Beranda / الرومانسية / خارج نطاق البرستيج / الفصل التاسع عشر: إبر الغضب وخيوط الصدمة

Share

الفصل التاسع عشر: إبر الغضب وخيوط الصدمة

Penulis: هاري
last update Tanggal publikasi: 2026-06-13 20:11:35

تحت شمس الظهيرة الحارقة، كانت ساحة الخردة تبدو كجحيمٍ من المعادن الصدئة. كانت هذه الساحة مكاناً منسياً من الزمن، حيث تتراكم هياكل السيارات المحطمة، وأكوام الحديد الملتوي، وقطع الغيار التي فقدت وظيفتها منذ عقود. الغبار الرمادي يغطي كل شيء بطبقةٍ سميكة، ورائحة الزيت المحروق تختلط بهواءٍ ساكن يثقل الصدر ويجعل الأنفاس تبدو متعبة. كانت الشمس تضرب المعادن فتجعلها تتوهج بحرارةٍ لا تُطاق، وتخلق انعكاساتٍ ضوئية حادة تؤلم العين، كأن المكان نفسه يرفض وجودنا فيه.

وقفتُ هناك، في قلب هذا الخراب، أمام "كمال". ذلك الرجل الذي لطالما سمعتُ عن سطوته، وعن الأسرار التي يحملها، والآن أقفُ في مواجهته وجهاً لوجه، لا كفتاة مقهى تبحث عن لقمة العيش، بل كشخصٍ يمتلك خيطاً قد يمزق غطاءه بالكامل. كان يمسح العرق عن جبينه ببدلته الفاخرة التي بدت في غير محلها تماماً وسط هذا التلوث، وعيناه تلمعان بطمعٍ يجعلُ المكان يبدو أكثر قذارة في نظري.

"أحسنتِ،" قال كمال بنبرةٍ جافة، صوته يتقطع بفعل الحرارة والغضب المكتوم. كانت يده ترتجف قليلاً، ربما من التوتر، وربما من الحرارة التي تجعل الهواء يرتجفُ من حولنا. "لقد وفرتِ على نفسكِ وعلينا عناء الكثير من الألم. هاتي الحقيبة، ولا تحاولي اللعب معي، فقد نفد صبري، والحرارة لا تجعلني في مزاجٍ جيد للمفاوضات."

كان قلبي يقرع في صدري كطبلٍ حربي. يداي كانتا ترتجفان داخل معطفي، ليس خوفاً من كمال كشخص، بل رهبةً من المجهول الذي سأكشفه أمامه. هل سيعرف كمال أن الجدة زهرة هي من تدير الخيوط؟ هل ستكون هذه الحقيبة كافية لجعله يرتكب خطأه القاتل؟ مددتُ الحقيبة ببطء. كان كمال يراقبني بنظراتٍ مفترسة، وكأنه ينتظر لحظة ضعفي، أو ربما ينتظر أن أتردد لأقضي عليه في تلك اللحظة. أخذ الحقيبة من يدي بقوة، وخطا خطوةً للوراء، وكأنه يخشى أن أقترب منه أكثر.

بدأ في فتح السحاب المعدني بصوتٍ حادٍ ومزعج، شقَّ سكون المكان وكأنه صرخةٌ معدنية. تنفسَ الصعداء، ورمى بنظرةٍ سريعة على رجاله الذين كانوا يقفون في الخلف بملامحَ جافة، يمسحون وجوههم من العرق، منتظرين كلمة السر للانسحاب.

فتحَ الحقيبة على مصراعيها، وأدخل يده ليقبض على "الوثائق" التي طالما سعى وراءها.

ساد صمتٌ خانق. حتى الريح توقفت عن الهبوب.

لم تخرج ملفات. لم تخرج عقوداً. لم تخرج أدلةً تدين أحداً. بدلاً من ذلك، ظهرت للعيان تحت أشعة الشمس القاسية بكرات خيطٍ ملونة بألوانٍ فاقعة، إبرُ خياطةٍ فضية تلمعُ ببريقٍ ساخر، وشريط قياسٍ أصفر التفتَ حول أصابعه الغليظة.

