FAZER LOGINجلست أناستاسيا طويلًا أمام صحن الحليب، والزجاجة الصغيرة بين أصابعها المرتجفة.
أغمضت عينيها، واستحضرت وجه أخيها الغائب، وصوت أمها الآمر، ونظرة أختها الحازمة، ثم فكّت سدادة الزجاجة بحركة سريعة، وأسقطت قطرة واحدة في صحن الحليب المهيّأ بجانب الفراش، قبل أن تُخفي الزجاجة من جديد بين طيات ثوبها. خرجت من الخيمة بخطوات مترددة، فوجدت الوليد جالسًا قريبًا من المدخل، مسندًا ظهره إلى سرجه، يراقب النجوم المتناثرة في سماء الصحراء الصافية. التفت إليها حين سمع حفيف الثوب، فنهض واقفًا باحترام. قالت أناستاسيا وهي تمدّ إليه الصحن: "لا أشرب الحليب... خذه أنت، فلا يليق أن يُهدر." ابتسم الوليد ابتسامة هادئة، وتناول الصحن من يدها بحذر ألا تلامس أصابعه أصابعها: "شكرًا لكِ. لم أكن أعلم أنكِ لا تحبينه، وإلا ما أحضرته لكِ." ثم رفع الصحن إلى شفتيه وشربه على ثلاث دفعات، وهو يبتسم لها ابتسامة امتنان صادقة. وقفت أناستاسيا مسمّرة في مكانها، تراقبه للحظة طويلة، وقلبها يخفق بعنف بين موجتين متضادتين؛ ندمٍ يتسلل إلى صدرها كالسكين، ورغبةٍ في الانتقام لا تزال تشدّها من الخلف. لم تجد ما تقوله، فأومأت برأسها بصمت، وعادت أدراجها إلى الخيمة، تاركة خلفها قلبًا مثقلًا بأسئلة لا تجرؤ على مواجهتها. في عمق الليل، وبينما كان النوم يراودها دون أن يستقر، سمعت أناستاسيا همسًا خافتًا يتسلل من خارج الخيمة. أصاختْ السمع بحذر، ثم زحفت ببطء نحو الستار، وأطلّت من فتحة صغيرة بينه وبين الأرض. رأت الوليد جالسًا في العراء، قد سجد على الرمال الباردة، يرفع يديه بين الحين والآخر، ويهمس بصوتٍ خاشع: "اللهم انصر المسلمين، واجعل كلمتك هي العليا، وأعزّ دينك في كل بقعة من هذه الأرض... اللهم احفظ من معي، واغفر لي ما قصّرت فيه من حق رعيتي." تعجّبت أناستاسيا في نفسها؛ فالمعسكر بأكمله غارق في سبات عميق، ولا حركة تُسمع سوى صهيل خافت من الخيول بين الحين والآخر، بينما هو وحده مستيقظ، يقف بين يدي إلهه في جوف الليل، لا يعلم به أحد، ولا ينتظر من أحد ثناءً. تساءلت في داخلها: أهذا هو الرجل الذي أرادت أمها وأختها أن تراه عدوًّا لا يستحق الرحمة؟ لم تجد جوابًا، فتراجعت بهدوء إلى فراشها، وقلبها أثقل مما كان. قبيل بزوغ الفجر، بدأ المعسكر يدبّ فيه الحركة. استيقظ الجنود واحدًا تلو الآخر، وتيمم من لم يجد ماءً كافيًا وسط الصحراء، يمسحون بالتراب النظيف وجوههم وأيديهم بخشوع. ثم ارتفع صوت زيد، الجهوريّ الرخيم، يشقّ سكون الفجر بالأذان، فتوقّف كل شيء للحظات، وكأن الصحراء بأكملها أنصتت معه. بعد الصلاة، توجّه الوليد نحو الخيمة، فدخل بهدوء، وتفاجأ بأناستاسيا مستيقظة، جالسة على فراشها، وعيناها لا تزالان مثقلتين بالسهر. لم يسألها عن سبب أرقها، ولم يوجّه إليها لومًا، بل اقترب بخطوات هادئة وقال بصوتٍ دافئ: "صباح الخير. أرجو أنكِ ارتحتِ ولو قليلًا. إن كان الأرق يزورك، فلا بأس، الطريق أمامنا لا يزال طويلًا، وسنتوقف كلما احتجتِ." هزّت أناستاسيا رأسها بصمت، فأكمل الوليد: "بإذن الله سنستأنف المسير بعد قليل. أستأذنكِ في التجهّز." خرج تاركًا إياها تتأمل كلماته الهادئة، وشيئًا في صدرها بدأ يتزعزع دون أن تفهم سببه. تحرّك الموكب مع أولى خيوط