Home / الرومانسية / خارج نطاق البرستيج / الفصل الحادي عشر: ليلة الخوف.. والرسالة المسمومة

Share

الفصل الحادي عشر: ليلة الخوف.. والرسالة المسمومة

Author: هاري
last update publish date: 2026-06-01 20:00:00

لم يكد صدى صوت ذلك الرجل الغريب في الهاتف يخبو، حتى وجدتُ نفسي حبيسة غرفتي، والهاتف لا يزال في يدي يرتجف. ذلك الصوت لم يكن مجرد تهديد، كان "وعداً" بملاحقةٍ لا تنتهي. وضعتُ الهاتف على الطاولة بقوة، وشعرتُ بأن جدران الغرفة تضيق عليّ. كيف عرفوا رقمي؟ وكيف وصلوا إليّ بهذه السرعة؟

لم أكن أملك ترف الوقت للانهيار. سارعتُ إلى فتح درج مكتبي، وأخرجتُ الدفتر الصغير الخاص بوالدي، وبدأتُ أبحث فيه بجنون. كانت صفحاته تعج بأرقامٍ لم أكن أفهم دلالتها، لكن في الصفحة الأخيرة، وجدتُ ملاحظةً مكتوبة بخطٍ يده المرتجف: "إذا رنّ الهاتف في ليلتكِ المظلمة، فاعلمي أن العيون قد رصدت خطواتك.. لا تعودي للورشة إلا إذا كنتِ مستعدةً لتقديمِ ثمن الحقيقة."

تجمدتُ في مكاني. والدي كان يتوقع هذا؟ هل كان يخطط لكل هذا منذ البداية؟

بينما كنتُ غارقةً في أفكاري، رنّ الهاتف مرة أخرى. كان رقماً مجهولاً، تماماً كما حدث قبل دقائق. التقطتُ السماعة بيدي المرتجفة، لكنني لم أنطق بكلمة. ساد صمتٌ طويل، لم يقطعه إلا صوت أنفاسي المتسارعة. ثم جاء صوتٌ نسائيٌّ هذه المرة، صوتٌ خافت، مألوف.. إنه صوت "خديجة".

"ليلى،" همست خديجة، وكان صوتها مشحوناً برعبٍ مكتوم. "لا تخرجي من غرفتكِ. لا تذهبي للورشة غداً. هناك رجالٌ يبحثون عنكِ، وليس لديهم وقتٌ للانتظار."

"خديجة؟ كيف..؟" حاولتُ الكلام، لكنها قاطعتني بحدة.

"لا تسألي كيف. فقط اسمعي: القطعة التي تملكينها هي التي وضعتكِ في دائرة الضوء. ابحثي عن "الرجل ذو القبعة" في المقهى القديم خلف السوق، هو الوحيد الذي يمكنه مساعدتكِ. ولا تثقي بـ "منصور".. إنه يبيع أسراركِ مقابل حفنةٍ من المال."

وانقطع الخط.

لم أنم تلك الليلة. قضيتها جالسةً على سريري، أحصي الثواني وأرقب الظلال التي تتحرك خلف النافذة. كانت كل سيارة تمر بالشارع تبدو وكأنها تتوقف أمامي. في الصباح الباكر، ومع أول خيوط الشمس، اتخذتُ قراراً صعباً. لن أذهب للورشة، سأذهب للمقهى القديم كما قالت خديجة.

ارتديتُ معطفي، ووضعتُ القطعة المعدنية في جيبٍ مخفي، وخرجتُ متسللةً من الممر الخلفي. الشارع كان لا يزال هادئاً، لكنني كنتُ أشعر بأن العيون تلاحقني من خلف الستائر المغلقة. وصلتُ إلى المقهى القديم، كان مكاناً كئيباً تفوح منه رائحة القهوة المحروقة والتبغ الرخيص. جلستُ في الزاوية، أراقب الداخلين والخارجين، بانتظار "الرجل ذو القبعة".

