حب في زمن الفوارق

حب في زمن الفوارق

last updateآخر تحديث : 2026-07-06
بواسطة:  farida alzebair تم تحديثه الآن
لغة: Arab
goodnovel16goodnovel
لا يكفي التصنيفات
5فصول
7وجهات النظر
قراءة
أضف إلى المكتبة

مشاركة:  

تقرير
ملخص
كتالوج
امسح الكود للقراءة على التطبيق

كانت مدينة الوادي، حين تشرق الشمس على أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة، تبدو وكأنها لوحة قديمة رُسمت بألوان باهتة، تتراقص فيها ظلال النخيل على جدران البيوت الطينية، بينما تعلو من بعيد أصوات الباعة المتجولين، وتختلط رائحة الخبز الطازج برائحة التوابل المتناثرة في الهواء. في هذا الحي الفقير، حي "باب النور"، كانت تعيش سلمى مع أمها المريضة وأخيها الصغير يوسف، في بيت متواضع لا يتجاوز غرفتين، لكنه كان مليئًا بالدفء رغم شح الأحوال. كانت سلمى في الثالثة والعشرين من عمرها، ذات عينين سوداوين واسعتين تحملان في أعماقهما حزنًا قديمًا، وابتسامة لا تفارق وجهها رغم قسوة الأيام.

عرض المزيد

الفصل الأول

الفصل الاول

الفصل الأول

كانت مدينة الوادي، حين تشرق الشمس على أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة، تبدو وكأنها لوحة قديمة رُسمت بألوان باهتة، تتراقص فيها ظلال النخيل على جدران البيوت الطينية، بينما تعلو من بعيد أصوات الباعة المتجولين، وتختلط رائحة الخبز الطازج برائحة التوابل المتناثرة في الهواء. في هذا الحي الفقير، حي "باب النور"، كانت تعيش سلمى مع أمها المريضة وأخيها الصغير يوسف، في بيت متواضع لا يتجاوز غرفتين، لكنه كان مليئًا بالدفء رغم شح الأحوال.

كانت سلمى في الثالثة والعشرين من عمرها، ذات عينين سوداوين واسعتين تحملان في أعماقهما حزنًا قديمًا، وابتسامة لا تفارق وجهها رغم قسوة الأيام. منذ رحل والدها قبل خمس سنوات في حادث مأساوي في أحد المصانع، أصبحت هي العمود الفقري للأسرة، تعمل منذ الفجر في مخبز "أم كامل" العجوز، تعجن العجين وتخبز الرغيف تلو الرغيف، وعائدها القليل بالكاد يكفي لسد رمق أمها المريضة بالربو، وتعليم أخيها يوسف الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة.

في ذلك الصباح، كان الجو أكثر برودة من المعتاد، والسماء تنذر بمطر خفيف. خرجت سلمى من البيت وهي تلف حول كتفيها شالًا صوفيًا قديمًا ورثته عن أمها، واتجهت نحو المخبز كعادتها. لكن الطريق هذه المرة كان مزدحمًا بشكل غريب، فقد توقفت سيارة فارهة سوداء اللون وسط الشارع الضيق، وبدا أن سائقها يواجه مشكلة في تشغيلها من جديد.

نزل من السيارة شاب طويل القامة، أنيق الملبس، يرتدي بدلة رمادية تليق بأحد أثرياء المدينة، وعلى وجهه ارتسمت علامات الضيق والاستغراب. كان هذا الشاب هو كريم، الابن الوحيد للحاج سليم، صاحب "شركة الوادي للتجارة"، أكبر وأعرق بيت تجاري في المدينة كلها. كان كريم في السابعة والعشرين، وسيمًا بملامح حادة، لكن عينيه كانتا تحملان نظرة مختلفة عن باقي أبناء طبقته؛ نظرة فيها فضول صادق نحو الحياة، وربما شيء من الملل من الترف الذي يعيش فيه.

