All Chapters of خارج نطاق البرستيج : Chapter 11 - Chapter 19

19 Chapters

الفصل الحادي عشر: ليلة الخوف.. والرسالة المسمومة

لم يكد صدى صوت ذلك الرجل الغريب في الهاتف يخبو، حتى وجدتُ نفسي حبيسة غرفتي، والهاتف لا يزال في يدي يرتجف. ذلك الصوت لم يكن مجرد تهديد، كان "وعداً" بملاحقةٍ لا تنتهي. وضعتُ الهاتف على الطاولة بقوة، وشعرتُ بأن جدران الغرفة تضيق عليّ. كيف عرفوا رقمي؟ وكيف وصلوا إليّ بهذه السرعة؟لم أكن أملك ترف الوقت للانهيار. سارعتُ إلى فتح درج مكتبي، وأخرجتُ الدفتر الصغير الخاص بوالدي، وبدأتُ أبحث فيه بجنون. كانت صفحاته تعج بأرقامٍ لم أكن أفهم دلالتها، لكن في الصفحة الأخيرة، وجدتُ ملاحظةً مكتوبة بخطٍ يده المرتجف: "إذا رنّ الهاتف في ليلتكِ المظلمة، فاعلمي أن العيون قد رصدت خطواتك.. لا تعودي للورشة إلا إذا كنتِ مستعدةً لتقديمِ ثمن الحقيقة."تجمدتُ في مكاني. والدي كان يتوقع هذا؟ هل كان يخطط لكل هذا منذ البداية؟بينما كنتُ غارقةً في أفكاري، رنّ الهاتف مرة أخرى. كان رقماً مجهولاً، تماماً كما حدث قبل دقائق. التقطتُ السماعة بيدي المرتجفة، لكنني لم أنطق بكلمة. ساد صمتٌ طويل، لم يقطعه إلا صوت أنفاسي المتسارعة. ثم جاء صوتٌ نسائيٌّ هذه المرة، صوتٌ خافت، مألوف.. إنه صوت "خديجة".
Read more

الفصل الثاني عشر: صمتُ الرخام.. خلف أبوابِ البنك

كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، والمدينة من حولي تبدو وكأنها مدينة أشباح. وقفتُ في زاويةٍ مظلمة، أنفاسي تخرج في شكل سحاباتٍ بيضاء من البرد القارس. أمامي مباشرة، كان يرتفع مبنى البنك الوطني القديم. هندسته كانت توحي بالقوة والجمود؛ أعمدة رخامية ضخمة، أبواب نحاسية عتيقة، ونوافذ صغيرة مرتفعة لا تسمح للضوء—أو للعين المتطفلة—بالدخول.لم يكن البنك مجرد مكانٍ لحفظ المال، بل كان بالنسبة لي الآن هو "الملاذ الأخير". في جيبي، كانت ترقد القطعة المعدنية، تلك القطعة التي لا تزال برودتها تخترق قماش معطفي لتلامس جلدي. لم أكن أعلم حتى الآن ما إذا كانت ستعمل، أم أنني سأجد نفسي أمام بابٍ مغلق، أواجه خيبة أملٍ قد تكون هي القشة التي ستقصم ظهري.مشيتُ بخطواتٍ وئيدة، محاولةً أن أتجنب بقع الضوء الصادرة عن مصابيح الشوارع. كانت يدي ترتجف داخل جيبي، ليس من البرد، بل من هول الموقف. "هل سأخرج من هنا بالحقيقة؟ أم أنني سأعلق في دهاليز هذا المكان إلى الأبد؟" سألتُ نفسي، بينما كنتُ أراقب الحارس الذي كان يمر من أمام المدخل الرئيسي كل عشر دقائق.قررتُ ألا أقترب من المدخل الرئيسي؛ المخاطرة هناك كانت جنونية. اتجهتُ نحو
Read more