مرت ساعة، ثم ساعتان. بدأتُ أشعر باليأس. هل كانت خديجة تخدعني؟ هل كان كل هذا فخاً؟ وفجأة، دخل رجلٌ يرتدي قبعةً قديمة، ملامحه كانت محفورةً بمرارة الأيام. اتجه مباشرةً نحو طاولتي، وجلس دون أن يستأذن.

"لقد تأخرتِ يا ابنة الرجل الوسيط،" قال ببرود وهو يضع فنجان قهوته. "والدكِ دفع ثمناً غالياً لحماية سرٍّ لم يحمِ أحداً. هل أنتِ مستعدةٌ لتكملة اللعبة؟"

لم أتردد، وضعتُ القطعة المعدنية على الطاولة. "أريد الحقيقة. الآن."

نظر الرجل إلى القطعة، ثم إلى عينيّ، وابتسم ابتسامةً لم تحمل أي ود. "الحقيقة يا ليلى هي أنكِ الآن أهم قطعة في رقعة شطرنجٍ لا ترحم. والمباراة قد بدأت للتو."

سحب الرجل القطعة المعدنية ببطء، ووضعها في جيب معطفه الداخلي بحركةٍ باردة ومحسوبة. شعرتُ ببرودةٍ سرت في أطرافي؛ لقد كان ذلك يعني أنني تخليت عن درعي الوحيد، وبقيتُ عارية أمام حقيقةٍ لا أعرف عنها سوى الشظايا.

تجمدت أنفاسي عند سماع هذا الاسم. كمال.. الاسم الذي كان يتردد في كواليس أعمال والدي، الشخص الذي كان والدي يصفه دائماً بأنه "ظلُّ الشيطان".

"كمال.." همست، وصوتي يخرج من حنجرتي كأنه حفيف ورق جاف. "والدي كان يخشاه أكثر من أي شيء.

"كان يخشاه لأنه كان يعرف أن كمال لا يبحث عن المال، بل يبحث عن "السيادة"،" تابع الرجل وهو يشعل سيجارةً تركت دخانها يلتف حول وجهه كأنه غبارٌ من الماضي. "هذه القطعة هي المفتاح لفتح خزانةٍ في بنكٍ قديم بوسط المدينة، خزانةٌ لا تحتوي على ذهب، بل على أسماء، صفقات، وتواريخ.. أسماء رجالٍ لا يزالون يتربعون على كراسي السلطة اليوم. والدكِ كان يخطط لاستخدامها كورقة ضغط، لكنه مات قبل أن يلعب دوره في المسرحية."

أحسستُ بأن الغرفة تدور بي. لم أكن ابنة رجل أعمال عادي، كنتُ ابنة رجلٍ كان يمسك بخيوطِ عالمٍ مظلم، وأنا الآن أصبحتُ الهدف التالي.

"لماذا تخبرني بهذا الآن؟" سألتُ بجرأة، محاولةً استعادة توازني النفسي. "ومن أنت؟"

ضحك الرجل ضحكةً مريرة، وبدت تجاعيد وجهه وكأنها خريطةٌ لطرقٍ طويلة لم تؤدِّ إلى أي مكان. "أنا مجرد خادمٍ سابقٍ لوالدك، رجلٌ قرر أن الوفاء في هذا الزمن هو الانتحار ذاته. ولكن، بما أنكِ جئتِ إلى هنا، فهذا يعني أن خديجة قد أخطرتكِ بضرورة الهروب. استمعي لي جيداً يا ليلى: كمال يعلم أنكِ تملكين القطعة. لقد تم اختراق الورشة، والرجال الذين رأيتهم هناك ليسوا سوى البداية. خديجة ليست في أمان، وأنتِ.. أنتِ لم تعودي تملكين رفاهية البقاء في الظل."

