All Chapters of بقايا ملوك الليل: Chapter 11 - Chapter 20

96 Chapters

11

شهقت، لم تصرخ، لكنها شعرت بانقباضٍ في صدرها لا يمكن تفسيره.ضغطت الورقة بيدها، تمتمت لنفسها:ـ ما الذي تحاول فعله، يا ميغيل؟… هل ستأخذها إليهم حقًا؟ هكذا؟ هل ستسلمها لتلك المرأة؟ أم أنك تريد أن تنتقم منها عبر إريسا؟ لتحرق قلبها كما أحرقت قلبك؟عيناها امتلأتا بالريبة، والورقة لا تزال بين أصابعها، لكن عقلها بدأ يعمل بسرعة. طوت الرسالة مجددًا، دفعتها في جيب ثوبها، ثم أعادت ترتيب المكتب كما كان، وأخفت كل أثر.فتحت الباب بهدوء، وكان أندريس لا يزال واقفًا هناك، عينيه تشتعلان.نظر إليها بسرعة، وقال بانفعال:ـ تكلمي… ما الذي يحدثلكنها لم تُظهر شيئًا. ردّت عليه بصوت ثابت، هادئ كمن يحاول تهدئة البحر في داخله:ـ والدك… فقط يقوم باختبار لإريسا. أراد أن يعرف… هل تريد البقاء، أم الرحيل؟ لا تقلق، إن كانت تودّ البقاء، ستعود. وإن اختارت الرحيل، فذلك قرارها.ثم أضافت، وهي تغلق الباب خلفها:ـ لقد بلغت الثامنة عشرة، لم تعد قاصرة. والدك لم يعد له الحق في أن يتحكم بمصيرها. هذا كل ما في الأمر… لا داعي للقلق.قالتها، لكنها لم تصدق نفسها، ولا نظرات ابنها. كان في عينيها كذب ناعم… وكانت في جيبها الحقيقة.غادرت
last updateLast Updated : 2026-07-25
Read more

12

وابتسم ابتسامة جانبية باردة وقال:ـ لكن... يمكنكِ أن تصبحي زوجة ابني.كأن الأرض زلزلت تحت قدميها، كأن الجدار الذي ظنت أنه يحميها انقلب عليها. نظرت إليه، لم تكن تعرف كيف تتنفس، كيف تعترض، كيف تهاجم. ارتجفت، وبدون أن تنبس بكلمة، بعد مدة طويلة دفعت باب السيارة وخرجت.الخارج لم يكن أكثر رحمة. كانت وحدها، والهواء البارد يلسع وجهها. تذكّرت كل كلمة قالها ميغيل منذ لحظات، وكل جملة كانت كصفعة:"إن لم توافقي، قفي هناك... سترين سيارات الملثمين مستعدة لأخذك."هزّت رأسها بتردد، بعينين تائهتين، ثم همست، وكأنها تخاطب نفسها:ـ وإن وافقت على الزواج...؟جاءها صوت ميغيل من خلف الزجاج المفتوح، واضحًا، حاسمًا:ـ اذهبي هناك، بجانب ذاك الكرسي. افتحي الحقيبة، ارمِ المال، وخذي السلاح. أطلقي النار على أول شخص يقترب منك. حينها فقط، سأعلم أنك اخترتِ أن تصبحي زوجة ابني... وسأقاتل من أجلكِ، واحدًا تلو الآخر.اللحظة التالية كانت بطيئة، كأن الزمن قرر أن يتوقف ليراقب قرارها.نظرت أمامها، ورأت بالفعل رجالًا يقتربون، وجوههم مخفية، خطواتهم لا تحمل نية السلام. تقدمت نحو الكرسي كما قيل لها. يداها ترتجفان وهي تفتح الحقيبة،
last updateLast Updated : 2026-07-25
Read more

