يفتح عينيه ليجد وجه سما الملائكي بجانبه، يداعبها بنعومة الياسمين .. ويستمع إلى أنفاسها المنتظمة التي تمنحه الطمأنينة قبل أن يبدأ يومه الشاق في المستشفى.تلمس الفراش بجانبه، فلم يجد سوى ملاءات باردة وقاسية لا تحمل رائحتها. هذا الفراغ المفاجئ كان كالحوت الجائع الذي يبتلع روحه ببطء. تقلب في فراشه بزفرة حارقة، وشعور الذنب والغضب يتنازعان داخله. عقله المنهك كان لا ي
Read more

part 63

جلس علي في أحد الكافيهات الهادئة المطلة على شاطئ ستانلي، كان كوب القهوة أمامه قد برد تماماً، وعيناه مسمرتان على مدخل الكافيه بترقب وقلق. منذ أن هاتفته تارا بصوت مبحوح ومضطرب تطلب لقاءه فوراً، وقلبه لم يهدأ. يعرف تارا جيداً؛ إنها الفتاة المرحة التي لا تفارق الابتسامة وجهها، فأن تطلبه في الصباح الباكر بنبرة بكاء، فهذا لا يعني سوى أن كارثة قد وقعت في بيت عائلتها.لم يمر وقت طويل حتى دلفت تارا من الباب. كانت ترتدي عباءة بسيطة باللون الكحلي، وعيناها متورمتان بشدة من قلة النوم والبكاء.. ووجهها شاحب يخلو من أي مساحيق. تقدمت نحو الطاولة بخطوات متعثرة كأنها تجر خلفها جبالاً من الهموم. وقف علي فوراً، وسحب لها المقعد، وجلس أمامه يمسك بيديها الباردتين المرتجفتين، وقال بنبرة يملؤها الخوف الحقيقي:= "تارا! مالك يا حبيبتي في إيه؟ وشك عامل كده ليه وعينيكي منفوخة؟ إيه اللي حصل من امبارح بعد ما سبتكم؟ طمنيني أرجوكي وقعتي قلبي."لم تتحمل تارا نظرة الحنان في عيني خطيبها، فانفجرت في بكاء صامت، ودموعها تنساب بغزارة على وجنتيها. حاولت استجماع أنفاسها وتحدثت بصوت متقطع ومبحوح:= "البيت بيخرب يا علي.. خال
Read more

part 64

غادر علي الكافيه بخطوات سريعة متجهاً صوب المستشفى بخطة واضحة؛ يرغب في وضع حد لهذا التداعي القاسي قبل أن يستحيل الشرخ إلى جدار العزلة الأبدية. كانت شمس الظهيرة في الإسكندرية تسطع ببرود فوق كورنيش البحر، بينما كانت الأجواء داخل أروقة المستشفى تشبه الصمت الذي يسبق العاصفة.في الطابق الرابع، وتحديداً في الاستراحة الخاصة بالأطباء، كان خالد يجلس خلف مكتبه الخشبي الكبير. لم يكن يرتدي معطفه الأبيض بعد؛ بل كان يجلس بقميصه الأزرق الداكن وقد طوى أكمامه إلى منتصف ساعديه، واضعاً كفيه على وجهه، يتنفس بتثاقل شديد. كانت عيناه الغائرتان تُظهران كمّ الإرهاق الذي اعتصر روحه؛ فلم يذق طعم النوم، والعملية الجراحية التي أجرها صباحاً أخذت كل ما تبقى في جسده من طاقة مادية، لكن الطاقة النفسية كانت مستنزفة تماماً بفعل الفراغ القاتل الذي يلاحقه.كلما حاول أن يهرب إلى تفاصيل العمل والمشارط والتقرير الطبي، تتسلل إلى ذهنه صورة سما؛ صورة الدموع وهي تتساقط على وجنتيها المشتعلتين، وصوتها المكسور وهي تصرخ في وجهه. غضبه لم يكن كراهية، بل كان جرحاً غائراً لرجل بذل كل ما يملك ليكون الدرع والسند، فاستشعر في لحظة التعب ا
Read more