في تلك اللحظة، رنَّ جرس المقهى معلناً دخول شخصٍ ما. التفتُّ بسرعة، ورأيتُ الرجلين اللذين كانا يلاحقانني في الورشة يدخلان المقهى. كانا يمسحان المكان بنظراتٍ حادة، تتوقف عند كل طاولة، ثم بدأت عيونهما تقترب من مكاننا.

انتفض الرجل الذي أمامي، وأمسك بيدي بقوة: "لا تنظري للخلف. خلف طاولة المطبخ، يوجد بابٌ خلفي يؤدي إلى مستودع البضائع. اذهبي فوراً. لا تتوقفي، لا تلتفتي، ولا تحاولي الاتصال بأي شخصٍ تعرفينه، فكل الاتصالات الآن مراقبة."

"وماذا عنك؟" سألتُ بلهفة، فجأة شعرتُ بأن هذا الرجل هو الرابط الأخير بوالدي.

"سأشغلهم،" قال وهو يخرج مسدساً صغيراً من تحت معطفه ويضعه بعيداً عن الأنظار تحت الطاولة. "أسرعي! حياتكِ هي الورقة الوحيدة المتبقية في هذه اللعبة، لا تجعلي كمال يربح الجولة الأخيرة."

نهضتُ بسرعة، وركضتُ نحو الباب الخلفي. كانت دقات قلبي تتصاعد، وشعرتُ وكأنني أركض عبر حقلِ ألغام. خلفي، سمعتُ صوت قلب الطاولة وصرخات الفوضى في المقهى. لم ألتفت، تماماً كما طلب مني، لكنني كنتُ أعلم أن هذا الرجل قد يكون ضحى بنفسه من أجلي.

خرجتُ إلى الشارع، وجدتُ نفسي في زقاقٍ خلفي ضيق. الهواء كان خانقاً، والليل قد هبط بكل ثقله. الآن، لم يعد لدي خيار؛ لقد أصبحتُ مطاردةً رسمياً، واللعبة التي لم أفهم قواعدها بعد، بدأت تلتهم حياتي قطعةً قطعة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل التاسع عشر: إبر الغضب وخيوط الصدمة

    تحت شمس الظهيرة الحارقة، كانت ساحة الخردة تبدو كجحيمٍ من المعادن الصدئة. كانت هذه الساحة مكاناً منسياً من الزمن، حيث تتراكم هياكل السيارات المحطمة، وأكوام الحديد الملتوي، وقطع الغيار التي فقدت وظيفتها منذ عقود. الغبار الرمادي يغطي كل شيء بطبقةٍ سميكة، ورائحة الزيت المحروق تختلط بهواءٍ ساكن يثقل الصدر ويجعل الأنفاس تبدو متعبة. كانت الشمس تضرب المعادن فتجعلها تتوهج بحرارةٍ لا تُطاق، وتخلق انعكاساتٍ ضوئية حادة تؤلم العين، كأن المكان نفسه يرفض وجودنا فيه. وقفتُ هناك، في قلب هذا الخراب، أمام "كمال". ذلك الرجل الذي لطالما سمعتُ عن سطوته، وعن الأسرار التي يحملها، والآن أقفُ في مواجهته وجهاً لوجه، لا كفتاة مقهى تبحث عن لقمة العيش، بل كشخصٍ يمتلك خيطاً قد يمزق غطاءه بالكامل. كان يمسح العرق عن جبينه ببدلته الفاخرة التي بدت في غير محلها تماماً وسط هذا التلوث، وعيناه تلمعان بطمعٍ يجعلُ المكان يبدو أكثر قذارة في نظري. "أحسنتِ،" قال كمال بنبرةٍ جافة، صوته يتقطع بفعل الحرارة والغضب المكتوم. كانت يده ترتجف قليلاً، ربما من التوتر، وربما من الحرارة التي تجعل الهواء يرتجفُ من حولنا. "لقد وفرتِ على نفس

