All Chapters of وعد لم يُكسر: Chapter 71 - Chapter 80

135 Chapters

71. نظرات لا تُشبه الماضي

ابتعدت لونا مع المجموعة بخطوات هادئة، بينما أخذت الأحاديث تتشعب حولها دون أن تكون هي من يبدأها.كلما انتهى شخص من تعريف نفسه، ظهر آخر.كانت تبتسم بخجل بسيط، ترد باقتضاب، ثم تعود للاستماع، وكأنها تفضل البقاء في الخلفية.ومع كل دقيقة، كان عدد الواقفين حولها يزداد تدريجيًا.وقف جاك على مسافة ليست ببعيدة، يراقب المشهد بصمت.كان يفترض أن ينشغل بالمكان، أو بالموظفين، أو بأي شيء آخر يشغله عن ذلك.لكن انتباهه كان يعود إليها دون استئذان، وكأنه لا يملك السيطرة عليه.راقبها وهي تضحك بخفة، ثم وهي تهز رأسها موافقة على شيء قاله أحد الموظفين، ثم وهي ترفع خصلة شعر أفلتت من ذيل الحصان خلف أذنها.تفصيل صغير، لكنه بقي عالقًا في ذهنه أكثر مما يجب.ولسبب لم يرغب في الاعتراف به، شعر بانقباض خفيف في صدره، كأن اقتراب الآخرين منها يزعجه أكثر مما ينبغي.حاول إقناع نفسه أن الأمر مجرد مراقبة عادية، لكنه كان يدرك في داخله أن الأمر تجاوز ذلك منذ لحظة لم ينتبه لها.“لم أتوقع هذا.”جاء صوت ماكس من جانبه، هادئًا لكنه واضح.لم يلتفت جاك.“ولا أنا.”أجابه ببرود، دون أن يغير وضعه.ابتسم ماكس ابتسامة خفيفة.“الكذبة لا تل
Read more

72. قبل أن يختفي الهدوء

انقضت الساعات الثلاث أسرع مما توقع الجميع.امتلأت البحيرة بالحركة منذ الصباح، ثم بدأت تستعيد هدوءها شيئًا فشيئًا مع اقتراب موعد العودة. كانت الممرات الخشبية تعيد إليها مجموعات الموظفين من كل اتجاه؛ بعضهم يحمل أكواب القهوة، وآخرون يتجادلون حول أجمل مكان زاروه، بينما انشغل آخرون بعرض الصور التي التقطوها خلال اليوم، وسط ضحكات لا تكاد تنقطع.
كانت أصوات الأقدام تتردد فوق الألواح الخشبية بإيقاع متداخل، يتخلله صرير خفيف كلما مرّت مجموعة جديدة، بينما كانت نسمات باردة قادمة من جهة الماء تحمل معها رائحة رطوبة خفيفة، وكأن الجو بدأ يتغير دون أن يلحظه أحد.في الساحة الرئيسية، بدأ المنظم يصفق بيديه وهو يرفع صوته ضاحكًا:“بقي أقل من عشر دقائق… لا أريد أن أعود إلى الشركة بعدد أقل مما جئت به.”ارتفعت الضحكات، وتعالت التعليقات الساخرة من كل جانب.“اطمئن، لم يأكلنا الدب.”“حتى الآن!”ازدادت القهقهات، وعادت مجموعات أخرى من بين الأشجار، بينما مرّت نسمة أقوى قليلًا جعلت أوراق الصنوبر تحتك ببعضها بصوت خافت يشبه الهمس.في الجهة المقابلة…كان جاك يقف مع اثنين من المدراء وعدد من رؤساء الفروع. لم يكن الحديث عن
Read more