13

رفع عينيه إلى والده، وصوته يخرج ممتزجًا بالدهشة والغضب: ـ هل تفهم ما تقوله؟! خرجتَ بها بتلك الطريقة، والآن تقول إننا سنتزوج؟ ما الذي يحدث بحق الجحيم؟ لكن ميغيل لم يُظهر أي انفعال، بل أجابه بنفس بروده المعتاد: ـ أعلم أن الأمر لم يكن سهلًا عليك. لكن أعدك... عندما يحين الوقت، سأشرح لك كل شيء. فقط... جهز نفسك. ظل أندريس واقفًا، ينظر إلى والده نظرة مختلطة، لا تشبه أي شعور آخر. كان يعلم أن والده لا يتكلم دون سبب، لكنه هذه المرة بدا كمن يخوض حربًا داخلية، معركة لا يراها أحد غيره. للمرة الأولى، رأى أندريس تعَب والده، في نبرة صوته، في وقفته. لم يشأ أن يزيد عليه حملًا آخر، فاختار الصمت، وتركه يغادر دون كلمة. دخل ميغيل إلى مكتبه. كان يعرف ما ينتظره، لم تكن الحرب فقط خارج هذه الجدران. كان هناك أيضًا جبهة أخرى... في الداخل. جلست إسبرنسا، زوجته، على الأريكة، سيجارة بين أصابعها المرتجفة، والدخان يتصاعد أمام وجهها المتوتر. رفع حاجبيه، وقفل الباب خلفه بهدوء، ثم قال:
last updateLast Updated : 2026-07-26
Read more

14

أندريس كان يقف أمام الباب، يطرق بلطف، ينتظر منها حتى صوتًا صغيرًا، لكنها لم تجب. بقي واقفًا لدقائق، ثم انصرف، يحمل في قلبه ثقلًا لا يعرف كيف يضعه. في الجهة الأخرى من المزرعة، جلس تياجو وحيدًا. كان يراقب من بعيد، يتنهد بصمت. يعرف أنه سيخسر، وأن إريسا... التي أحبها بصمت منذ الطفولة، ستبتعد أمام عينيه. لكنه لم يُفصح عن شيء، ولم يشأ أن يُحمّل قلبها عبء اعترافه. مع حلول الليل، وصل عقد زواج إريسا وأندريس إلى يد ميغيل. كانت إسبرنسا قد أعدّت حفلًا صغيرًا في إحدى زوايا البيت، دون ضجيج، دون ضيوف، فقط تلك الدائرة الضيقة التي تتحرك فيها القصة منذ سنين. ارتدى ميغيل بدلته السوداء الأنيقة، وقف أمام المرآة لثوانٍ، كأنه يجهز نفسه لمعركة لا لحفل. أندريس بدوره ارتدى بذلته، نظراته شاردة، أما تياجو فبقي صامتًا، ملامحه تحمل ثقل كل ما لم يُقال. إسبرنسا اختارت فستانًا بسيطًا، لون هادئ، كأنها تحاول أن تخفف من حدة المناسبة. أما إريسا، فبقيت صامتة طوال الوقت. كانت إسبرنسا هي من جهّزتها، وساعدتها في ارتداء فستان الزفاف، لكن إري
last updateLast Updated : 2026-07-27
Read more

15

وفي إحدى الزوايا المعزولة من البيت الكبير، جلس ميغيل وحده، كأسه نصف ممتلئ، والذكريات ممتلئة حدّ الانفجار. أمامه، لا أحد، لكنه كان يتحدث... كأن أحدًا ما يردّ عليه. ـ أنت تعرف، كريم... أني لن أسمح لها بالذهاب لتلك المرأة، مهما كلف الأمر. وسأنتقم لك... بطريقتي. توقف لحظة، وحدّق في الفراغ، ثم أكمل، صوته أضعف من العادة: ـ لم أظن يومًا أني سأشتاق لك بهذا الشكل... اشتقت لصوتك، لنظراتك، لكل حديث لم نكمله. في الركن البعيد من الغرفة، كأن خيال كريم مرّ أمامه للحظة... بابتسامة صامتة. لم يتكلم، فقط راقبه كأنه يطمئنه أنه يسمعه... قبل أن يتلاشى في الظلال. في الجناح الآخر من البيت، كانت غرفة أندريس وإريسا غارقة في توتر ثقيل. الباب أُغلق خلفهما، لكن لا دفء ولا راحة في الداخل. إريسا جلست على طرف السرير، ذراعاها مكتوفتان، نظراتها بعيدة وباردة. أندريس وقف للحظات، يراقبها بصمت، ثم اقترب بخطوات خافتة، كأنه لا يريد أن يوقظ الجرح. قال بهدوء، بصوت فيه شيء من الاندهاش: ـ لم أفكر يومًا... أنا وأنت س
last updateLast Updated : 2026-07-28
Read more