تجمد كمال في مكانه. ظننتُ في البداية أنه سيضحك، لكن وجهه تحول إلى لونٍ باهتٍ غريب. نظرَ إلى الحقيبة، ثم إلى الإبرة العالقة في قطعة قماشٍ مطرزة بوردةٍ حمراء كانت الجدة قد وضعتها هناك عن قصد، ثم التفتَ إليّ ببطءٍ شديد. كانت عيناه، اللتان طالما رأيتهما باردتين، تضجان الآن بذهولٍ لا يصدقه عقل، وكأنني قمتُ بسحره.

"ما.. ما هذا؟" قال بصوتٍ مبحوح، خرج منه حفيفُ الغضبِ الممزوج بالارتباك. "ليلى.. هل هذا هو ما جئتِ به؟ هل تسخرين مني وسط هذا الخراب؟ هل تظنين أنني جئتُ إلى هنا لأرى أدوات خياطة؟ أين الملفات؟ أين الحقيقة التي ادعيتِ أنكِ تملكينها؟"

لم أكن أملك كلمات للرد في تلك اللحظة، كان ذهوله بحد ذاته هو الجواب. رمى ببكرة الخيط على الأرض المتربة، وكأنها قطعةُ جمرٍ لا يحتمل لمسها. كان الغبار يتصاعد من حوله، مغطياً حذاءه الفاخر، بينما كانت الإبر الفضية تسقط على الأرض المعدنية محدثةً رنيناً خافتاً، صوتاً بدا لي في تلك اللحظة كأنه إعلانُ انتهاءِ عهده.

في تلك اللحظة، كانت ملامحُ كمال تتغير من الغطرسة إلى حالةٍ من التخبط. بدأ رجاله يتبادلون نظراتٍ قلقة، ونظراتهم كانت تنتقل بين الحقيبة وبين وجه زعيمهم الذي بدا وكأنه فقد السيطرة على الموقف بالكامل. كان المشهد، وسط غبار الساحة وشمسها الحارقة، سريالياً لدرجةٍ مؤلمة؛ رجلٌ بهيبته وببدلته الغالية، يقفُ فوق أكوام الحديد الصدئ، حاملاً "عدة الخياطة" بدلاً من أسرارٍ تطيحُ بالرؤوس. كانت نظراته تائهة، وكأنه يبحث في أعماق الحقيبة عن شيءٍ مفقود، عن حقيقةٍ أكبر مما رآه.

"لقد سألتني إن كنتُ أخاف،" أضفتُ بصوتٍ صارمٍ وواثق، مستجمعةً كل ذرةِ شجاعةٍ في كياني، "أنت لا تخافُ الموت يا كمال، أنت تخافُ أن يكتشف الناس أنك فارغٌ من الداخل، تماماً مثل هذه الحقيبة التي فتحتها بلهفة. لقد أخذتَ الطُعم، وأريتَ رجالك أن زعيمهم العظيم يمكنُ أن يُهزم بإبرةٍ وخيط. هل هذا هو الرجل الذي يخشاه الجميع؟ الرجل الذي ينهار أمام كرات خيط؟"

ثارَ كمال، واحمرَّ وجهه لدرجةٍ جعلت عروق رقبته تبرز، وخطا نحوي خطوةً تهديدية، لكنني لم أتراجع. شعرتُ حينها أنني لم أعد ليلى الضعيفة، بل أصبحتُ جزءاً من شيءٍ أكبر، جزءاً من قوة الجدة زهرة التي بدأت تسيطر على المكان دون أن تتحرك. "أنتِ لا تعرفين مع من تعبثين! سأجعلكِ تندمين على كل خيطٍ لمستِه! سأحرق هذه الساحة ومن فيها!"

لكن صوتاً رزيناً وقوياً قاطعه، صوتٌ جعل الهواء يتجمد رغم حرارة الشمس.

"توقف يا كمال."

التفتنا جميعاً لنرى الجدة زهرة تقفُ عند مدخل الساحة، معطفها الأسود الطويل يمتصُّ حرارة الشمس، وفي يدها حقيبةٌ أخرى بدت أثقل وأكثر رسمية. لم تكن تبدو كجدةٍ تأتي لإنقاذ حفيدتها، بل كخصمٍ قديمٍ جاء ليغلق حساباً معلقاً. مشيتها كانت هادئة، مدروسة، كل خطوةٍ منها تضع ثقلاً على الأرض، وتضغط على أعصاب كمال الذي تجمد في مكانه.