73. حين سبق الخوف الغضب

لم يعد جاك يميّز الطريق.كان يركض.تتلاحق خطواته فوق الألواح الخشبية، ثم بين التراب الرطب وأشجار الصنوبر، بينما كانت عيناه تمسحان المكان في كل اتجاه، كأنهما ترفضان تصديق أن إنسانًا يمكن أن يختفي بهذه البساطة.“لونا!”خرج اسمها هذه المرة أعلى من السابق، مشدودًا بخيط قلقٍ يرتجف في صدره.ابتلعته الغابة.ولم يعد إليه سوى الصدى، باهتًا، كأنه يسخر من عجزه.اشتدّ انقباض صدره، حتى بدا وكأن الهواء نفسه يضيق حوله.حاول أن يقنع نفسه بأنها لا بدّ أن تكون قد سلكت ممرًا آخر، أو توقفت لتلتقط صورة، أو جلست تستريح بعد أن عاودها ألم قدمها.لكن هاتفها…كان مغلقًا.وذلك وحده كان كافيًا ليبدّد كل تفسير منطقي، ويترك مكانه فراغًا باردًا ينهش أعصابه.أسرع أكثر.كان الهواء البارد يلسع وجهه، يمرّ على بشرته كصفعات متتالية، إلا أنه لم يشعر به.ولم يعد يسمع شيئًا سوى صوت أنفاسه المتلاحقة، وارتطام خطواته بالأرض، كنبضٍ مضطرب يركض معه.ثم…توقفت قدماه فجأة.على طرف الممر، بين الأعشاب اليابسة، استقر هاتف محطّم، غطّت الطين إحدى زواياه، وتشقق زجاج شاشته بالكامل.انحنى بسرعة، والتقطه.لم يحتج إلى أكثر من نظرة واحدة ليعر
Read more

74. ما بعد النجاة

ما إن أغلقت أبواب الحافلة، حتى بدأ التوتر الذي خيّم على المكان يتراجع شيئًا فشيئًا.عادت الضحكات الخافتة، وارتفعت الأحاديث من جديد، وكأن الجميع أقنع نفسه بأن النهاية كانت سعيدة، وأن ما حدث لم يعد يستحق أكثر من قصة تُروى لاحقًا.أما جاك…فلم يكن حاضرًا في شيء من ذلك.تقدّم بصمت إلى المقعدين الأخيرين، وجلس بمحاذاة النافذة، ثم أسند رأسه إلى المقعد وأغمض عينيه.جلست لونا إلى جواره.كانت ملابسها لا تزال تحمل آثار الطين، وخصلات شعرها المبعثرة تشهد على ما مرّت به قبل قليل.ألقت نظرة جانبية نحوه.لم يتحرك.ولا حتى فتح عينيه.كان ساكنًا على نحو غريب، لكن ذلك السكون لم يكن راحة، بل بدا أشبه برجل يشدّ على أعصابه بكل ما يملك حتى لا تنفلت منه.اقتربت فيكتوريا من المقعد، وقد بدت عليها علامات القلق.ابتسمت للونا ابتسامة مطمئنة.“الحمد لله أنك بخير.”بادلتها لونا ابتسامة صغيرة.“شكرًا.”ساد صمت قصير، قبل أن تلتفت فيكتوريا نحو جاك.ترددت لحظة، ثم قالت بهدوء:“وأنت… هل أنت بخير؟”فتح عينيه ببطء.نظر إليها للحظة قصيرة، ثم قال بصوت خافت:“بخير.”لم يزد على ذلك.أعاد رأسه إلى الخلف، وأغمض عينيه من جديد.ا
Read more

75. المسافة التي لا تُرى

لم ترَ لونا جاك مرةً أخرى في ذلك اليوم.بعد أن خرج من الغرفة، انتظرت عودته دقائق طويلة، ثم تحولت الدقائق إلى ساعات. كانت تعدّها في ذهنها، كأن العدّ سيقربه. غربت الشمس، وأضيئت أنوار المنتجع، وتعالت الأصوات في الممرات ثم خفتت تدريجيًا، بينما بقي الباب مغلقًا كما هو. شعرت بأن الصمت يتمدد حولها، وأنه يتركها وحدها أكثر مما ينبغي.حاولت أن تقنع نفسها بأنه يحتاج إلى بعض الوقت. قالت في داخلها إن هذا طبيعي، وإنه سيعود حين يهدأ.وأنها هي أيضًا تحتاج إليه. لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تحتاج إلى الوقت… أم إليه هو.لكن الفراغ الذي تركه داخل الغرفة كان أثقل من الصمت نفسه. كأن غيابه صار شيئًا ملموسًا، يضغط على صدرها.في المساء، أرسلت إدارة المنتجع العشاء إلى الغرف بعد انتهاء الأنشطة، فتناولت منه القليل دون شهية، ثم جلست قرب النافذة تراقب انعكاس الأضواء على البحيرة البعيدة. حاولت أن تركز على المشهد، أن تهدأ، لكن أفكارها كانت تعود إليه كل مرة.كانت كلما سمعت خطوات في الممر، ترفع رأسها تلقائيًا. قلبها يسبقها في كل مرة.ثم تعود فتخفضه حين تمر الخطوات إلى غرفة أخرى. وتخبر نفسها بهدوء أنه ليس هو، وأن عليها
Read more