part 65

وقف خالد أمام باب شقتهما في جليم، وكانت يداه ترتجفان بشدة وهو يحاول إدخال المفتاح في القفل. كانت أنفاسه متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط من فرط الرعب والندم الذي يعتصر قلبه. استجمع ما تبقى من قوته، وفتح الباب ودخل مسرعاً وهو ينادي بصوت متهدج يملؤه الامل والرجاء:= "سما! سما حبيبتي.. إنتي هنا؟ ارجوكي ردي عليا!"لكن لم يجبه سوى صدى صوته المكسور وهو يتردد في أرجاء الشقة الفارغة.ساد المكان صمت موحش، صمت ثقيل وبردٌ قارس ينبعث من كل زاوية، كأن الروح قد سُحبت من المكان تماماً. سار خالد بخطوات مبعثرة وثقيلة نحو الصالون المطل على البحر، كانت الستائر مسدولة، والشمس تتسلل بخيوط باهتة لا تمنح أي دفء. وهنا، على الطاولة الزجاجية المنتصفة للغرفة، سقطت عيناه على المشهد الذي جمد الدماء في عروقه.كانت الدبلة الذهبية موضوعة بجانب المفاتيح.اقترب خالد ببطء شديد، وركبتيه تكادان لا تحملانه. جثا على ركبتيه أمام الطاولة، ومد يده المرتجفة ليلتقط الدبلة. كانت باردة كالثلج. ضغط عليها بكفه واحتضنها إلى صدره، وغطى وجهه بيده الأخرى، وانفجر في بكاء مكتوم وجريء هز جسده الضخم بالكامل. كانت هذه الدبلة هي العهد الذي قطع
Read more

part 66

انطلق خالد بسيارته كالريح المكتومة في شوارع الإسكندرية متجهاً صوب منزل الدكتور نديم. كان عقله يغلي بمزيج حارق من الندم القاتل، والخوف، والغضب العارم من نفسه ومن تلك الرسالة المسمومة التي دمرت حس الأمان في قلب زوجته. كان يمسك عجلة القيادة بقوة حتى أبيضّت مفاصل يديه البارزة، بينما كانت الدبلة الذهبية المستقرة في جيب قميصه القريب من قلبه تقرع جدار صدره مع كل ضربة معلنة عن تأنيب ضمير لا يهدأ.وصل خالد إلى الفيلا، وأوقف سيارته بعنف أمام البوابة الخارجيّة. نزل منها بخطوات سريعة، ثقيلة ومضطربة...ودلف إلى الداخل دون حتى أن ينتظر أن يفتح له أحد. كانت أرجاء البيت تسودها حالة من الصمت الثقيل والجنائزي، صمت يطبق على الأنفاس ويعلن أن شيئاً قد انكسر في هذا البيت ولم يعد كما كان.في الصالون الرئيسي، كان الدكتور نديم يجلس على كرسيه الجلدي الفاخر، واضعاً كفيه بقوة فوق عصاه الخشبية... وعيناه تحملان حزناً ووقاراً مكسوراً. بجانبه كانت زوجته تطمئن عليه بوجه يملؤه القلق والأسى والحسرة على ابنتها. ما إن رأى الدكتور نديم دخول خالد بتلك الحالة المزرية—شعره المبعثر، عيناه الحمراوان اللتان تشعان بالندم، و
Read more

part 67

سقطت كلمة الخادمة الباردة والقاطعة على الصالون كالصاعقة المزلزلة. تجمدت الدماء في عروق خالد،...وشعر وكأن أحداً قد سدد لكمة قاسية إلى صدره سلبته القدرة على التنفس. استدار ببطء شديد نحو الخادمة التي كانت تنزل الدرج وهي تنكس رأسها خجلاً وأساً ثم أعاد نظره إلى الدكتور نديم. ساد المكان صمت رهيب وممتد، صمت لم يقطعه سوى صوت أنفاس خالد المتسارعة والمكتومة، وهو يقف في منتصف الغرفة كمن وُضِعت رقبته تحت مقصلة الانتظار.ظل خالد صامتاً لعدة دقائق، وعيناه الغائرتان تحدقان في الفراغ بذهول تام. كانت هذه المرة الأولى التي تجرؤ فيها سما على رفض رؤيته، هي التي كانت تتلهف للائذ بأحضانه مع كل رمشة عين. هذا الـ "لا" لم تكن مجرد كلمة رفض عابرة، بل كانت جداراً من الجليد صُبّ فوق كرامتها المكسورة. بلع خالد ريقه الجاف الذي صار كالعلقم، واستجمع شتات نفسه المبعثرة، ثم اقترب خطوات إضافية من كرس الدكتور نديم.انحنى خالد بظهر مكسور أمام نديم، ونظر في عينيه بنبرة انكسار وتوسل يفيض بالرجاء:= "عمي نديم.. أنا عارف إن ماليش حق يطلب حاجة دلوقتي، وعارف إن إهانتها زادت لما ردت بالرفض.. بس أنا زوجها، وده حقي الإنساني ان
Read more