مجرد أن وقعت عينا كمال عليها، شحِب وجهه بشكلٍ مخيف. تراجع خطوة إلى الوراء غريزياً، وكأن الأرض تحت قدميه أصبحت زلقة. لم تكن ليلى هي من تطارده، بل كانت "زهرة" التي يعرفها جيداً، والتي كانت السبب في كل الخوف الذي يسكنه منذ سنوات، منذ ذلك اليوم الذي ظن فيه أنه انتصر، ليجد أن زهرة لم تكن سوى تستعد لجولتها التالية.

كان الهواء في الساحة مشحوناً، كأن جزيئات الحديد والصدأ بدأت تتنافر مع وجود الجدة. "لقد لعبتِ دوركِ جيداً يا ليلى،" قالت الجدة دون أن تنظر إليّ، وعيناها مثبتتان على كمال الذي بدأ يتصبب عرقاً أكثر من ذي قبل. كانت كلماتها تحملُ ثقلاً تاريخياً، ثقلاً جعل الرجل الذي كان قبل ثانيةٍ يريدُ التهامي، يتراجعُ غريزياً إلى الخلف، وكأن ذكرياتِ هزائمَ قديمةٍ قد عادت لتطاردَه.

"والآن، لندع أصحاب الشأن ينهون ما بدأوه. كمال.. هل لا تزال تفضل أدوات الخياطة؟ أم أنك مستعد أخيراً لتعرف قيمة ما خسرته؟"

وقف كمال أمام الجدة زهرة، وكان الفارق في القوة النفسية شاسعاً. لم يعد الرجل الذي يملك السلاح، بل بدا كطفلٍ ضبطته معلمته في خطأٍ لا يُغتفر. كانت الحقيبة التي في يد الجدة تلمع تحت الشمس، حقيبةٌ لا تحتوي على خيوط، بل على ملفاتٍ ستهزُّ أركان المدينة، ملفاتٍ قضت الجدة زهرة سنواتٍ في تجميعها، تنتظرُ اللحظة التي سيقف فيها كمال أمامها، خاوياً من كل نفوذه، وعارياً أمام الحقيقة.

نظرتُ إلى كمال، فرأيتُ الخوف الحقيقي في عينيه. لم يكن خوفاً من السجن، أو من الموت، بل كان خوفاً من الفضيحة، من انكشاف ذلك "الخيط الضعيف" الذي بنى عليه حياته. في تلك اللحظة، أدركتُ أن هذه الساحة، بكل خردتها وصدئها، كانت المكان الوحيد الذي يمكن أن ينتهي فيه صراعه. والجدة زهرة، بوقارها وهدوئها، كانت هي الخياطة الماهرة التي ستنسجُ نهايته بخيوطٍ من حديد.

استدارت الجدة نحوي، وأومأت لي بعينيها، نظرةٌ تحملُ الكثير من المعاني؛ الفخر، التحذير، والأمل. "ليلى، اذهبي إلى السيارة. انتهى دوركِ هنا، والآن تبدأ الحسابات الحقيقية."

نظرتُ إلى كمال لآخر مرة، كان يرتجف، وكان رجاله لا يجرؤون على الحراك. مشيتُ نحو السيارة بخطواتٍ ثابتة، تاركةً خلفي بكرات الخيط المبعثرة، تاركةً خلفي "كمال" في مواجهة قدره الذي صنعته الجدة. وفي لحظة إغلاق باب السيارة، نظرتُ إلى المرآة، فرأيتُ الجدة تفتح الحقيبة، ورأيتُ تعابير وجه كمال تتغير من الخوف إلى اليأس المطلق. عرفتُ حينها أنني، ليلى ابنة المقهى، قد غيرتُ وجه العالم في تلك الساحة، وأن كل شيءٍ بدأ للتو.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل التاسع عشر: إبر الغضب وخيوط الصدمة