76. طريقٌ لم يكتمل

توقفت الحافلة أخيرًا أمام مبنى الشركة.ما إن انفتحت أبوابها حتى تدفّق الموظفون إلى الخارج واحدًا تلو الآخر، يحملون حقائبهم، ويتبادلون الضحكات ووعود اللقاء في صباح اليوم التالي، بينما كان كل منهم يستعيد لحظته المفضلة من الرحلة.بدت الأجواء خفيفة…كأن ما حدث بالأمس صار مجرد ذكرى عابرة.إلا بالنسبة إلى شخصين فقط.كان جاك أول من نزل.توقف لحظة أمام المبنى الزجاجي، ثم أدار رأسه نحو صندوق الأمتعة أسفل الحافلة.كانت لونا تحاول جر حقيبتها الكبيرة بمفردها.انحنت قليلًا، لكن ما إن حمّلت وزنها على قدمها حتى ارتسم الألم على وجهها، فتراجعت خطوة دون أن يلحظها أحد.وقعت عينا جاك عليها.تجمّدت خطواته.ظل يراقبها لثوانٍ.ورغم سكونه، كان قراره قد حُسم في داخله.سأحملها عنها.بل وأكثر من ذلك…كان ينوي أن يضع الحقيبة في سيارته، ثم يوصلها إلى المنزل قبل أن يعود إلى الشركة.لم يبحث عن سبب.ولم يشغل نفسه بتفسيره.أخذ يتقدم نحوها بخطوات هادئة.في اللحظة نفسها، رفعت لونا رأسها.تلاقت نظراتهما لبرهة قصيرة.ولأول مرة منذ خروجه من الغرفة الليلة الماضية، شعرت أنه يتجه نحوها.ارتبك قلبها دون مبرر واضح.خفضت عينيها
Read more

77. مالم يقال

ابتعدت سيارة آدم عن مبنى الشركة ببطء، بينما كانت لونا تستند برأسها إلى النافذة، تراقب الشوارع التي استعادت ازدحامها المعتاد، كأن الأيام الخمسة الماضية لم تكن سوى استراحة قصيرة من الواقع.أما هي…فلم تشعر أنها عادت بعد.كان جزءٌ منها لا يزال عالقًا هناك…بين الغابة، والحفرة، وصوت جاك وهو يناديها للمرة الأولى بذلك القدر من الخوف.قطع آدم الصمت وهو ينظر إلى الطريق أمامه.“كيف أصبحت قدمك؟”حركتها برفق، ثم ابتسمت ابتسامة خافتة.“أفضل… لكنها ما زالت تؤلمني قليلًا.”أومأ برأسه.“الحمد لله. ظننت أنك ستحتاجين أيامًا أكثر حتى تستطيعي المشي.”ابتسمت دون أن تجيب.لاحظ شرودها، لكنه لم يعلّق عليه.بل قال بعد لحظات:“بالمناسبة… ريتا اتصلت بي صباح اليوم.”التفتت إليه باهتمام.“حقًا؟ كيف أصبحت؟”ابتسم.“أفضل بكثير. أخبرني الطبيب أن إجازتها المرضية أوشكت على الانتهاء، وستعود إلى الشركة مع بداية الأسبوع، إن شاء الله.”ارتسمت ابتسامة دافئة على وجه لونا.“اشتقت إليها كثيرًا.”ضحك آدم.“وأظن أنها اشتاقت إلى المكتب أكثر منا جميعًا.”ضحكت بخفة.“هذا يشبهها.”ساد بينهما صمت مريح، قبل أن يتابع آدم وكأنه تذكر أ
Read more