توقفت سلمى على مسافة قريبة، تراقب المشهد بفضول ممزوج بحذر، فالسيارات الفارهة نادرًا ما تجرؤ على دخول هذا الحي الفقير. حاول كريم تشغيل السيارة مرات عدة دون جدوى، وبدت عليه علامات الانزعاج، وهو يتحدث بصوت مرتفع نوعًا ما إلى نفسه قائلًا: "يا لها من مصيبة! في هذا الحي بالذات تتعطل السيارة!"

لم تستطع سلمى أن تمنع نفسها من التعليق، فقالت بصوت هادئ لكنه حازم: "الحي له اسم يا سيدي، وليس مجرد مكان تتعطل فيه السيارات."

التفت كريم نحوها بمفاجأة، لم يتوقع أن يجرؤ أحد على مخاطبته بهذه الطريقة المباشرة، خاصة أنه لم يعتد أن يخاطبه أحد من "طبقة" هذا الحي بهذه الثقة. نظر إليها للحظة طويلة، فرأى فيها شيئًا مختلفًا؛ لم تكن كباقي الفتيات اللواتي عرفهن في مجالسه وحفلاته، بل كانت تحمل في نظراتها كبرياء غريبًا رغم بساطة ثيابها.

قال بابتسامة خجولة حاول أن يخفي بها ارتباكه: "معذرة، لم أقصد الإساءة. أنا فقط... متعب من هذه السيارة العنيدة."

ابتسمت سلمى رغمًا عنها، وقالت: "جرب أن تفتح غطاء المحرك وتفحص كابل البطارية، أحيانًا يكون الاتصال رخوًا فقط."

نظر إليها كريم باستغراب، فلم يتوقع أن تمتلك فتاة من هذا الحي معرفة بأمور السيارات، فسألها: "وكيف تعرفين هذا؟"

أجابت وهي تمضي في طريقها: "لأن والدي كان ميكانيكيًا قبل أن يعمل في المصنع، وكنت أساعده أحيانًا وأنا صغيرة."

فتح كريم غطاء المحرك، وبالفعل وجد الكابل مرتخيًا كما أخبرته، فأحكم ربطه، وحاول تشغيل السيارة فعملت من جديد. ابتسم بفرح صبياني، والتفت ليشكرها، لكنه وجدها قد ابتعدت بالفعل باتجاه المخبز. نادى عليها من بعيد: "شكرًا لك! لم أعرف اسمك!"

لم ترد عليه، بل واصلت سيرها دون أن تلتفت، تاركة خلفها ابتسامة حائرة على وجه كريم الذي وقف يتأملها وهي تبتعد، متسائلًا في نفسه عن هذه الفتاة الغريبة التي جرؤت على مخاطبته بتلك الثقة، والتي بدت في عينيه أجمل من كل الفتيات اللواتي التقى بهن في حفلات المدينة الراقية.

* * *

في المخبز، كانت أم كامل، صاحبة المخبز العجوز، تراقب سلمى وهي تعجن العجين بحركات سريعة ماهرة، فقالت لها بلهجة أم حنونة: "ما بالك اليوم شاردة يا سلمى؟ وجهك مختلف!"

ابتسمت سلمى وهي تحاول إخفاء ما يدور في خاطرها، وقالت: "لا شيء يا خالتي أم كامل، فقط تأخرت قليلًا في الطريق."

لكن أم كامل، بخبرتها الطويلة في الحياة، لم تصدق هذا التبرير تمامًا، فقالت وهي تهز رأسها: "الشباب هذه الأيام لا يخفون شيئًا عن عيون النساء الكبيرات في السن، لكن لا بأس، سأترك لك سرك."

عادت سلمى إلى عملها، لكن صورة ذلك الشاب الأنيق الذي وقف أمام سيارته المعطلة ظلت تراودها طوال اليوم. لم تكن تعرف من هو، لكنها شعرت بشيء غريب في داخلها، إحساس لم تشعر به من قبل، مزيج من الفضول والارتباك.

في المساء، وبعد أن أنهت سلمى عملها وعادت إلى البيت، وجدت أخاها يوسف جالسًا على عتبة الباب، يبدو عليه القلق. سألته: "ما بك يا يوسف؟ لماذا هذا القلق؟"

أجابها بصوت متعب: "المدرسة طلبت مني رسوم الفصل الدراسي الجديد، ولا أعرف كيف سنؤمنها هذه المرة يا سلمى. أنا آسف لأنني عبء عليك."

