分享

الفصل الثاني

last update publish date: 2026-07-06 19:16:30

مرت ثلاثة أيام على تلك الحادثة أمام السيارة المعطلة، وكانت سلمى قد أقنعت نفسها بأن ذلك اللقاء كان مجرد مصادفة عابرة لن تتكرر، وأن عليها أن تمحو من ذهنها كل تفكير في شاب لا يمت لعالمها بصلة. لكن الحياة، كما هي عادتها، كانت قد رتبت أمرًا آخر.

في ذلك المساء، أرسلتها أم كامل لتوصيل طلبية كبيرة من الخبز والمعجنات إلى أحد البيوت الكبيرة في الحي الراقي، حيث كان هناك حفل صغير تقيمه إحدى العائلات الثرية. حملت سلمى السلة الثقيلة، ومشت مسافة طويلة حتى وصلت إلى القصر المقصود، الذي تبين لاحقًا أنه ليس إلا قصر عائلة كريم نفسه، إذ كانت الحاجة نبيلة قد طلبت من أم كامل - التي عُرفت بجودة صنعتها في الحي كله - أن تجهز بعض الحلويات الخاصة لضيوف العشاء العائلي المصغر الذي أقيم بعد أن تأجلت الخطبة الرسمية بناء على رغبة عائلة الحاج فؤاد.

وقفت سلمى أمام البوابة الكبيرة المزخرفة، وشعرت للحظة بالرهبة من فخامة المكان، لكنها تجاوزت إحساسها وطرقت الباب. فتح لها أحد الخدم، وأدخلها إلى الحديقة الخلفية حيث كانت تُجهز موائد العشاء. وبينما كانت تضع السلة على إحدى الطاولات، سمعت صوتًا مألوفًا خلفها يقول: "أنتِ! فتاة السيارة!"

التفتت سلمى بمفاجأة، فوجدت كريم يقترب منها بابتسامة عريضة لم يستطع إخفاءها. شعرت بالحرج والارتباك، فقالت بسرعة: "أنا هنا فقط لتوصيل طلبية من المخبز يا سيدي، سأنصرف حالًا."

لكن كريم، الذي بدا سعيدًا حقًا برؤيتها من جديد، قال بلهفة لم يستطع كبتها: "انتظري قليلًا، أرجوك. لم أعرف اسمك في المرة الماضية."

ترددت سلمى للحظة، ثم قالت: "سلمى."

كرر كريم الاسم وكأنه يتذوقه: "سلمى... اسم جميل يليق بصاحبته."

شعرت سلمى بالحرارة تتصاعد في وجنتيها، فحاولت أن تغير مجرى الحديث: "شكرًا لك، لكن يجب أن أعود الآن، فأم كامل تنتظرني."

لم يشأ كريم أن يتركها ترحل بهذه السرعة، فقال: "دعيني أرافقك إلى البوابة على الأقل."

سارا معًا في الممر الحجري الذي يفصل الحديقة عن البوابة الرئيسية، وفي تلك اللحظات القصيرة، دار بينهما حديث بسيط لكنه كان كافيًا ليكشف لكل منهما جانبًا من شخصية الآخر. سأل كريم: "منذ متى وأنتِ تعملين في المخبز؟"

أجابت سلمى: "منذ خمس سنوات، منذ أن توفي والدي وأصبحت مسؤولة عن أمي وأخي."

شعر كريم بشيء يعتصر قلبه وهو يسمع هذه الكلمات البسيطة التي تحمل عبء حياة كاملة، فقال بصدق: "أنتِ قوية جدًا يا سلمى، أعرف قلة من الناس يستطيعون تحمل هذا القدر من المسؤولية في مثل سنك."

ابتسمت سلمى وقالت: "الحياة لا تسأل أحدًا إن كان مستعدًا أم لا، هي فقط تفرض نفسها، ونحن نتعلم كيف نتعايش معها."

توقف كريم للحظة، متأملًا كلماتها، ثم قال: "أشعر أنني، رغم كل ما أملكه، لم أتعلم بعد كيف أواجه الحياة كما تفعلين أنتِ."