    تحت شمس الظهيرة الحارقة، كانت ساحة الخردة تبدو كجحيمٍ من المعادن الصدئة. كانت هذه الساحة مكاناً منسياً من الزمن، حيث تتراكم هياكل السيارات المحطمة، وأكوام الحديد الملتوي، وقطع الغيار التي فقدت وظيفتها منذ عقود. الغبار الرمادي يغطي كل شيء بطبقةٍ سميكة، ورائحة الزيت المحروق تختلط بهواءٍ ساكن يثقل الصدر ويجعل الأنفاس تبدو متعبة. كانت الشمس تضرب المعادن فتجعلها تتوهج بحرارةٍ لا تُطاق، وتخلق انعكاساتٍ ضوئية حادة تؤلم العين، كأن المكان نفسه يرفض وجودنا فيه. وقفتُ هناك، في قلب هذا الخراب، أمام "كمال". ذلك الرجل الذي لطالما سمعتُ عن سطوته، وعن الأسرار التي يحملها، والآن أقفُ في مواجهته وجهاً لوجه، لا كفتاة مقهى تبحث عن لقمة العيش، بل كشخصٍ يمتلك خيطاً قد يمزق غطاءه بالكامل. كان يمسح العرق عن جبينه ببدلته الفاخرة التي بدت في غير محلها تماماً وسط هذا التلوث، وعيناه تلمعان بطمعٍ يجعلُ المكان يبدو أكثر قذارة في نظري. "أحسنتِ،" قال كمال بنبرةٍ جافة، صوته يتقطع بفعل الحرارة والغضب المكتوم. كانت يده ترتجف قليلاً، ربما من التوتر، وربما من الحرارة التي تجعل الهواء يرتجفُ من حولنا. "لقد وفرتِ على نفس

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الثامن عشر: رهانٌ في الظلام.. وما وراء الصمت

    كانت عقارب الساعة في قاعة الاستقبال الكبرى تدق بصوتٍ مسموع، إيقاعٌ رتيبٌ يخرقُ صمتَ المكان، وكأن كل دقةٍ منها تزيد من ثقل الأجواء المشحونة بالترقب. الهاتف القديم كان يستقر على الطاولة الخشبية المصقولة كقنبلةٍ موقوتة، يترقب انفجاراً لا مفر منه. نظرتُ إلى الجدة زهرة التي كانت تجلس بوقارٍ على أريكتها، تعدُّ خيوطاً ملونة في حقيبتها الجلدية، حركاتها مدروسة وهادئة لدرجةٍ مرعبة، وكأنها لا تستعد لمواجهة أخطر رجال المدينة، بل تستعد لتطريز وشاحٍ شتوي. أما أمي، فقد كانت تقف عند النافذة الكبيرة، تراقب الغابة المحيطة بالقصر، جسدها مشدودٌ كوترِ قوس، وعيناها تمسحان الأفق بتركيزٍ شديد، تلاحقان كل حركةٍ خفيفةٍ في الأشجار المترامية."كمال سيتصل الآن،" قالت الجدة زهرة دون أن ترفع رأسها عن عملها، وكان صوتها هادئاً كهدوء ما قبل العاصفة. "تذكري يا ليلى، هو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن 'نقطة ضعف' ليتكئ عليها. هو رجلٌ يقتات على ثغرات الآخرين. إذا شعر أنكِ تملكين القوة، سيحاول ترهيبك ليرى هل ستنكسرين. إذا شعر أنكِ خائفة، سيستغلكِ كدميةٍ في يده. لذا، كوني.. لا شيء. كوني مجرد فتاةٍ عادية، فتاةٍ ملت من هذا الم

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل السابع عشر: خلف جدار الصمت.. وعبء الأمانة

    كان صوتُ طنين الهاتف القديم المعلق على الجدار لا يزال يتردد في أذنيّ، كأنه جرسُ إنذارٍ أبدي لا يهدأ، يذكرني بأن الزمن الذي كنتُ أقضيه في التردد قد ولى. نظرتُ إلى أمي، التي كانت لا تزال تمسك بإبريق الشاي بكل ثبات، وكأنَّ خبر اقتراب رجال "كمال" ليس سوى إشعارٍ بتغيير في جدول مواعيدها اليومي. ساد صمتٌ طويل ومريب في القاعة الفخمة، لم يقطعه سوى حركة الجدة "زهرة" التي كانت تتنقل بين الخزائن الخشبية، تستخرج أوراقاً وخرائط ووثائق مصفرة من درجٍ سريٍّ خلف الأريكة الجلدية، بحركاتٍ سريعة، دقيقة، وواثقة كأنها جراحةٌ في غرفة عمليات."هل أنتِ جادة؟" سألتُ، وصوتي بالكاد مسموع، يحمل في طياته ارتجافاً لم أستطع كبحه. "لقد وصلوا إلى أطراف الأرض، كما قلتِ، ونحن هنا نناقش قواعد اللعبة؟ هل تظنين حقاً أنني ما زلت تلك الفتاة التي تخدم الزبائن في المقهى، التي تنظف الطاولات، وتنتظر انتهاء دوامها لتعود لبيتها البسيط في نهاية النهار؟"التفتت أمي إليّ، ووضعت الكأس برفق على الطاولة، محدثةً صوتاً خفيفاً جداً، لكنه بدا في أذني كأنه صوت ارتطام صاعقة. كانت نظراتها تحمل حناناً ممزوجاً بحزمٍ غريب لم أعهده فيها من قبل. "ال