الفصل الثالث عشر: أوراقُ الخيانة.. وما خلف الستار

تنفستُ بعمق، ويدي التي ترتجف استقرت أخيراً على مقبض الخزانة المعدني. كان برودة الفولاذ تتسرب إلى عظامي، مذكرتني بأنني لم أعد تلك الفتاة التي تقضي أيامها في روتينٍ رتيب بين خيوط الأثواب وإبر الخياطة. الليلة، كنتُ في قلب "المحظور".أطبقتُ أصابعي بقوة على المقبض، وبدأتُ أدفعه. في البداية، بدا وكأنه ملتحمٌ بالباب، لكن مع ضغطي المستمر ودفعةٍ أخيرة من الأدرينالين الذي يجري في عروقي، سمعتُ صرير التروس المعدنية المصدئة وهي تتحرك داخل الجدار. كان صوتاً خشناً، وكأن البنك نفسه يئن تحت ثقل الأسرار التي يحتفظ بها. تحرك الباب ببطءٍ مهيب، كاشفاً عن شقٍ ضيقٍ من الظلام، سرعان ما اتسع ليسمح بمرور وميض ضوء هاتفي الخريف.دخل الضوء إلى الخزانة، كاشفاً عن محتواها. لم تكن كومة من الذهب أو رزم الأموال كما كنت أتخيل، بل كان منظراً أكثر رعباً وأهمية. كان هناك صندوقٌ خشبيٌ صغير مكسو بالجلد المتهالك، وفوقه صفٌ من الملفات الورقية المربوطة بخيوطٍ كتانية قديمة، تحمل أختاماً شمعية بدت وكأنها من عصرٍ آخر.اقتربتُ بضع خطوات، وكان قلبي يقرع في صدري كطبلٍ جنائزي. مددتُ يدي المرتجفة لألمس حافة الصندوق، وفجأة، ساد صمتٌ مط
Read more

الفصل الرابع عشر: صدى الأشباح

خرجتُ من ذلك المبنى الفولاذي كمن يخرج من جوفِ وحشٍ كاد يبتلعه. كان الليل يلف المدينة ببرودةٍ قارسة، والملفات التي سحبتُها من الخزانة كانت تضغط على ظهري كأنها كتلة من الرصاص. ركضتُ عبر أزقةٍ ضيقة، مبتعدةً عن الأضواء الكاشفة. لم أكن أجرؤ على التوقف؛ كنتُ أشعر بعيونٍ تترصدني من كل زاوية، وأصواتِ أقدامٍ وهمية تلاحقني في صمت الليل.وصلتُ إلى مبنى سكني مهجور في أطراف الحي الصناعي، كان ملجأً أعرفه من قصص والدي الغامضة. صعدتُ الدرجات الخشبية التي كانت تئن تحت قدمي، ودخلتُ إلى غرفةٍ صغيرة تعبق برائحة الغبار والنسيان. أغلقتُ الباب بإحكام، وأسندتُ ظهري إليه، وأخيراً.. سمحتُ لنفسي أن أتنفس.بدأتُ أفتح الحقيبة بيدي المرتجفتين. أخرجتُ الملفات المربوطة بخيوط كتانية قديمة، ووضعتها على الأرض. كانت تحتوي على خرائط لمواقع لم أكن أعرف بوجودها، وأسماءً لشركاتٍ وهمية تتداخل في شبكةٍ معقدة من التلاعب. وبينما كنتُ أقلب الصفحات، وقعت عيني على شيءٍ جعل دمي يتجمد في عروقي: كانت هناك صورٌ لورشة الخياطة التي كنت أعمل بها، مُلتقطةً من زوايا دقيقة، مع ملاحظاتٍ مكتوبة بخط يدٍ مألوف.. خط يد والدي."ليلى، إذا وصلتِ إل
Read more