نظرت إليه سلمى بدهشة، لم تتوقع أن يعترف شاب من طبقته بهذا الشعور، فقالت: "ألا تجد السعادة في حياتك يا سيدي؟ أنتَ تملك كل شيء."

أجاب كريم بابتسامة حزينة: "أملك كل شيء ماديًا، لكن أحيانًا أشعر أنني أعيش حياة مرسومة لي مسبقًا، لا خيار لي فيها. حتى قرار زواجي، يبدو أنه سيُتخذ دون أن يُستشار قلبي فيه."

لم تعلق سلمى، لكنها شعرت بتعاطف غريب تجاه هذا الشاب الذي بدا، رغم ثروته، حبيس قفص ذهبي لا يقل قسوة عن قيود الفقر التي تكبلها هي. وصلا إلى البوابة، وقبل أن تخرج سلمى، قال كريم: "هل يمكنني أن أراكِ مرة أخرى يا سلمى؟"

ترددت سلمى كثيرًا، وقالت أخيرًا: "لا أعتقد أن هذا فكرة جيدة يا سيدي، عالمك مختلف تمامًا عن عالمي، ولا أريد أن أسبب لنفسي أو لك أي متاعب."

قال كريم بإصرار لطيف: "أنا لا أطلب شيئًا غريبًا، فقط... أريد أن أشكرك بشكل لائق على مساعدتك لي في ذلك اليوم. ماذا لو مررت غدًا بجانب المخبز في طريق عودتي من الشركة؟"

لم ترد سلمى بشكل مباشر، بل اكتفت بابتسامة صغيرة قبل أن تنصرف مسرعة، تاركة كريم يقف عند البوابة وقلبه يخفق بشكل لم يعتده من قبل.

* * *

في اليوم التالي، وبينما كانت سلمى تنظف طاولات المخبز قبل الإغلاق، مرت سيارة كريم ببطء أمام المحل، ثم توقفت. نزل منها وهو يحمل باقة صغيرة من الياسمين، ودخل إلى المخبز بابتسامة مترددة. اندهشت أم كامل من دخول هذا الشاب الأنيق إلى محلها المتواضع، لكنها لم تعلق، واكتفت بمراقبة ما سيحدث بفضول.

قال كريم وهو يمد الباقة نحو سلمى: "أحضرت لك هذه كهدية بسيطة، شكرًا لمساعدتك."

ترددت سلمى في قبولها أمام أعين أم كامل الفضولية، لكنها في النهاية أخذت الباقة بحياء، وقالت: "لم يكن هذا ضروريًا، لكن شكرًا لك."

جلس كريم على أحد الكراسي القليلة في المخبز، وطلب كوبًا من الشاي، وبدأ حديثًا بسيطًا مع أم كامل عن جودة خبزها الشهير في الحي، مما جعل العجوز تفرح وتسترسل في الحديث عن سنوات خبرتها. ومن بين الكلمات، كانت عيناه تسارقان النظر إلى سلمى بين الحين والآخر، وكانت هي بدورها، رغم محاولاتها لإخفاء ذلك، تشعر بسعادة غريبة لوجوده هناك.

استمرت زيارات كريم للمخبز تتكرر مرة أو مرتين أسبوعيًا، تحت ذرائع مختلفة، حتى أصبحت أم كامل تدرك حقيقة ما يجري، لكنها، بحكمتها وطيبة قلبها، لم تشأ أن تتدخل أو تحذر سلمى، بل اكتفت بمراقبة هذه العلاقة الوليدة بقلق صامت، مدركة أن طريق هذا الحب، إن كان حبًا بالفعل، لن يكون مفروشًا بالورود في مجتمع تحكمه الفوارق الطبقية القاسية.

في إحدى الأمسيات، وبعد أن أغلقت أم كامل المخبز وانصرفت، وجد كريم نفسه وحيدًا مع سلمى للمرة الأولى، يجلسان على مقعد خشبي قديم أمام المحل، تحت ضوء قمر خافت. قال كريم بصوت هادئ: "سلمى، أشعر أنني أرتاح معك أكثر من أي مكان آخر في هذه المدينة، رغم كل الفخامة التي أعيش فيها."

نظرت إليه سلمى بعينين مترددتين، وقالت: "وأنا أيضًا... أشعر بشيء غريب حين أكون معك، لكنه إحساس يخيفني في الوقت نفسه."

