All Chapters of عقدي مع شيخ القبيلة : Chapter 1 - Chapter 6

6 Chapters

الفصل 002

مرّت ساعات الصبح، وانخفض قرص الشمس في صفحة السماء، يلملم ضوءه ويسحب دفأه عن بقاع المدينة.خرج الوليد من بوابة قلعة إيروم الحجرية العالية بعد ساعاتٍ طوالٍ من التفاوض، وقد استقر الأمر أخيرًا على السلام بين الطرفين.ما إن رآه سعد، صديقه وقائد حرسه، يخرج من القلعة حتى تنهّد براحةٍ وأسرع نحوه: "ماذا حدث بالداخل؟ ظننتك في مأزق."ابتسم الوليد لصديقهُ الوفي وربّت على كتفه: "لا تقلق، جرت الأمور كما دعونا الله بها. فقط... كان هناك شيءٌ آخر."حدّق سعد به، لكنه لم يسأل عن ذلك الأمر الآخر؛ فإن أراد الوليد أن يبوح به فسيقول من غير أن يُسأل.سار الوليد برجاله في ربوع المدينة نحو أسوارها، لم يكد يطأ عتبة المدينة حتى استوقفه المشهد؛ صفوفٌ من الأهالي المنهكين يتراصّون على جانبي الطريق، عيونهم غائرة، ووجوههم شاحبة من أثر الحصار الطويل الذي فرضته الحرب على أسوار إيروم.نظر الوليد إلى الأطفال الحفاة الذين يتشبثون بأثواب أمهاتهم، ورأى في عيونهم بريقًا من الأمل الحذر، فأحسّ بثقل في صدره لم يعهده من قبل. أطفالٌ جياعٌ، ونساءٌ منهكاتٌ عاجزاتٌ عن إرضاع رضّعهنّ. التفت إلى قائد حرسه وقال بصوتٍ خفيض لكنه حازم:
last updateLast Updated : 2026-08-24
Read more

الفصل 003

مرّت أيامٌ على تلك الليلة الغريبة، أيامٌ حملت بين طياتها مفاوضاتٍ متكررة بين معسكر الوليد وقصر والد أناستاسيا، حتى استقر الأمر أخيرًا على هدنةٍ تُنهي الحصار الطويل الذي أنهك المدينة. وبينما كانت الشمس لا تزال تتسلق أطراف الأفق، تحرّك الوليد بن هاشم نحو قلعة إيروم لتوقيع معاهدة السلام. رافقه صديقاه المقرّبان؛ سعد قائد المشاة، ذو الجسم المفتول والنظرة الحازمة، وزيد قائد الرماة، الأهدأ طبعًا والأدقّ ملاحظة بينهما. سارا خلفه على جواديهما وهما يتبادلان أطراف الحديث عن الليلة الماضية، وعن ذلك الاستقبال الغريب الذي لم يخلُ من ريبة. قال سعد وهو يمسح الغبار عن درعه: "لا أثق بهذا الهدوء يا وليد. الحاكم الذي فقد ابنه بالأمس لا يستقبل قاتل جنوده بهذه السهولة." فأجاب الوليد بثقة: "لست هنا لأخادعه، ولا هو من يظن أنه سيخادعني. جئنا لنُنهي حربًا، لا لنبدأ أخرى." وصلوا إلى القلعة، فوجدوا الحاكم في انتظارهم عند باب القاعة الكبرى، وقد ارتدى حلّته الرسمية، ووقف بجانبه كاتب البلاط يحمل وثيقة المعاهدة. تبادل الطرفان التحية بحذرٍ متبادل، ثم دخلوا القاعة حيث فُرشت الطاولة بالخرائط والأختام. وبعد أن وق
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الفصل 004