78. مسافةٌ لم ينتبه إليها

حين انتهى الاجتماع أخيرًا، كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا.خرج جاك من مبنى الشركة بخطوات هادئة، وقد أثقل الإرهاق كتفيه بعد يومٍ طويل من الاجتماعات والقرارات المتراكمة، ومع ذلك لم يكن التعب وحده ما يشغل ذهنه.منذ أن غادر المنزل صباحًا، لم تفارق صورة لونا مخيلته.وجهها حين بكت…ونبرتها الخافتة وهي تعتذر…والرجفة التي سكنت عينيها في تلك اللحظة.كان كلما حاول أن يطوي تلك الذكرى، عادت إليه من جديد، أكثر وضوحًا.وبينما كان يقود، شعر بصراعٍ خفي يمزقه؛ جزءٌ منه يريد أن يقترب منها ويطمئنها، وجزءٌ آخر يتمسك بالمسافة التي اعتادها، خوفًا مما قد يكشفه ذلك القرب من مشاعر لم يعترف بها بعد.تنهد بصمت، وأدار محرك السيارة، فاهتز المقود قليلًا تحت يديه، وامتزج صوت المحرك الخافت مع صمت الليل البارد الذي تسلل عبر زجاج النافذة.⸻حين دخل المنزل، كان السكون يلف المكان، وضوء خافت يتسلل من المصباح الصغير في الصالة، بينما كان صوت عقارب الساعة على الجدار يقطع الصمت بنبضٍ منتظم.رفعت والدته رأسها ما إن سمعته.ابتسمت ابتسامة دافئة.“تأخرت.”خلع سترته ووضعها على المقعد المجاور، وشعر ببرودة القماش تلامس أطراف
Read more

79. ما لا يُستهان به

تلاقت نظراتهما للحظة…لحظة قصيرة، لكنها بدت أطول من الصمت الذي سبقها.تسللت خيوط الصباح الأولى عبر الستائر، فرسمت خطوطًا ذهبية هادئة على أرضية الغرفة، بينما بقي الهواء مشبعًا بسكون الليل، كأن الفجر لم يحسم بعد إن كان قد بدأ حقًا.كان جاك أول من استعاد رباطة جأشه.أشاح بنظره عنها بهدوء، ثم اعتدل جالسًا على طرف السرير، ومرر يده بين خصلات شعره السوداء ببطء، كمن يحاول أن يرتب أفكاره قبل أن يبدأ يومه.قال بصوت هادئ، خالٍ من أي انفعال:“صباح الخير.”رفعت لونا عينيها إليه.ترددت لثانية قصيرة، ثم أجابت بخفوت:“صباح النور.”وعاد الصمت من جديد.لكنه هذه المرة لم يكن ثقيلًا كما كان في الأيام الماضية، بل بدا وكأنه يمنحهما فرصة لالتقاط أنفاسهما بعد كل ما مرّ بينهما.تحركت لونا ببطء، وما زالت بقايا النوم تثقل أطرافها.جلست على حافة السرير، ثم رفعت ذراعيها تتمطى بعفوية، وأطلقت زفرة طويلة، قبل أن ترفع كفيها إلى شعرها.كان ذيل الحصان الذي ربطته في الليلة الماضية قد ارتخى تمامًا.تناثرت خصلات شعرها البندقية حول وجهها وعنقها، بينما استقرت خصلة طويلة فوق وجنتها دون أن تنتبه إليها.حاولت جمع شعرها بسرعة.
Read more

80. ضيفٌ لا يعرف المواعيد

انتهى الدوام على غير عادته.لم يكن مرهقًا بقدر ما كان طويلًا.منذ صباح ذلك اليوم، بعد كلمات جاك أمام الموظفين، ظلّ شيءٌ غير مرئي يرافق الاثنين.لم يتحدثا إلا فيما يخص العمل.ولم يتجنبا بعضهما كما حدث في الأيام الماضية.كانت العلاقة بينهما تقف في منطقةٍ غريبة…ليست كما كانت قبل الرحلة…وليست كما أصبحت بعدها.⸻مع اقتراب العصر، توقفت سيارة جاك أمام المنزل.ترجل أولًا، ثم أغلقت لونا الباب خلفها، وسارت إلى جانبه نحو المدخل.أخرج المفتاح من جيبه.وما إن فتح الباب…حتى سبقهما صوتٌ مرتفع من الداخل.“…وأقول لكِ إن جاك لم يكن يبتسم حتى وهو طفل! كنت أظن أنه وُلد عابسًا!”أغمض جاك عينيه للحظة.ثم أطلق زفرة طويلة، مليئة بالاستسلام.وتمتم بصوتٍ منخفض:“كان ينقص هذا اليوم… دانيال.”لم تستطع لونا منع ابتسامة صغيرة من الظهور على شفتيها.دخل جاك أولًا.كان دانيال يجلس على الأريكة بكل أريحية، يحتسي القهوة ويتحدث مع والدة جاك، وكأنه أحد أفراد المنزل منذ سنوات.وما إن لمح الداخلين، حتى نهض بسرعة.اتسعت ابتسامته، وفتح ذراعيه بحماسه المعتاد.“وأخيرًا! الحمد لله على سلامتك يا لونا!”واندفع نحوها مباشرة.لكن
Read more
PREV
1
...
678910
...
14
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status