سألها كريم برقة: "لماذا يخيفك؟"

أجابت وهي تنظر بعيدًا نحو الأفق المظلم: "لأننا نعيش في عالمين مختلفين يا كريم، وأنا أعرف نهاية هذه القصص في مجتمعنا. لا أريد أن أوذي نفسي، ولا أن أوذيك."

أمسك كريم بيدها للحظة، في لفتة عفوية جريئة، وقال بصدق: "دعينا لا نفكر في النهايات الآن، دعينا فقط نعيش هذه اللحظة."

لم تسحب سلمى يدها، بل تركتها بين يديه للحظات، شاعرة بدفء غريب يسري في جسدها، قبل أن تستدرك نفسها وتسحبها بلطف، قائلة: "يجب أن أعود إلى البيت الآن، أمي تنتظرني."

نهضت مسرعة، تاركة كريم يجلس وحيدًا، يراقب ظلها يبتعد في زقاق ضيق مضاء بمصباح واحد خافت، بينما كان قلبه يهمس له أنه، وللمرة الأولى في حياته، وقع في حب حقيقي لا علاقة له بالمصالح ولا بالمظاهر، حب بسيط وصادق، لكنه، كما تدرك سلمى جيدًا، حب قد يكلفهما الكثير قبل أن ينتهي.

* * *

في طريقها إلى البيت، مرت سلمى بجانب دكان صغير يبيع أدوات الخياطة، حيث كانت تجلس عادة إحدى جاراتها العجائز، الحاجة فوزية، تحيك الملابس للناس مقابل أجر زهيد. لاحظت الحاجة فوزية على وجه سلمى إشراقة غريبة، فقالت لها بابتسامة عارفة: "ما هذا النور الذي أراه على وجهك يا ابنتي؟ يبدو أن قلبك يخفي سرًا سعيدًا."

ارتبكت سلمى وحاولت أن تنكر، لكن الحاجة فوزية، بخبرتها الطويلة في قراءة ملامح الناس، قالت بحكمة: "احذري يا بنيتي، فالفرح إذا جاء من مكان غير معتاد، قد يجلب معه حزنًا مضاعفًا. لست أقول هذا لأثبطك، بل لأنني أحبك وأخاف عليك."

لم تجب سلمى، بل ابتسمت بامتنان صامت واستأنفت طريقها إلى البيت، وهي تفكر في كلمات الحاجة فوزية التي أصابت وترًا حساسًا في داخلها. وصلت إلى البيت فوجدت يوسف يقرأ كتبه المدرسية على ضوء مصباح خافت، فسألته: "كيف كان يومك يا يوسف؟"

رفع رأسه بابتسامة، وقال: "كان جيدًا يا سلمى، لكن الأهم، كيف كان يومك أنتِ؟ أراك اليوم مختلفة، تبتسمين كثيرًا."

ضحكت سلمى وربّتت على رأسه، وقالت: "ربما لأن الحياة بدأت تبتسم لي قليلًا يا أخي الصغير."

لم يسألها يوسف أكثر، لكنه لاحظ، بفطرة الأخ المحب، أن أخته تحمل شيئًا جديدًا في قلبها، شيئًا لم يعرف بعد إن كان سيجلب لها السعادة أم المتاعب.

في القصر الكبير، وبعد أن عاد كريم من جلسته مع سلمى، وجد صديقه المقرب هيثم ينتظره في صالة القصر، وهو الشاب الوحيد الذي كان يشاركه أسراره منذ الطفولة. لاحظ هيثم على وجه صديقه ابتسامة غريبة، فقال ضاحكًا: "من هي يا كريم؟ لم أرك بهذه السعادة منذ زمن طويل."

حاول كريم أن يتجنب الإجابة المباشرة، لكن هيثم أصر، فاعترف أخيرًا: "التقيت بفتاة استثنائية يا هيثم، لكن المشكلة أنها من حي باب النور، فتاة فقيرة تعمل في مخبز."