احتضنته سلمى بحنان، وقالت: "لا تقل هذا أبدًا يا يوسف، أنت لست عبئًا، أنت أملي الوحيد في هذه الحياة. سأجد حلًا، كما وجدت دائمًا."

دخلت إلى غرفة أمها التي كانت مستلقية على فراشها، تتنفس بصعوبة بسبب الربو المزمن الذي يلازمها منذ سنوات. جلست بجانبها، وأخذت تمسح على شعرها الأبيض بحنان، وقالت: "كيف حالك اليوم يا أمي؟"

أجابت الأم بصوت ضعيف: "أفضل بقليل يا ابنتي، لكن أخشى أنني أثقل عليك حملًا لا تحتملينه في عمرك هذا."

قالت سلمى بحزم: "لا تقولي هذا يا أمي، أنتِ لست حملًا، أنتِ سبب وجودي، وسأظل أعمل وأكافح مهما كانت الظروف قاسية، حتى تتحسن صحتك ويكبر يوسف ويصبح رجلًا يفخر بنفسه."

في تلك الليلة، وبينما كانت سلمى مستلقية على فراشها المتواضع تحت سقف الغرفة المتصدع، نظرت إلى النجوم المتناثرة في السماء من خلال الشق الصغير في السقف، وفكرت في يومها الغريب، في ذلك الشاب الذي بدا مختلفًا عن كل من عرفتهم من أبناء الأغنياء، وتساءلت في نفسها: "هل ستلتقي طرقنا مرة أخرى؟"

لم تكن تعلم أن القدر كان قد بدأ بالفعل في نسج خيوط قصة لن تكون سهلة أبدًا، قصة حب ستولد بين طبقتين متباعدتين كبعد السماء عن الأرض، وستحمل معها الكثير من الألم قبل أن تصل - إن وصلت - إلى شاطئ الأمان.

* * *

في الجهة الأخرى من المدينة، في القصر الفخم الذي تسكنه عائلة الحاج سليم، كان كريم يجلس في شرفة غرفته يتأمل حديقة القصر الواسعة المضاءة بأضواء هادئة، وذهنه لا يزال مشغولًا بتلك الفتاة الغريبة التي التقاها صباحًا. دخلت عليه والدته، الحاجة نبيلة، امرأة في الخمسين من عمرها، ذات هيبة وحزم لا يخطئهما أحد، فقد كانت تدير شؤون العائلة والتجارة بيد من حديد منذ مرض زوجها الحاج سليم قبل سنتين.

قالت وهي تنظر إليه بفراسة الأمهات: "ما بك يا كريم؟ تبدو شاردًا منذ عودتك اليوم."

ابتسم كريم في محاولة لإخفاء ما يدور في نفسه، وقال: "لا شيء يا أمي، فقط تعبت قليلًا من أعمال الشركة."

لم تقتنع الحاجة نبيلة بهذا التبرير، لكنها لم تُلحّ، واكتفت بأن قالت وهي تهم بالخروج: "لا تنسَ يا بني أن عائلة الحاج فؤاد قادمة غدًا لتناول العشاء معنا، وابنتهم ياسمين ستكون معهم. أريدك أن تكون في أبهى إطلالة، فهذا العشاء مهم لمستقبلك ومستقبل الشركة."

لم يعلق كريم، بل اكتفى بإيماءة صامتة، وبعد أن خرجت والدته، عاد بذهنه إلى تلك اللحظة القصيرة أمام السيارة، إلى تلك العينين السوداوين اللتين لم تخافا من مواجهته، وإلى تلك الابتسامة العابرة التي تركت أثرًا عميقًا في قلبه دون أن يدري كيف ولا لماذا.

كان كريم يعلم في أعماقه أن عالمه وعالم تلك الفتاة لا يلتقيان أبدًا، وأن كل تفكير فيها هو ضرب من الجنون في مجتمع تحكمه الطبقية والمصالح والمظاهر، لكنه، رغم كل هذا العقل، لم يستطع أن يمنع قلبه من التساؤل: "من تكون؟ وهل سأراها مرة أخرى؟"

لم يكن يعلم أن الغد سيحمل له إجابة لن تكون بعيدة كما يظن، وأن القدر يخبئ له لقاءً آخر سيقلب حياته رأسًا على عقب.

