الفصل الأولكانت مدينة الوادي، حين تشرق الشمس على أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة، تبدو وكأنها لوحة قديمة رُسمت بألوان باهتة، تتراقص فيها ظلال النخيل على جدران البيوت الطينية، بينما تعلو من بعيد أصوات الباعة المتجولين، وتختلط رائحة الخبز الطازج برائحة التوابل المتناثرة في الهواء. في هذا الحي الفقير، حي "باب النور"، كانت تعيش سلمى مع أمها المريضة وأخيها الصغير يوسف، في بيت متواضع لا يتجاوز غرفتين، لكنه كان مليئًا بالدفء رغم شح الأحوال.كانت سلمى في الثالثة والعشرين من عمرها، ذات عينين سوداوين واسعتين تحملان في أعماقهما حزنًا قديمًا، وابتسامة لا تفارق وجهها رغم قسوة الأيام. منذ رحل والدها قبل خمس سنوات في حادث مأساوي في أحد المصانع، أصبحت هي العمود الفقري للأسرة، تعمل منذ الفجر في مخبز "أم كامل" العجوز، تعجن العجين وتخبز الرغيف تلو الرغيف، وعائدها القليل بالكاد يكفي لسد رمق أمها المريضة بالربو، وتعليم أخيها يوسف الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة.في ذلك الصباح، كان الجو أكثر برودة من المعتاد، والسماء تنذر بمطر خفيف. خرجت سلمى من البيت وهي تلف حول كتفيها شالًا صوفيًا قديمًا ورثته عن أمها، واتجه
Last Updated : 2026-07-06 Read more