اتسعت عينا هيثم دهشة، وقال بجدية فجائية: "كريم، أنت تعرف طبيعة أمك، وتعرف أن عائلة الحاج فؤاد تنتظر إتمام خطبتك على ياسمين. هذا الأمر قد يجلب لك ولها الكثير من المتاعب إن علم أحد بأمره."

نظر كريم إلى صديقه بجدية، وقال: "أعرف كل هذا يا هيثم، لكن قلبي، للمرة الأولى، يشعر بشيء حقيقي، وأنا لا أريد أن أخنق هذا الشعور قبل أن أفهمه جيدًا."

هز هيثم رأسه بقلق، وقال: "فقط كن حذرًا يا صديقي، فالمدينة صغيرة، والألسنة كثيرة، وأمك لن تتهاون في أمر كهذا."

لم يرد كريم، لكنه شعر بثقل تحذير صديقه يستقر في صدره، وهو يدرك أن الطريق الذي بدأ يسلكه مع سلمى محفوف بمخاطر لا يستهان بها، لكنه، رغم كل هذا الإدراك، لم يجد في نفسه القدرة على التراجع.

وقف عند نافذة غرفته تلك الليلة، ينظر إلى أضواء المدينة المتناثرة، وفي ذهنه صورة سلمى وهي تبتسم في ضوء القمر الخافت، وتساءل بصدق مع نفسه: هل يملك الشجاعة الكافية لمواجهة كل هذا العالم من أجل قلب وجد فيه، لأول مرة، معنى حقيقيًا للسعادة؟ لم يجد جوابًا واضحًا تلك الليلة، لكنه أدرك أن قلبه قد اختار طريقه بالفعل، وأن العقل وحده لن يكون كافيًا لإيقافه. وبينما كانت المدينة تغرق شيئًا فشيئًا في سكون الليل، ظل كريم واقفًا هناك طويلًا، يشعر أن حياته، بعد اليوم، لن تعود كما كانت، وأن قصة جديدة قد بدأت فصولها الأولى دون استئذان منه.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • حب في زمن الفوارق   الفصل العشرون

    بعد أن هدأت كل العواصف، الداخلية منها والخارجية، شعرت العائلتان أخيرًا أنهما مستعدتان للانتقال إلى مرحلة جديدة من هذه الرحلة الطويلة: التحضير الفعلي لحفل الزفاف. جلس كريم وسلمى معًا في أحد الأمسيات الهادئة في حديقة القصر، يتحدثان بحماس عن الشكل الذي يريدان أن يكون عليه هذا اليوم المهم في حياتهما.قالت سلمى بابتسامة حالمة: "أريد زفافًا بسيطًا يا كريم، لا يشبه فخامة القصور التي اعتدتها، بل يجمع بين دفء أهل حينا وبساطتهم، وبين بعض لمسات الأناقة التي تليق بمكانة عائلتك أيضًا. أريده أن يعبر عن كلينا معًا، لا عن عالم واحد فقط." وافقها كريم بحماس، وقال: "هذا بالضبط ما أريده أيضًا يا سلمى، زفاف يجمع بين عالمينا بتناغم حقيقي، لا زفاف فخم يخفي وراءه فراغًا عاطفيًا كما كنت أتخيله في السابق قبل أن ألتقيك."اتفقا على أن يقام الحفل في حديقة كبيرة مستأجرة تتسع لأهل الحي بأكمله إلى جانب معارف وشركاء عائلة كريم، بديكورات بسيطة أنيقة تجمع بين الفخامة المتواضعة والدفء الشعبي الأصيل. تحمست الحاجة نبيلة لهذه الفكرة، وعرضت المساعدة في كل التفاصيل، لكنها هذه المرة حرصت على استشارة سلمى في كل خطوة، بدلًا من