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الثامن عشر: رهانٌ في الظلام.. وما وراء الصمت

    كانت عقارب الساعة في قاعة الاستقبال الكبرى تدق بصوتٍ مسموع، إيقاعٌ رتيبٌ يخرقُ صمتَ المكان، وكأن كل دقةٍ منها تزيد من ثقل الأجواء المشحونة بالترقب. الهاتف القديم كان يستقر على الطاولة الخشبية المصقولة كقنبلةٍ موقوتة، يترقب انفجاراً لا مفر منه. نظرتُ إلى الجدة زهرة التي كانت تجلس بوقارٍ على أريكتها، تعدُّ خيوطاً ملونة في حقيبتها الجلدية، حركاتها مدروسة وهادئة لدرجةٍ مرعبة، وكأنها لا تستعد لمواجهة أخطر رجال المدينة، بل تستعد لتطريز وشاحٍ شتوي. أما أمي، فقد كانت تقف عند النافذة الكبيرة، تراقب الغابة المحيطة بالقصر، جسدها مشدودٌ كوترِ قوس، وعيناها تمسحان الأفق بتركيزٍ شديد، تلاحقان كل حركةٍ خفيفةٍ في الأشجار المترامية."كمال سيتصل الآن،" قالت الجدة زهرة دون أن ترفع رأسها عن عملها، وكان صوتها هادئاً كهدوء ما قبل العاصفة. "تذكري يا ليلى، هو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن 'نقطة ضعف' ليتكئ عليها. هو رجلٌ يقتات على ثغرات الآخرين. إذا شعر أنكِ تملكين القوة، سيحاول ترهيبك ليرى هل ستنكسرين. إذا شعر أنكِ خائفة، سيستغلكِ كدميةٍ في يده. لذا، كوني.. لا شيء. كوني مجرد فتاةٍ عادية، فتاةٍ ملت من هذا الم

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل السابع عشر: خلف جدار الصمت.. وعبء الأمانة

    كان صوتُ طنين الهاتف القديم المعلق على الجدار لا يزال يتردد في أذنيّ، كأنه جرسُ إنذارٍ أبدي لا يهدأ، يذكرني بأن الزمن الذي كنتُ أقضيه في التردد قد ولى. نظرتُ إلى أمي، التي كانت لا تزال تمسك بإبريق الشاي بكل ثبات، وكأنَّ خبر اقتراب رجال "كمال" ليس سوى إشعارٍ بتغيير في جدول مواعيدها اليومي. ساد صمتٌ طويل ومريب في القاعة الفخمة، لم يقطعه سوى حركة الجدة "زهرة" التي كانت تتنقل بين الخزائن الخشبية، تستخرج أوراقاً وخرائط ووثائق مصفرة من درجٍ سريٍّ خلف الأريكة الجلدية، بحركاتٍ سريعة، دقيقة، وواثقة كأنها جراحةٌ في غرفة عمليات."هل أنتِ جادة؟" سألتُ، وصوتي بالكاد مسموع، يحمل في طياته ارتجافاً لم أستطع كبحه. "لقد وصلوا إلى أطراف الأرض، كما قلتِ، ونحن هنا نناقش قواعد اللعبة؟ هل تظنين حقاً أنني ما زلت تلك الفتاة التي تخدم الزبائن في المقهى، التي تنظف الطاولات، وتنتظر انتهاء دوامها لتعود لبيتها البسيط في نهاية النهار؟"التفتت أمي إليّ، ووضعت الكأس برفق على الطاولة، محدثةً صوتاً خفيفاً جداً، لكنه بدا في أذني كأنه صوت ارتطام صاعقة. كانت نظراتها تحمل حناناً ممزوجاً بحزمٍ غريب لم أعهده فيها من قبل. "ال

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل السادس عشر: في ضيافة الغموض.. حيث يُقدَّم الشاي بارداً