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل السادس عشر: في ضيافة الغموض.. حيث يُقدَّم الشاي بارداً

    دَفعتُ الباب الخشبي الثقيل بكل قوتي، كان الباب يبدو وكأنه بوابة لعصرٍ آخر، بصلابته ونقوشه التي تحكي قصصاً من زمنٍ غابر. كانت يدي تقبض على مقبض السكين بتمسكٍ ينم عن ذعرٍ دفين، فقد كنت أتهيأ لاقتحام مخبأ عصابة، أو ربما مواجهة رجال "كمال" المدججين بالسلاح الذين طاردوني في أزقة المدينة الضيقة. خفقات قلبي كانت كقرع الطبول في قاعةٍ فارغة، وأنفاسي تتسارع لتملأ صدري بالهواء المشوب برائحة الغبار والغموض.ولكن، حين انفتح الباب على مصراعيه، تجمدتُ في مكاني، وشعرتُ بأن العالم من حولي قد أصابه خللٌ مفاجئ. لم تكن هناك أسلحة، ولا رجال ملثمون، ولا حتى ظلامٌ دامس يوحي بالخطر. كنتُ أقف في قاعةٍ واسعةٍ فخمة، تملؤها أثاثاتٌ من خشب الأبنوس الداكن الذي يعكس ضوء الثريات الكريستالية المعلقة في السقف العالي. كان المشهد أمام عيني سريالياً بامتياز؛ في صدر القاعة، كانت هناك طاولةٌ منقوشة، وعليها طقم شاي من الفضة الخالصة يلمع ببريقٍ يخطف الأبصار، وتتصاعد منه أبخرةٌ زكية توحي بالرفاهية المطلقة، لا بساحة معركة.الجدة "زهرة"، تلك المرأة التي قضيتُ سنواتي أسمعُ عنها كشبحٍ يطارد ذاكرة والدي، كانت تجلس على أريكةٍ جلدية

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الخامس عشر: في قبضة الغرباء

    المرتجفة، عيناي مثبتتان على الباب. الظلال في الممر بدأت تتحرك، وتوقف شخصٌ ما أمام الفتحة الخشبية."ليلى.. أعلم أنكِ في الداخل."تراجعتُ إلى الوراء، قلبي يقرع في صدري. "من أنت؟ كيف عرفت اسمي؟""لا وقت للأسئلة،" أجاب الصوت، وهذه المرة بدا أكثر إلحاحاً. "كنتُ صديقاً قديماً لوالدك. لقد مررتُ بظروف جعلتني أبتعد، لكنني كنت أراقب الأحداث من بعيد. أعرف السر الذي تخفيه هذه الغرفة، وأعرف أيضاً أن كمال وأتباعه قد حاصروا المبنى بالكامل. إذا كنتِ تريدين النجاة ومعرفة الحقيقة التي كان يخفيها عنكِ والدكِ، فعليكِ أن تخرجي معي فوراً."ساد صمتٌ قصير. هل أصدقه؟ فكرة "صديق قديم" كانت منطقية أكثر من أي شيء آخر. فتحتُ الباب ببطء، لأجد رجلاً بملابس عادية، ملامحه توحي بالوقار، لكن عينيه كانتا حذرتين، تفحصان المكان بسرعة."أين الدليل على صدق كلامك؟" سألتُ، وأنا أحاول أن أبدو ثابتة.أخرج من جيبه ساعة جيب قديمة، كانت تعود لوالدي، ساعةٌ كنت أظن أنها فُقدت يوم اختفائه. "لقد أعطاني إياها في ليلته الأخيرة، وقال لي: إذا جاء اليوم الذي تبحث فيه ابنتي عن الحقيقة، فكن أنت دليلك."كان هذا هو الخيط الوحيد. ركبتُ معه في س