مع اقتراب الغسق، وحين أدرك الوليد أن جسد زوجته الجديدة لن يحتمل مواصلة السير، أمر رجاله بنصب المخيم في ذلك المكان المنبسط بين الكثبان. اختار سعد موضعًا مرتفعًا قليلًا عن مسار القافلة، وأمر الجند بنصب خيمة منفردة هناك، بعيدة بمسافة كافية عن باقي الخيام، احترامًا لخصوصية زوجة قائدهم الجديدة. عمل الرجال بسرعة ومهارة اعتادا عليها من كثرة الترحال، فارتفعت الخيمة في دقائق، وفُرشت أرضها بالسجاد الصوفي الذي أرسلته الدعجاء، أخت الوليد، مع القافلة، تلك السجاجيد التي نسجتها بيدها لأخيها. تحرّك الجنود بسرعة ونظام، فنُصبت الخيام في دوائر متتالية، وأُشعلت النيران لطرد برد الصحراء الذي يعقب حرّها اللاهب. حرص الوليد على أن تُنصب خيمة زوجته بعيدًا قليلًا عن باقي المعسكر، في موضعٍ هادئ يكفل لها الخصوصية والراحة، وأمر بألا يقترب منها أحد من الجند إلا بإذنه. نفّذ الرجال أمره باحترام واضح، فقد عرفوا قائدهم رجلًا لا يُكرّر أوامره مرتين. جلس الوليد بعيدًا عن الخيمة، عند شبة نارٍ أوقده سعد وسط دائرة من الحجارة، وانضم إليه زيد بعد أن أنهى تفقّد الحرس المكلّفين بحماية القافلة طوال الليل. مدّ الثلاثة أيديه
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الفصل 005

جلست أناستاسيا طويلًا أمام صحن الحليب، والزجاجة الصغيرة بين أصابعها المرتجفة. أغمضت عينيها، واستحضرت وجه أخيها الغائب، وصوت أمها الآمر، ونظرة أختها الحازمة، ثم فكّت سدادة الزجاجة بحركة سريعة، وأسقطت قطرة واحدة في صحن الحليب المهيّأ بجانب الفراش، قبل أن تُخفي الزجاجة من جديد بين طيات ثوبها. خرجت من الخيمة بخطوات مترددة، فوجدت الوليد جالسًا قريبًا من المدخل، مسندًا ظهره إلى سرجه، يراقب النجوم المتناثرة في سماء الصحراء الصافية. التفت إليها حين سمع حفيف الثوب، فنهض واقفًا باحترام. قالت أناستاسيا وهي تمدّ إليه الصحن: "لا أشرب الحليب... خذه أنت، فلا يليق أن يُهدر." ابتسم الوليد ابتسامة هادئة، وتناول الصحن من يدها بحذر ألا تلامس أصابعه أصابعها: "شكرًا لكِ. لم أكن أعلم أنكِ لا تحبينه، وإلا ما أحضرته لكِ." ثم رفع الصحن إلى شفتيه وشربه على ثلاث دفعات، وهو يبتسم لها ابتسامة امتنان صادقة. وقفت أناستاسيا مسمّرة في مكانها، تراقبه للحظة طويلة، وقلبها يخفق بعنف بين موجتين متضادتين؛ ندمٍ يتسلل إلى صدرها كالسكين، ورغبةٍ في الانتقام لا تزال تشدّها من الخلف. لم تجد ما تقوله، فأومأت برأسها بصمت،
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more

الفصل 006

اشتد التعب على أناستاسيا مع تقدّم الليل، فبدأت تتمايل قليلًا فوق صهوة الحصان رغم قبضتها المتشبثة بثوب الوليد. أحسّ الوليد بذلك التمايل غير المعتاد، فالتفت برأسه سريعًا، ورأى وجهها شاحبًا يتصبب عرقًا رغم برودة الليل، فأدرك على الفور أن الأمر أخطر من مجرد تعب سفر. رفع يده وصاح بصوتٍ حازم: "قفوا!" توقف الموكب بأكمله، فترجّل الوليد مسرعًا، وحمل أناستاسيا بين ذراعيه بلطف، ووضعها على فراشٍ فُرش على عجل فوق الرمال. استدعى سعد وزيد على الفور، وقال بصوتٍ لا يخفي قلقه: "الحمّى وصلت إليها. لا يمكننا مواصلة السفر في هذه الحال، ولا يمكننا البقاء هنا دون حماية كافية." فكّر سعد للحظة، ثم قال: "لم يبقى الكثير، قبيلتنا تبعد أقل من يوم من هنا. ألا يمكنها التحمل؟" أمر الوليد بحزم: "لن أجبرها على مشاقة السفر وهي بهذا الضعف وجسدها يقاوم المرض." بعد برهة من التفكير أضاف الوليد بصرامة: "أكمل أنت المسير يا سعد، وخذ معك أغلب الرجال والعودة بهودجٍ مناسب لتُحمل عليه أناستاسيا براحة أكبر، فلا تتعب من ركوب الخيل في حالها هذه." واسترسل محركًا كفه على جبين أناستاسيا: "سيبقى معي زيد وبعض الرجال ه
last updateLast Updated : 2026-08-26
Read more
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status