  • حب في زمن الفوارق   الفصل التاسع عشر

    لم يمض وقت طويل حتى بدأت أخبار قصة المصنع القديم، رغم كل محاولات التعامل معها بهدوء وحكمة داخل العائلتين، تتسرب إلى خارج دائرتهما الضيقة. كان أحد الصحفيين المحليين، يُدعى وليد سرحان، معروفًا بمطاردته للفضائح المتعلقة بكبار رجال الأعمال في المدينة، قد سمع شائعات غامضة عن الموضوع من أحد معارفه، وبدأ يحقق بنفسه، حتى تمكن من الوصول إلى بعض التفاصيل، وإن كانت غير مكتملة أو دقيقة تمامًا.نشر وليد سرحان مقالًا مثيرًا في إحدى الصحف المحلية، بعنوان مثير للجدل: "شركة الوادي للتجارة تتستر على وفاة عامل منذ سنوات"، وتضمن المقال تلميحات وتخمينات أكثر مما يحمله من حقائق مؤكدة، لكنه أثار ضجة كبيرة في أوساط المدينة التجارية، وبدأ بعض الشركاء والعملاء يتصلون بالشركة قلقين من احتمال وجود فضيحة أكبر مما يظهر على السطح.شعر عادل، عم كريم، بقلق شديد من هذا التطور المفاجئ، واتصل بكريم غاضبًا: "كريم، ماذا يحدث؟ هذا المقال يهدد سمعة الشركة بأكملها في وقت حساس جدًا، ونحن نحاول توقيع صفقات كبرى مع مستثمرين أجانب! يجب أن نتصرف فورًا لاحتواء هذه الأزمة قبل أن تخرج عن السيطرة تمامًا."* * *جلس كريم مع والدته وعم

  • حب في زمن الفوارق   الفصل الثامن عشر

    في الأيام التالية، جلست عائلة سلمى بأكملها مع كريم والحاجة نبيلة لمناقشة تفاصيل التعويض والاعتراف الرسمي بما حدث. حين علم يوسف بالحقيقة كاملة، ثار غضبه بشدة في البداية، وقال بصوت مرتفع: "كل هذه السنين ونحن نعيش في فقر وحرمان، بينما كان يمكن أن نحصل على حقنا الكامل لو لم يتستروا على الحقيقة! كيف يمكن أن نثق بهذه العائلة بعد كل هذا؟"حاول كريم أن يمتص غضب يوسف بهدوء وصبر، وقال: "يوسف، أنت محق تمامًا في غضبك، وأنا أتفهمه كليًا. ما حدث كان ظلمًا فادحًا، لكنني أريدك أن تعرف أن والدي لم يكن على علم بأي من هذا، وأن من تستر على الحقيقة كان موظفًا واحدًا خائفًا على مستقبله الوظيفي. نحن الآن نحاول تصحيح هذا الخطأ بكل الطرق الممكنة، ولن أتوقف حتى تحصل عائلتك على كامل حقها."تدخلت سلمى بهدوء، وقالت لأخيها: "يوسف، أعرف أن غضبك مبرر، وأنا أيضًا شعرت بنفس الغضب حين عرفت الحقيقة أول مرة، لكن كريم ووالدته يحاولان الآن تصحيح هذا الظلم بصدق حقيقي، وهذا ما يهم في النهاية. الماضي لا يمكن تغييره، لكن يمكننا أن نبني مستقبلًا أفضل مبنيًا على الحقيقة والعدل." هدأ يوسف تدريجيًا بعد كلمات أخته، وقرر أن يمنح هذه

  • حب في زمن الفوارق   الفصل السابع عشر

    وصل كريم إلى المدينة البعيدة بعد رحلة طويلة، وسأل عن سامي حلمي حتى استطاع تحديد عنوانه، بيت متواضع في حي هادئ. طرق الباب، ففتح له رجل ستيني الملامح، بدت عليه علامات التعب والندم منذ اللحظة الأولى. قال كريم بأدب: "السلام عليكم، أنا كريم بن الحاج سليم، صاحب شركة الوادي للتجارة سابقًا مالكة مصنع الغزل والنسيج. أريد أن أسألك عن حادثة قديمة تتعلق بوفاة أحد العمال، يُدعى عبد الرحمن."تغير لون وجه الرجل فجأة، وبدت عليه علامات الارتباك الشديد، وقال بصوت مرتجف: "لماذا تسأل عن هذا الآن، بعد كل هذه السنين؟" أجاب كريم بصراحة: "لأن ابنة ذلك الرجل هي خطيبتي الآن، وأريد أن أعرف الحقيقة كاملة، من أجلها ومن أجل عائلتي أيضًا." تنهد سامي حلمي بعمق، وأدرك أن الوقت قد حان أخيرًا ليتخلص من عبء ثقيل حمله في ضميره طوال سنوات طويلة، فدعا كريم للدخول.جلسا في صالة بسيطة، وبدأ سامي حلمي يروي القصة كاملة بصوت مثقل بالندم: "في ذلك الوقت، كنت تحت ضغط شديد من إدارة الشركة المركزية لتحقيق أرقام إنتاج معينة، وكانت هناك آلة معطلة تحتاج لإصلاح يستغرق أيامًا، وهو ما كان سيؤخر الإنتاج ويعرضني لخصم من راتبي أو حتى فصلي من