الفصل الخامس عشر: في قبضة الغرباء

المرتجفة، عيناي مثبتتان على الباب. الظلال في الممر بدأت تتحرك، وتوقف شخصٌ ما أمام الفتحة الخشبية."ليلى.. أعلم أنكِ في الداخل."تراجعتُ إلى الوراء، قلبي يقرع في صدري. "من أنت؟ كيف عرفت اسمي؟""لا وقت للأسئلة،" أجاب الصوت، وهذه المرة بدا أكثر إلحاحاً. "كنتُ صديقاً قديماً لوالدك. لقد مررتُ بظروف جعلتني أبتعد، لكنني كنت أراقب الأحداث من بعيد. أعرف السر الذي تخفيه هذه الغرفة، وأعرف أيضاً أن كمال وأتباعه قد حاصروا المبنى بالكامل. إذا كنتِ تريدين النجاة ومعرفة الحقيقة التي كان يخفيها عنكِ والدكِ، فعليكِ أن تخرجي معي فوراً."ساد صمتٌ قصير. هل أصدقه؟ فكرة "صديق قديم" كانت منطقية أكثر من أي شيء آخر. فتحتُ الباب ببطء، لأجد رجلاً بملابس عادية، ملامحه توحي بالوقار، لكن عينيه كانتا حذرتين، تفحصان المكان بسرعة."أين الدليل على صدق كلامك؟" سألتُ، وأنا أحاول أن أبدو ثابتة.أخرج من جيبه ساعة جيب قديمة، كانت تعود لوالدي، ساعةٌ كنت أظن أنها فُقدت يوم اختفائه. "لقد أعطاني إياها في ليلته الأخيرة، وقال لي: إذا جاء اليوم الذي تبحث فيه ابنتي عن الحقيقة، فكن أنت دليلك."كان هذا هو الخيط الوحيد. ركبتُ معه في س
Read more

الفصل السادس عشر: في ضيافة الغموض.. حيث يُقدَّم الشاي بارداً

دَفعتُ الباب الخشبي الثقيل بكل قوتي، كان الباب يبدو وكأنه بوابة لعصرٍ آخر، بصلابته ونقوشه التي تحكي قصصاً من زمنٍ غابر. كانت يدي تقبض على مقبض السكين بتمسكٍ ينم عن ذعرٍ دفين، فقد كنت أتهيأ لاقتحام مخبأ عصابة، أو ربما مواجهة رجال "كمال" المدججين بالسلاح الذين طاردوني في أزقة المدينة الضيقة. خفقات قلبي كانت كقرع الطبول في قاعةٍ فارغة، وأنفاسي تتسارع لتملأ صدري بالهواء المشوب برائحة الغبار والغموض.ولكن، حين انفتح الباب على مصراعيه، تجمدتُ في مكاني، وشعرتُ بأن العالم من حولي قد أصابه خللٌ مفاجئ. لم تكن هناك أسلحة، ولا رجال ملثمون، ولا حتى ظلامٌ دامس يوحي بالخطر. كنتُ أقف في قاعةٍ واسعةٍ فخمة، تملؤها أثاثاتٌ من خشب الأبنوس الداكن الذي يعكس ضوء الثريات الكريستالية المعلقة في السقف العالي. كان المشهد أمام عيني سريالياً بامتياز؛ في صدر القاعة، كانت هناك طاولةٌ منقوشة، وعليها طقم شاي من الفضة الخالصة يلمع ببريقٍ يخطف الأبصار، وتتصاعد منه أبخرةٌ زكية توحي بالرفاهية المطلقة، لا بساحة معركة.الجدة "زهرة"، تلك المرأة التي قضيتُ سنواتي أسمعُ عنها كشبحٍ يطارد ذاكرة والدي، كانت تجلس على أريكةٍ جلدية
Read more

الفصل السابع عشر: خلف جدار الصمت.. وعبء الأمانة

كان صوتُ طنين الهاتف القديم المعلق على الجدار لا يزال يتردد في أذنيّ، كأنه جرسُ إنذارٍ أبدي لا يهدأ، يذكرني بأن الزمن الذي كنتُ أقضيه في التردد قد ولى. نظرتُ إلى أمي، التي كانت لا تزال تمسك بإبريق الشاي بكل ثبات، وكأنَّ خبر اقتراب رجال "كمال" ليس سوى إشعارٍ بتغيير في جدول مواعيدها اليومي. ساد صمتٌ طويل ومريب في القاعة الفخمة، لم يقطعه سوى حركة الجدة "زهرة" التي كانت تتنقل بين الخزائن الخشبية، تستخرج أوراقاً وخرائط ووثائق مصفرة من درجٍ سريٍّ خلف الأريكة الجلدية، بحركاتٍ سريعة، دقيقة، وواثقة كأنها جراحةٌ في غرفة عمليات."هل أنتِ جادة؟" سألتُ، وصوتي بالكاد مسموع، يحمل في طياته ارتجافاً لم أستطع كبحه. "لقد وصلوا إلى أطراف الأرض، كما قلتِ، ونحن هنا نناقش قواعد اللعبة؟ هل تظنين حقاً أنني ما زلت تلك الفتاة التي تخدم الزبائن في المقهى، التي تنظف الطاولات، وتنتظر انتهاء دوامها لتعود لبيتها البسيط في نهاية النهار؟"التفتت أمي إليّ، ووضعت الكأس برفق على الطاولة، محدثةً صوتاً خفيفاً جداً، لكنه بدا في أذني كأنه صوت ارتطام صاعقة. كانت نظراتها تحمل حناناً ممزوجاً بحزمٍ غريب لم أعهده فيها من قبل. "ال
Read more