* * *

في اليوم التالي، وبينما كانت سلمى تسير في طريقها إلى المخبز، مرت بجانب سوق الخضار الصغير، حيث التقت بصديقتها منى، ابنة الجيران، التي كانت تعمل بائعة في أحد الأكشاك المتواضعة. كانت منى فتاة مرحة، لا تكف عن الثرثرة، وكانت من أوائل من عرفوا كل صغيرة وكبيرة تحدث في الحي.

قالت منى وهي تمسك بذراع سلمى بحماس: "سمعتِ الخبر يا سلمى؟ يقولون إن عائلة الحاج سليم، أصحاب شركة الوادي، ستستضيف عشاء كبيرًا الليلة لعقد خطبة ابنهم كريم على ابنة الحاج فؤاد، الفتاة التي تدرس في الخارج!"

شعرت سلمى بشيء غريب يعتصر قلبها عند سماع هذا الاسم، لكنها حاولت أن تتماسك، وقالت بابتسامة متكلفة: "وما شأننا نحن بهذا الأمر يا منى؟ دعي أهل القصور وشؤونهم، ولنهتم نحن بشؤوننا."

ضحكت منى وقالت: "لا بأس، لكن يقال إن كريم هذا وسيم جدًا، وليس متكبرًا كباقي أبناء الأغنياء، سمعت أنه يعامل عماله في الشركة بطيبة نادرة."

لم تعلق سلمى، بل واصلت طريقها وهي تشعر بثقل غريب في صدرها، ثقل لم تفهم سببه، أو ربما فهمته لكنها رفضت أن تعترف به لنفسها. كيف يعقل أن تشغل بالها بشاب التقته لدقائق معدودة أمام سيارة معطلة؟ لكن قلبها، على ما يبدو، كان قد بدأ يخط طريقًا آخر غير الذي يمليه عليها عقلها الحذر.

وصلت إلى المخبز، وبدأت عملها كالمعتاد، لكن يدها كانت تعجن العجين بشرود واضح، حتى إن أم كامل لاحظت ذلك مجددًا وقالت لها ضاحكة: "يبدو أن قلبك مشغول اليوم أكثر من الأمس يا ابنتي، احذري، فالقلب أحيانًا يقود إلى دروب لا رجعة منها."

لم ترد سلمى، لكنها ابتسمت ابتسامة حزينة، وهي تدرك في أعماقها أن كلمات أم كامل، رغم بساطتها، كانت أعمق مما تتصور.

وحين انتهى يومها وعادت إلى بيتها المتواضع، جلست عند نافذة غرفتها الصغيرة تتأمل غروب الشمس فوق أسطح البيوت المتلاصقة، وتساءلت في صمت: كيف لقلب أن يتعلق بشخص من عالم آخر تمامًا، عالم لا تصله يدها ولا تطاله أحلامها؟ ورغم كل هذه الأسئلة الثقيلة، ظل شيء في داخلها يهمس لها أن هذه القصة، مهما بدت مستحيلة، قد بدأت بالفعل، وأنها لن تستطيع إيقافها مهما حاولت.