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الرابع عشر: صدى الأشباح

    خرجتُ من ذلك المبنى الفولاذي كمن يخرج من جوفِ وحشٍ كاد يبتلعه. كان الليل يلف المدينة ببرودةٍ قارسة، والملفات التي سحبتُها من الخزانة كانت تضغط على ظهري كأنها كتلة من الرصاص. ركضتُ عبر أزقةٍ ضيقة، مبتعدةً عن الأضواء الكاشفة. لم أكن أجرؤ على التوقف؛ كنتُ أشعر بعيونٍ تترصدني من كل زاوية، وأصواتِ أقدامٍ وهمية تلاحقني في صمت الليل.وصلتُ إلى مبنى سكني مهجور في أطراف الحي الصناعي، كان ملجأً أعرفه من قصص والدي الغامضة. صعدتُ الدرجات الخشبية التي كانت تئن تحت قدمي، ودخلتُ إلى غرفةٍ صغيرة تعبق برائحة الغبار والنسيان. أغلقتُ الباب بإحكام، وأسندتُ ظهري إليه، وأخيراً.. سمحتُ لنفسي أن أتنفس.بدأتُ أفتح الحقيبة بيدي المرتجفتين. أخرجتُ الملفات المربوطة بخيوط كتانية قديمة، ووضعتها على الأرض. كانت تحتوي على خرائط لمواقع لم أكن أعرف بوجودها، وأسماءً لشركاتٍ وهمية تتداخل في شبكةٍ معقدة من التلاعب. وبينما كنتُ أقلب الصفحات، وقعت عيني على شيءٍ جعل دمي يتجمد في عروقي: كانت هناك صورٌ لورشة الخياطة التي كنت أعمل بها، مُلتقطةً من زوايا دقيقة، مع ملاحظاتٍ مكتوبة بخط يدٍ مألوف.. خط يد والدي."ليلى، إذا وصلتِ إل

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الثالث عشر: أوراقُ الخيانة.. وما خلف الستار

    تنفستُ بعمق، ويدي التي ترتجف استقرت أخيراً على مقبض الخزانة المعدني. كان برودة الفولاذ تتسرب إلى عظامي، مذكرتني بأنني لم أعد تلك الفتاة التي تقضي أيامها في روتينٍ رتيب بين خيوط الأثواب وإبر الخياطة. الليلة، كنتُ في قلب "المحظور".أطبقتُ أصابعي بقوة على المقبض، وبدأتُ أدفعه. في البداية، بدا وكأنه مل

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الثاني عشر: صمتُ الرخام.. خلف أبوابِ البنك

    كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل، والمدينة من حولي تبدو وكأنها مدينة أشباح. وقفتُ في زاويةٍ مظلمة، أنفاسي تخرج في شكل سحاباتٍ بيضاء من البرد القارس. أمامي مباشرة، كان يرتفع مبنى البنك الوطني القديم. هندسته كانت توحي بالقوة والجمود؛ أعمدة رخامية ضخمة، أبواب نحاسية عتيقة، ونوافذ صغيرة مرتفعة لا تسمح

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل الحادي عشر: ليلة الخوف.. والرسالة المسمومة

    لم يكد صدى صوت ذلك الرجل الغريب في الهاتف يخبو، حتى وجدتُ نفسي حبيسة غرفتي، والهاتف لا يزال في يدي يرتجف. ذلك الصوت لم يكن مجرد تهديد، كان "وعداً" بملاحقةٍ لا تنتهي. وضعتُ الهاتف على الطاولة بقوة، وشعرتُ بأن جدران الغرفة تضيق عليّ. كيف عرفوا رقمي؟ وكيف وصلوا إليّ بهذه السرعة؟لم أكن أملك

  • خارج نطاق البرستيج    الفصل العاشر: ثقل المعدن وأصداء المجهول

    كان المساء قد أرخى سدوله فوق الحي الشعبي، محولاً ضجيج النهار إلى صمتٍ مشوبٍ بحذرٍ لا يهدأ. في غرفتي التي لا تتسع لأكثر من سريرٍ حديدي ومكتبٍ صغير متهالك، كنتُ أجلسُ تحت ضوء مصباحٍ خافتٍ يئنُّ كأنه يلفظ أنفاسه الأخيرة. القطعة المعدنية كانت موضوعة أمامي على الطاولة، ببريقها الغامض الذي يتحدى ظلمة ا

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status