16

ترك والده خلفه، يراقب الفراغ كما كان منذ البداية، لكن هذه المرة، بدا في عينيه شيء يشبه الهزيمة. رفع ميغيل نظره إلى السماء، كأنما يخاطب أحدًا لا يُرى، وقال بهدوء: ـ يبدو أن ابنتك، يا كريم... تمارس طقوسها على ابني. زُرها في أحلامها، وقل لها أن ترأف بقلبه. فهو ما زال مبتدئًا... في العلاقات. ثم رفع الكأس، وارتشف منه جرعة صغيرة... كأنها وداع. كان الليل ثقيلاً في المزرعة، لا يُسمع فيه سوى صوت الرياح المتسللة من بين الأشجار. وفي المطبخ، جلس أندريس أمام الطاولة الخشبية، يسكب الكأس تلو الأخرى. الشراب يهبط في حلقه كما لو أنه يحاول أن يُغرق ما لا يُغرق. نظراته كانت تائهة، زجاجة الشراب نصفها قد اختفى، وأفكاره كانت تطوف حول إريسا، حول الليلة، حول جملتها الأخيرة، التي ما زالت تُدوّي داخله. لم يكن يعلم إن كان يشعر بالخذلان، أو الحنين، أو الهزيمة. كل ما عرفه أن قلبه موجوع، والشراب وحده يُخدره مؤقتًا. بعد وقت، نهض مترنحًا قليلًا، وسحب خطواته إلى غرفته، كان ثملًا، لكن ليس بما يكفي لينسى طريقه. فتح الباب بهدوء، ووجد إريسا نائمة في السرير، ملف
last updateLast Updated : 2026-07-29
Read more

17

أندريس لم يعد... ولم يدخل غرفتهما منذ خرج صباح الأمس غاضبًا. تقلّبت كثيرًا، كلما حاولت إقناع نفسها أنه سيعود، كانت الريبة تسرق النوم من عينيها. الليل يمر بطيئًا، كأن الساعات ترفض أن تنتهي. مع أول ضوء للشمس، فتحت باب غرفتها. لم تكن معتادة على الاستيقاظ مبكرًا، لكن هذه المرة شيء ما دفعها للوقوف، للبحث. كانت ترتدي رداءً خفيفًا، وخطاها تتردد في الممرّ، كأنها تخشى أن تجد ما لا تريده. في المطبخ، وجدت تياجو واقفًا، يشرب قهوته ويقلب بعض الأوراق على الطاولة. التفت إليها فور أن لمحها، وابتسم بلطف: ـ عادة لا تستيقظين في هذا الوقت. أجابت، وصوتها مشوش كأفكارها: ـ فقط... لأن بالي مشوّش. تعلم، حدثت الكثير من الأمور... وأنا أفكر في كل شيء دفعة واحدة. أومأ تياجو برأسه، وقال بنبرة موافقة: ـ معك حق. أحيانًا... كل شيء يحدث دفعة واحدة. ويجب أن نكون دائمًا مستعدين. صمت قصير بينهما، ثم نظرت إليه وسألته بقلق: ـ هل رأيت أندريس؟ لم يعد منذ البارحة... لم يدخل الغرفة حتى. ظهرت علامات الاستغراب على وجه
last updateLast Updated : 2026-07-30
Read more

18

ثم أنهى الاتصال ببطء، وكأن العرض كله كان موجهًا إليها. نظر إلى إريسا من جديد، ملامحه لم تفقد ذلك البرود المسيطر، وقال: ـ هل بدأت تشتاقين لزوجك... من أول يوم؟ يبدو أن الزواج جعلك أكثر ارتباطًا مما توقعت. نظرت إليه إريسا، نظرة جامدة، لا رد فيها ولا ابتسامة. لم تكن معنية بمزاحه، ولا بإثبات أنه يسيطر على المشهد. عيناها لم ترتبكا، فقط رمقته بنظرة حادة، ثم استدارت وغادرت دون أن تنطق بكلمة. في قلبها، لم يطمئنها الاتصال، بل زاد من الأسئلة. أندريس بخير؟ نعم. لكن صوته كان عاديًا أكثر من اللازم. ميغيل؟ كان يتحكم في المشهد كأنه يُخفي ما لا يُقال. خرجت من المكتب، والباب يغلق خلفها بصمتٍ ثقيل. جلست إريسا على طرف السرير، يداها تعبثان في خصلات شعرها بانفعال. عينها معلقة على الفراغ، وعلى الرغم من مكالمة ميغيل مع أندريس، لم تستطع التخلص من شعور خفي يزحف إلى صدرها، شيء أقرب للخذلان. همست لنفسها بمرارة وهي تنهض من مكانها وتبدأ في ترتيب أوراق على المكتب الصغير: ـ وأنا التي ارتعبت عليه... وهو في مكان ما يستمتع بوقته، ذلك الغبي. سحبت من الدرج دفترًا قديمًا، جلست أمامه وبدأت في رسم خطوط وأف
last updateLast Updated : 2026-07-31
Read more