توسيع
الفصل التالي
تحميل

أحدث فصل

فصول أخرى
لا توجد تعليقات
5 فصول
الفصل الاول
الفصل الأولكانت مدينة الوادي، حين تشرق الشمس على أزقتها الضيقة وأسواقها العتيقة، تبدو وكأنها لوحة قديمة رُسمت بألوان باهتة، تتراقص فيها ظلال النخيل على جدران البيوت الطينية، بينما تعلو من بعيد أصوات الباعة المتجولين، وتختلط رائحة الخبز الطازج برائحة التوابل المتناثرة في الهواء. في هذا الحي الفقير، حي "باب النور"، كانت تعيش سلمى مع أمها المريضة وأخيها الصغير يوسف، في بيت متواضع لا يتجاوز غرفتين، لكنه كان مليئًا بالدفء رغم شح الأحوال.كانت سلمى في الثالثة والعشرين من عمرها، ذات عينين سوداوين واسعتين تحملان في أعماقهما حزنًا قديمًا، وابتسامة لا تفارق وجهها رغم قسوة الأيام. منذ رحل والدها قبل خمس سنوات في حادث مأساوي في أحد المصانع، أصبحت هي العمود الفقري للأسرة، تعمل منذ الفجر في مخبز "أم كامل" العجوز، تعجن العجين وتخبز الرغيف تلو الرغيف، وعائدها القليل بالكاد يكفي لسد رمق أمها المريضة بالربو، وتعليم أخيها يوسف الذي لم يتجاوز الخامسة عشرة.في ذلك الصباح، كان الجو أكثر برودة من المعتاد، والسماء تنذر بمطر خفيف. خرجت سلمى من البيت وهي تلف حول كتفيها شالًا صوفيًا قديمًا ورثته عن أمها، واتجه
last updateآخر تحديث : 2026-07-06
اقرأ المزيد
الفصل الثاني
مرت ثلاثة أيام على تلك الحادثة أمام السيارة المعطلة، وكانت سلمى قد أقنعت نفسها بأن ذلك اللقاء كان مجرد مصادفة عابرة لن تتكرر، وأن عليها أن تمحو من ذهنها كل تفكير في شاب لا يمت لعالمها بصلة. لكن الحياة، كما هي عادتها، كانت قد رتبت أمرًا آخر.في ذلك المساء، أرسلتها أم كامل لتوصيل طلبية كبيرة من الخبز والمعجنات إلى أحد البيوت الكبيرة في الحي الراقي، حيث كان هناك حفل صغير تقيمه إحدى العائلات الثرية. حملت سلمى السلة الثقيلة، ومشت مسافة طويلة حتى وصلت إلى القصر المقصود، الذي تبين لاحقًا أنه ليس إلا قصر عائلة كريم نفسه، إذ كانت الحاجة نبيلة قد طلبت من أم كامل - التي عُرفت بجودة صنعتها في الحي كله - أن تجهز بعض الحلويات الخاصة لضيوف العشاء العائلي المصغر الذي أقيم بعد أن تأجلت الخطبة الرسمية بناء على رغبة عائلة الحاج فؤاد.وقفت سلمى أمام البوابة الكبيرة المزخرفة، وشعرت للحظة بالرهبة من فخامة المكان، لكنها تجاوزت إحساسها وطرقت الباب. فتح لها أحد الخدم، وأدخلها إلى الحديقة الخلفية حيث كانت تُجهز موائد العشاء. وبينما كانت تضع السلة على إحدى الطاولات، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها يقول: "أنتِ! فتاة ال
last updateآخر تحديث : 2026-07-06
اقرأ المزيد
الفصل الثالث
مرت الأسابيع، وأصبحت لقاءات كريم وسلمى، رغم قصرها وتباعدها، جزءًا لا يتجزأ من حياة كل منهما. كانا يلتقيان أحيانًا عند المخبز بعد إغلاقه، وأحيانًا أخرى في حديقة عامة صغيرة على أطراف الحي، بعيدًا عن أعين الناس، حيث كانا يتحدثان لساعات عن أحلامهما وأفكارهما، وكأن الفارق الطبقي بينهما يذوب كلما اجتمعا.