  • حب في زمن الفوارق   الفصل السادس عشر

    في الموعد المتفق عليه، جاء الرجل المسن إلى المخبز في وقت مبكر قبل ازدحام الزبائن، ووجد سلمى بانتظاره بقلق واضح على وجهها، وقد أحضرت معها كريم الذي أصر على الحضور دعمًا لها مهما كانت طبيعة الحديث. جلسوا في ركن هادئ من المخبز، وقدمت أم كامل لهم الشاي قبل أن تنسحب بلباقة لتترك لهم الخصوصية.قال الرجل، الذي عرّف عن نفسه باسم الأسطى رشدي، بصوت مثقل بالذكريات: "يا ابنتي، منذ خمس سنوات، كنت مشرف الصيانة في مصنع الغزل والنسيج حيث كان يعمل والدك رحمه الله. في ذلك اليوم الذي توفي فيه، كانت هناك آلة معطلة منذ أسابيع، وكنا قد أبلغنا الإدارة مرارًا بضرورة إصلاحها لأنها تشكل خطرًا حقيقيًا، لكن الإدارة تجاهلت تحذيراتنا لتوفير تكاليف الصيانة."شعرت سلمى بقلبها يتسارع، وقالت بصوت مرتجف: "تقصد أن وفاة والدي كانت بسبب إهمال متعمد؟" أومأ الأسطى رشدي برأسه بحزن، وتابع: "نعم يا ابنتي، وما يزيد الأمر مرارة أن الإدارة، خوفًا من المساءلة القانونية والتعويضات، تكتّمت على تفاصيل الحادث، وسجلته كحادث عادي ناتج عن خطأ بشري من والدك نفسه، لتتنصل من مسؤوليتها القانونية والمالية تجاه عائلته."شعر كريم بصدمة عميقة وه

  • حب في زمن الفوارق   الفصل الخامس عشر

    جاء يوم حفل الخطوبة الرسمي أخيرًا، وتحولت حديقة قصر آل سليم إلى مشهد بهيج مزين بالورود البيضاء والأضواء الذهبية، في مزيج نادر بين فخامة القصر ودفء البساطة التي أصرت الحاجة نبيلة على أن تكون حاضرة تكريمًا لعائلة سلمى. حضر الحفل كبار الحي إلى جانب أقارب العائلتين وشركاء الشركة، في مشهد لم يخطر ببال أحد قبل أشهر قليلة أن يتحقق بهذا الشكل المتناغم.ارتدت سلمى فستانًا أنيقًا بسيطًا اختارته بنفسها من محل صغير في الحي، رافضة بأدب عرض الحاجة نبيلة إحضار مصممين من العاصمة، قائلة إنها تريد أن تحتفظ بجذورها البسيطة حتى في أسعد لحظات حياتها. أعجبت هذه اللفتة الحاجة نبيلة كثيرًا، وقالت لها وهي تساعدها على ارتداء عقد كان قد أهدته لها جدتها: "هذا العقد كان لجدة كريم، وأريدك أن ترتديه اليوم يا ابنتي، فأنتِ أصبحت جزءًا حقيقيًا من هذه العائلة."وقف كريم بجانب سلمى أمام الحضور، وقدّم لها خاتم الخطوبة بيد ترتجف من شدة السعادة، بينما كانت أضواء الكاميرات تلتقط تلك اللحظة التي طال انتظارها. ألقى كريم كلمة مؤثرة قال فيها: "أشكر الله أولًا، ثم أشكر كل من ساندنا في هذه الرحلة، وأخص بالذكر أمي التي وجدت الشجاع

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status