19

لكن قلبها لم يكن معها... لم يكن يومًا. فقد فات الأوان. ومع كل يوم، كانت تسعى لاستبدال الألم بالحقيقة. الحقيقة التي بدأت تبحث عنها بجدية، تنبش خلف الستائر المغلقة لما جرى لوالديها، وتُحاول أن تربط خيوط المؤامرة التي طمست ماضيها. وسط هذا المسار، وجدت هي وتياجو طريقًا مشتركًا. لم يكن طريقًا مشروعًا، لكنه كان وسيلتهما الوحيدة لتمويل بحثهما وحياتهما الجديدة. عملا معًا في تزوير الهويات... تجارة سرية، مربحة، لكنها محفوفة بالخطر. أصبحا ثنائيًا ماهرًا، يعرفان كيف يغطّيان آثارهما جيدًا. وفي صباحات هادئة، يتفرق كلٌّ منهما إلى طريقه تياجو التحق بكلية علوم الحاسوب والأمن السيبراني، بينما اتخذت إريسا قرارًا مختلفًا، أن تصبح محامية. ربما لتدافع عن نفسها يومًا، أو لتعرف أين تبدأ العدالة وأين تنتهي. سنوات مرّت. تخرّج كلٌّ منهما، وكان ذلك اليوم كما حلمت به مرارًا... أو هكذا ظنّت. طلبت من تياجو أن يذهبا للسهر. كانت بحاجة إلى ليلة تنسى فيها من تكون، وما تخبئه ذاكرتها من حزن. وافق تياجو على الفور، وكأنه ينتظر هذا العرض منذ زمن. كان الليل قد أرخ
last updateLast Updated : 2026-08-01
Read more

20

وضعت الكأس بقوة على الطاولة، وأجابت:"أعلم أن ميغيل أطعمنا، ألبسنا، علّمنا، لكن... لا أستطيع قولها، لا أستطيع قول إنه 'رباني'. لقد عاملني ككلبه في خارج منزله... لو كان والدي ووالدتي معي، كنت سأكون سعيدة اليوم..."خفضت صوتها، وهمست:"أعلم أنك تتجنب الحديث عنه، لأنه أيضًا أنقذك بعد موت والدتك، لكني أقسم أني لم أتخيل هذا اليوم أبدًا...لقد أغمضت عيني في ذلك الحريق، وسمعت الطلقة... الطلقة التي قتلت أمي ميغيل سيبقى الوحش في قصتي، مهما حاول الجميع تبريره."ساد صمت ثقيل قبل أن يسألها تياجو بنبرة قلقة:"مرت سنين طويلة، لو كان يريد التخلص منك، كان سلّمك لعصابة الملثمين منذ زمن... فلماذا لم يفعل؟"هزّت رأسها وقالت:"لا أعرف. أنا أبحث عن الجواب منذ سنوات، ولا أجد إلا جدرانًا من الصمت. إما أن تلك العصابة تريدني لأمرٍ لا أفهمه... أو أن ميغيل يتلاعب بي، يبقيني تحت عينه بحجة الحماية، في حين أن الخطر الحقيقي... هو هو."نظرت إليه بحدة وتابعت:"طفح الكيل. يجب أن نغادر، أنا وأنت. نبدأ حياتنا بعيدًا عن ظله، عن قوانينه، عن هذه اللعبة الكبيرة التي لا نعرف قواعدها."
last updateLast Updated : 2026-08-01
Read more
PREV
123456
...
10
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status