لكن في مدينة صغيرة كمدينة الوادي، حيث الأسرار نادرًا ما تبقى مطمورة طويلًا، بدأت الألسنة تتحرك. كانت إحدى الجارات، امرأة تدعى أم رمزي، معروفة بكثرة فضولها وحبها لنقل الأخبار، قد رأت كريم وسلمى أكثر من مرة يجلسان معًا في الحديقة، فبدأت تنشر الخبر بين نساء الحي بصيغة مليئة بالتهويل والمبالغة، حتى وصل الخبر، بعد أيام قليلة، إلى مسامع سائق عائلة الحاج سليم، الذي كان يتردد أحيانًا على الحي لشراء بعض الحاجيات.نقل السائق ما سمعه، دون قصد سيئ في البداية، إلى أحد خدم القصر، الذي بدوره، وبدافع الولاء المفرط للحاجة نبيلة، سارع بإخبارها بما يشاع في الحي عن ابنها. استقبلت الحاجة نبيلة الخبر بصدمة كبيرة، ثم سرعان ما تحول ذهولها إلى غضب صامت، فهي المرأة التي بنت اسم عائلتها ومكانتها الاجتماعية بجهد سنوات
last updateآخر تحديث : 2026-07-06
اقرأ المزيد
الفصل الرابع
في صباح اليوم التالي، وبعد ليلة أرق طويلة، اتخذت الحاجة نبيلة قرارها. لم تكن امرأة تنتظر الأمور لتحل نفسها، بل كانت تؤمن أن المشاكل يجب أن تُقتلع من جذورها بسرعة وحسم. طلبت من سائقها الخاص أن يجهز السيارة، وارتدت عباءتها السوداء الأنيقة، واتجهت بنفسها، دون علم كريم، إلى حي باب النور.وصلت إلى بيت سلمى المتواضع، وطرقت الباب بيد مترددة قليلًا رغم كل عزمها، فهذا المكان كان بعيدًا كل البعد عن عالمها المعتاد. فتحت لها والدة سلمى الباب، واندهشت لرؤية امرأة بهذا المظهر الأنيق تقف أمام بيتها، فقالت بأدب: "تفضلي يا سيدتي، من تكونين؟"قالت الحاجة نبيلة بنبرة رسمية: "أنا نبيلة، والدة كريم. أرغب في التحدث مع ابنتك سلمى، إن كان هذا ممكنًا."ارتبكت الأم، لكنها استدعت سلمى التي كانت في الداخل تساعد في تحضير الطعام. حين رأت سلمى الحاجة نبيلة واقفة عند الباب، شعرت بقلبها يسقط في هوة عميقة، مدركة أن هذه الزيارة لن تحمل خيرًا.طلبت الحاجة نبيلة أن تتحدث مع سلمى على انفراد، فخرجتا إلى الزقاق الصغير أمام البيت. نظرت الحاجة نبيلة إلى سلمى نظرة فاحصة من الأعلى إلى الأسفل، ثم قالت بنبرة باردة: "أنتِ إذن الفت
last updateآخر تحديث : 2026-07-06
اقرأ المزيد
الفصل الخامس
في صباح اليوم التالي، استدعت الحاجة نبيلة ابنها كريم مجددًا إلى مكتبها، وهذه المرة كان صوتها أكثر حسمًا من أي وقت مضى. قالت وهي تجلس خلف مكتبها الفخم: "كريم، تم الاتفاق مع عائلة الحاج فؤاد على إقامة حفل الخطبة الرسمي خلال أسبوعين من اليوم. أريدك أن تستعد نفسيًا لهذا الأمر، فقد تأخرنا كثيرًا فيه."شعر كريم وكأن صاعقة قد أصابته، وقال بصوت مرتفع: "أسبوعان فقط؟! أمي، هذا قرار متسرع جدًا، ونحن لم نتفق بعد على شيء بيني وبينك بخصوص مشاعري الحقيقية!"ردت الحاجة نبيلة بجفاف: "مشاعرك ستتبع الزمن يا بني، كما أخبرتك سابقًا. أما مصلحة العائلة والشركة، فلا يمكن أن تنتظر نزوات عابرة. لقد اتخذت قراري، والحفل سيقام كما هو مخطط له."خرج كريم من المكتب وهو يشعر بغضب شديد يعتمل في صدره، وقرر أن يذهب فورًا للبحث عن سلمى ليخبرها بما يحدث، ويحاول أن يجد معها حلًا قبل فوات الأوان. وصل إلى المخبز، لكنه وجده مغلقًا في وقت غير معتاد، فسأل أحد الجيران الذي أخبره أن أم كامل مريضة اليوم وأغلقت المحل.اتجه كريم مسرعًا نحو بيت سلمى، غير مبالٍ هذه المرة بمن قد يراه أو يتحدث عنه. طرق الباب بقوة، ففتحت له سلمى بدهشة، و
last updateآخر تحديث : 2026-07-06
اقرأ المزيد
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status