    دَفعتُ الباب الخشبي الثقيل بكل قوتي، كان الباب يبدو وكأنه بوابة لعصرٍ آخر، بصلابته ونقوشه التي تحكي قصصاً من زمنٍ غابر. كانت يدي تقبض على مقبض السكين بتمسكٍ ينم عن ذعرٍ دفين، فقد كنت أتهيأ لاقتحام مخبأ عصابة، أو ربما مواجهة رجال "كمال" المدججين بالسلاح الذين طاردوني في أزقة المدينة الضيقة. خفقات قلبي كانت كقرع الطبول في قاعةٍ فارغة، وأنفاسي تتسارع لتملأ صدري بالهواء المشوب برائحة الغبار والغموض.ولكن، حين انفتح الباب على مصراعيه، تجمدتُ في مكاني، وشعرتُ بأن العالم من حولي قد أصابه خللٌ مفاجئ. لم تكن هناك أسلحة، ولا رجال ملثمون، ولا حتى ظلامٌ دامس يوحي بالخطر. كنتُ أقف في قاعةٍ واسعةٍ فخمة، تملؤها أثاثاتٌ من خشب الأبنوس الداكن الذي يعكس ضوء الثريات الكريستالية المعلقة في السقف العالي. كان المشهد أمام عيني سريالياً بامتياز؛ في صدر القاعة، كانت هناك طاولةٌ منقوشة، وعليها طقم شاي من الفضة الخالصة يلمع ببريقٍ يخطف الأبصار، وتتصاعد منه أبخرةٌ زكية توحي بالرفاهية المطلقة، لا بساحة معركة.الجدة "زهرة"، تلك المرأة التي قضيتُ سنواتي أسمعُ عنها كشبحٍ يطارد ذاكرة والدي، كانت تجلس على أريكةٍ جلدية

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الخامس عشر: في قبضة الغرباء

    المرتجفة، عيناي مثبتتان على الباب. الظلال في الممر بدأت تتحرك، وتوقف شخصٌ ما أمام الفتحة الخشبية."ليلى.. أعلم أنكِ في الداخل."تراجعتُ إلى الوراء، قلبي يقرع في صدري. "من أنت؟ كيف عرفت اسمي؟""لا وقت للأسئلة،" أجاب الصوت، وهذه المرة بدا أكثر إلحاحاً. "كنتُ صديقاً قديماً لوالدك. لقد مررتُ بظروف جعلتني أبتعد، لكنني كنت أراقب الأحداث من بعيد. أعرف السر الذي تخفيه هذه الغرفة، وأعرف أيضاً أن كمال وأتباعه قد حاصروا المبنى بالكامل. إذا كنتِ تريدين النجاة ومعرفة الحقيقة التي كان يخفيها عنكِ والدكِ، فعليكِ أن تخرجي معي فوراً."ساد صمتٌ قصير. هل أصدقه؟ فكرة "صديق قديم" كانت منطقية أكثر من أي شيء آخر. فتحتُ الباب ببطء، لأجد رجلاً بملابس عادية، ملامحه توحي بالوقار، لكن عينيه كانتا حذرتين، تفحصان المكان بسرعة."أين الدليل على صدق كلامك؟" سألتُ، وأنا أحاول أن أبدو ثابتة.أخرج من جيبه ساعة جيب قديمة، كانت تعود لوالدي، ساعةٌ كنت أظن أنها فُقدت يوم اختفائه. "لقد أعطاني إياها في ليلته الأخيرة، وقال لي: إذا جاء اليوم الذي تبحث فيه ابنتي عن الحقيقة، فكن أنت دليلك."كان هذا هو الخيط الوحيد. ركبتُ معه في س