الفصل الثامن عشر: رهانٌ في الظلام.. وما وراء الصمت

كانت عقارب الساعة في قاعة الاستقبال الكبرى تدق بصوتٍ مسموع، إيقاعٌ رتيبٌ يخرقُ صمتَ المكان، وكأن كل دقةٍ منها تزيد من ثقل الأجواء المشحونة بالترقب. الهاتف القديم كان يستقر على الطاولة الخشبية المصقولة كقنبلةٍ موقوتة، يترقب انفجاراً لا مفر منه. نظرتُ إلى الجدة زهرة التي كانت تجلس بوقارٍ على أريكتها، تعدُّ خيوطاً ملونة في حقيبتها الجلدية، حركاتها مدروسة وهادئة لدرجةٍ مرعبة، وكأنها لا تستعد لمواجهة أخطر رجال المدينة، بل تستعد لتطريز وشاحٍ شتوي. أما أمي، فقد كانت تقف عند النافذة الكبيرة، تراقب الغابة المحيطة بالقصر، جسدها مشدودٌ كوترِ قوس، وعيناها تمسحان الأفق بتركيزٍ شديد، تلاحقان كل حركةٍ خفيفةٍ في الأشجار المترامية."كمال سيتصل الآن،" قالت الجدة زهرة دون أن ترفع رأسها عن عملها، وكان صوتها هادئاً كهدوء ما قبل العاصفة. "تذكري يا ليلى، هو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن 'نقطة ضعف' ليتكئ عليها. هو رجلٌ يقتات على ثغرات الآخرين. إذا شعر أنكِ تملكين القوة، سيحاول ترهيبك ليرى هل ستنكسرين. إذا شعر أنكِ خائفة، سيستغلكِ كدميةٍ في يده. لذا، كوني.. لا شيء. كوني مجرد فتاةٍ عادية، فتاةٍ ملت من هذا الم
Read more

الفصل التاسع عشر: إبر الغضب وخيوط الصدمة

تحت شمس الظهيرة الحارقة، كانت ساحة الخردة تبدو كجحيمٍ من المعادن الصدئة. كانت هذه الساحة مكاناً منسياً من الزمن، حيث تتراكم هياكل السيارات المحطمة، وأكوام الحديد الملتوي، وقطع الغيار التي فقدت وظيفتها منذ عقود. الغبار الرمادي يغطي كل شيء بطبقةٍ سميكة، ورائحة الزيت المحروق تختلط بهواءٍ ساكن يثقل الصدر ويجعل الأنفاس تبدو متعبة. كانت الشمس تضرب المعادن فتجعلها تتوهج بحرارةٍ لا تُطاق، وتخلق انعكاساتٍ ضوئية حادة تؤلم العين، كأن المكان نفسه يرفض وجودنا فيه. وقفتُ هناك، في قلب هذا الخراب، أمام "كمال". ذلك الرجل الذي لطالما سمعتُ عن سطوته، وعن الأسرار التي يحملها، والآن أقفُ في مواجهته وجهاً لوجه، لا كفتاة مقهى تبحث عن لقمة العيش، بل كشخصٍ يمتلك خيطاً قد يمزق غطاءه بالكامل. كان يمسح العرق عن جبينه ببدلته الفاخرة التي بدت في غير محلها تماماً وسط هذا التلوث، وعيناه تلمعان بطمعٍ يجعلُ المكان يبدو أكثر قذارة في نظري. "أحسنتِ،" قال كمال بنبرةٍ جافة، صوته يتقطع بفعل الحرارة والغضب المكتوم. كانت يده ترتجف قليلاً، ربما من التوتر، وربما من الحرارة التي تجعل الهواء يرتجفُ من حولنا. "لقد وفرتِ على نفس
Read more
PREV
12
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status