part 68

استمر الصمت المعذب يخيم على أرجاء الغرفة خناقاً ثقيلاً، ينهال على روح خالد كالمطارق المسنونة. كانت سما ممددة في حضنه كالتمثال الرخامي البارد؛ جسدها ينتفض بفعل النحيب، لكن لسانها أبى أن يمنحه طوق نجاة واحد، أو يلفظ بحرف يشفي غليله أو يطفئ نار ندمه. لم تنظر في عينيه، ولم ترفع وجهها المغمور في دموعها الحارقة، بل استمرت في إغلاق كل منافذ الحديث بينهما، متمسكة بكرامتها التي طُعنت في مقتل.زاد خالد من ضمتها إلى صدره، وهو يشعر بالذنب يعصر أحشاءه كالمشرط. وضع جبهته على كتفها المرتجف، وطبع قبلاً متتالية على يدها الباردة التي تحتضن الدبلة بقوة، وهمس بصوت متهدج يفيض بالتوسل والرجاء:= "سما.. أرجوكي، اتكلمي. صرخي فيا، اضربيني بكيانك كله، قوليل إني غبي ومستاهلكش.. بس بلاش السكوت ده. سكوتك بيقطع فيا إرباً إرباً. أنا عارف إن أمي جرحتك، وعارف إن شكوك امبارح كانت طعنة في أمانك معايا.. بس والله العظيم أنتي دنيتي والعوض اللي ربنا رزقني بيه. أنتي عارفة إن خالد بيحبك، وبيموت من غيرك."لكن سما لم تجبه. أغمضت عينيها المنتفختين من شدة البكاء، وشحبت ملامحها أكثر وهي تبتعد بجسدها ببطء وهدوء عن أحضانه، متمس
Read more

part 69

أشرقت شمس يوم جديد على عروس البحر المتوسط، لكن ضياءها لم يتسلل إلى قلب خالد إلا من خلال شاشة هاتفه الذكي. كانت الإسكندرية تستيقظ على نسيماً بارداً يتخلل الشوارع الممتدة على الكورنيش، بينما كان هو قد استيقظ منذ الفجر في شقته الهادئة في جليم. الشقة التي طالما ضجت بحركة سما العفوية ورائحة عطرهما المخلوط بعبير الياسمين، باتت الآن شبه صامتة، إلا من صدى أنفاسه ووجيبه المتسارع وهو يعد خطة يومه الجديد؛ خطة لم تكن تهدف لإعادة كرامة سما المحطمة فحسب، بل لإعادة نسج حبال الأمان التي تخرقت بينهما في ليلة الشك والقسوة.لم يكن يسعى هذه المرة لوقفة عاطفية عاصفة أو مواجهة مباغتة تعيد تكرار رفضها، بل قرر أن يسلك درباً آخر أكثر عمقاً وأصالة؛ درب الحضور الخفي المستمر. قرر أن يفتح لها نافذة كاملة على حياته، أن يجعلها تعيش كل لحظة من يومه، لترى بنفسها أين يذهب، وماذا يفعل، وكيف باتت هي البوصلة الوحيدة التي تحرك كل سكناته.تأنق خالد في الصباح بقميصه الكحلي المحبب لقلبها. وقبل أن يخرج من الشقة..... التقط أول صورة عبر هاتفه؛ كانت للشمس وهي تشرق ببطء فوق شاطئ البحر المطل من شباك الصالون، وأرفق الصورة برسال
Read more

part 70

مرّ أسبوع كامل على تلك الليلة السوداء التي تزلزل فيها عش الزوجية في جليم. سبعة أيام كاملة مرت كأنها دهر من الجحيم والانتظار المرير؛ لم يذق فيها خالد طعم النوم المنتظم، ولا عرفت سما فيها طعم السكينة. طوال هذا الأسبوع، ظل الجراح الوقور يقاتل بأسلحة النبل والصبر...لم يتوقف يوماً عن إرسال تفاصيل يومه لسما عبر الرسائل، ولم يكتفِ بذلك، بل كان ينهي دوامه الشاق في المستشفى كل مساء ليتوجه مباشرة إلى فيلا الدكتور نديم. كان يجلس في الصالون السفلي.. يقضي الساعات طوالاً منتظراً أن يلمح طيفها، أو تتكرم عليه بنزول خاطف يطفئ نار ندمه، لكن الباب العلوي لغرفتها ظل مغلقاً كحصن من الجليد.في مساء اليوم السابع، كان الهدوء القاتل يلف أرجاء الفيلا العتيقة. كان خالد يجلس في الصالون السفلي على نفس المقعد الخشبي الذي شهد اعترافه وانكساره قبل أيام. كان يرتدي قميصه الأبيض وقد طوى أكمامه بقلة حيلة، يضع رأسه بين كفيه، وعيناه الغائرتان تحدقان في السجادة الثمينة بأسى ناطق. كان وجهه مشحوباً من فرط الإجهاد والتفكير، والدبلة الذهبية المستقرة في جيب قميصه تذكره مع كل دقة قلب بجرم الشك وقسوة الإهانة التي تعرضت لها ز
Read more
PREV
1
...
5678910
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status