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الرابع عشر: صدى الأشباح

    خرجتُ من ذلك المبنى الفولاذي كمن يخرج من جوفِ وحشٍ كاد يبتلعه. كان الليل يلف المدينة ببرودةٍ قارسة، والملفات التي سحبتُها من الخزانة كانت تضغط على ظهري كأنها كتلة من الرصاص. ركضتُ عبر أزقةٍ ضيقة، مبتعدةً عن الأضواء الكاشفة. لم أكن أجرؤ على التوقف؛ كنتُ أشعر بعيونٍ تترصدني من كل زاوية، وأصواتِ أقدامٍ وهمية تلاحقني في صمت الليل.وصلتُ إلى مبنى سكني مهجور في أطراف الحي الصناعي، كان ملجأً أعرفه من قصص والدي الغامضة. صعدتُ الدرجات الخشبية التي كانت تئن تحت قدمي، ودخلتُ إلى غرفةٍ صغيرة تعبق برائحة الغبار والنسيان. أغلقتُ الباب بإحكام، وأسندتُ ظهري إليه، وأخيراً.. سمحتُ لنفسي أن أتنفس.بدأتُ أفتح الحقيبة بيدي المرتجفتين. أخرجتُ الملفات المربوطة بخيوط كتانية قديمة، ووضعتها على الأرض. كانت تحتوي على خرائط لمواقع لم أكن أعرف بوجودها، وأسماءً لشركاتٍ وهمية تتداخل في شبكةٍ معقدة من التلاعب. وبينما كنتُ أقلب الصفحات، وقعت عيني على شيءٍ جعل دمي يتجمد في عروقي: كانت هناك صورٌ لورشة الخياطة التي كنت أعمل بها، مُلتقطةً من زوايا دقيقة، مع ملاحظاتٍ مكتوبة بخط يدٍ مألوف.. خط يد والدي."ليلى، إذا وصلتِ إل

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الرابع: بين بدلته الفاخرة ورائحة القهوة

    لم يرحل "آدم" بعد تلك المواجهة العاصفة التي مزقت فيها "ليلى" عرض الاستحواذ على المقهى؛ بل على العكس، تحول المقهى بالنسبة له إلى ساحة معركة من نوعٍ آخر. بدأ يتردد عليه يومياً، لا ليطالب بالإخلاء أو ليضغط بالقانون، بل ليراقب "ليلى" وهي تدير حياتها بكل عفوية وتلقائية. في البداية، كان زبائن المقهى المع

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الثالث: العرض الذي لا يُرفض

    كانت ليلة البارحة بالنسبة لليلى بمثابة اختبارٍ قاسٍ لصبرها وقوتها. في غرفتها الصغيرة، كانت تجلس قرب النافذة، تتأمل أضواء الحي الخافتة، وتراجع في ذهنها كل لحظةٍ قضتها في ذلك المقهى. لم يكن مجرد مقهى، بل كان كياناً حياً؛ الجدران كانت تحمل نقشاً خشبياً نحته والدها بيده، والطاولات كانت تشهد على

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الثاني: خلف قناع الغطرسة

    لم تكن "ليلى" تظن أن ذلك الرجل المتعجرف الذي اصطدمت به صباحاً سيعود ليعكر صفو يومها بهذه السرعة. بعد أن غادر المقهى في المرة الأولى، تنفست الصعداء، ظنت أنها تخلصت من هالة الكآبة التي فرضها بوجوده، وعادت لتكمل عملها كالمعتاد. ضحكت مع الزبائن، ساعدت عم إدريس في نقل بعض الصناديق، وانغمست في روت

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الأول: صدامٌ على الرصيف

    كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحاً، وهو الوقت الذي يتحول فيه حي "المدينة القديمة" إلى خلية نحل لا تهدأ. في زاوية الشارع، كانت "ليلى" تقف خارج مقهاها الصغير، تمسح بيديها بقعة طحين صغيرة على مئزرها العملي، وتضحك بصوتٍ عالٍ وعفوي مع عمي "إدريس"، بائع الخضار المجاور. كانت ضحكتها تشبه لحناً مبهج

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status