الشمس، يقطع الصحراء الممتدة نحو الشمال الشرقي، حيث تقع أرض القبيلة. سار الوليد صامتًا معظم الطريق، لكن عينيه كانتا تعودان بين الحين والآخر إلى ملامح أناستاسيا الشاحبة خلفه، فيلاحظ إرهاقها الذي لم يفارقها منذ الليلة الماضية. قبل الظهيرة، لاحت في الأفق خيام متناثرة تنتمي إلى قبيلة صغيرة صديقة، تقع على مسافة يومٍ واحد من موطن الوليد. فكّر الوليد في زوجته المتعبة، وقرر أن يمنحها ليلة راحة حقيقية بعيدًا عن وعثاء السفر، فأشار إلى سعد وزيد بالتوجّه نحو القبيلة للمبيت فيها ليلة واحدة. استُقبل الموكب بحفاوة، وأُعدّت لهم خيمة كبيرة مفروشة، وطعامٌ ساخن بعد أيام من التمر والزاد الجاف. ابتسمت أناستاسيا للمرة الأولى منذ رحيلها عن إيروم وهي ترى وجوهًا ودودة تستقبلها بترحاب، وشعرت للحظات أن ثقل السفر بدأ يخفّ عن كاهلها. لكن بعد ساعات قليلة، بدأ الوليد يلاحظ أمرًا مقلقًا؛ عددًا من رجال القبيلة يرقدون في خيامهم، تعلوهم حمّى شديدة، ووجوههم شاحبة تتصبّب عرقًا رغم برودة الجو. استدعى شيخ القبيلة سعد على انفراد، وأخبره بصوت مثقل بالقلق: "يا بني، يسُرّني استقبالكم في بيوتي وأن أتقاسم معكم القوت. لكن كما ترى، إن حمّى غامضة تفتك بقبيلتي منذ أسبوع، حصدت أرواح عدد من كبار السن والأطفال، ولا يعرف لها الأطباء سببًا ولا علاجًا. وأخشى عليكم الضرر من أهلي." أحترم سعد صراحة الشيخ، دعى لقبيلته بالشفاء ثم أسرع إلى الوليد بالخبر، فتجهّم وجه القائد على الفور، وقال بحزم: "لا يمكننا المخاطرة بالبقاء هنا لحظة أخرى. جهّزوا الرحيل فورًا." نظر إلى أناستاسيا التي كانت تجلس قريبًا، غير مدركة لخطورة الأمر، وقال لها بلطف ممزوج بالقلق: "سنغادر الآن يا أناستاسيا. أعلم أنكِ بحاجة إلى الراحة، لكن هذا المكان لم يعد آمنًا." هزّت رأسها بثقة، رغم أنها شعرت بشيء من الدوار الخفيف الذي أرجعته إلى تعب السفر لا أكثر. غادر الموكب القبيلة قبل غروب الشمس بقليل، مسرعًا نحو موطن الوليد، آملًا أن يكون قد غادر في الوقت المناسب. لكن مع تقدّم الليل، بدأت أناستاسيا تشعر بصداع حادّ يتصاعد خلف عينيها، وبرودة تسري في أطرافها رغم دفء العباءة الصوفية التي التفّت بها. حاولت أن تكتم الأمر، خشية أن تُثقل على الجميع، لكن جسدها بدأ يخونها شيئًا فشيئًا، وارتفعت حرارتها دون أن يدري أحد بعد أن الحمّى القاتلة التي فتكت بتلك القبيلة الصغيرة، قد وجدت طريقها إليها هي الأخرى.اشتد التعب على أناستاسيا مع تقدّم الليل، فبدأت تتمايل قليلًا فوق صهوة الحصان رغم قبضتها المتشبثة بثوب الوليد. أحسّ الوليد بذلك التمايل غير المعتاد، فالتفت برأسه سريعًا، ورأى وجهها شاحبًا يتصبب عرقًا رغم برودة الليل، فأدرك على الفور أن الأمر أخطر من مجرد تعب سفر. رفع يده وصاح بصوتٍ حازم: "قفوا!" توقف الموكب بأكمله، فترجّل الوليد مسرعًا، وحمل أناستاسيا بين ذراعيه بلطف، ووضعها على فراشٍ فُرش على عجل فوق الرمال. استدعى سعد وزيد على الفور، وقال بصوتٍ لا يخفي قلقه: "الحمّى وصلت إليها. لا يمكننا مواصلة السفر في هذه الحال، ولا يمكننا البقاء هنا دون حماية كافية." فكّر سعد للحظة، ثم قال: "لم يبقى الكثير، قبيلتنا تبعد أقل من يوم من هنا. ألا يمكنها التحمل؟" أمر الوليد بحزم: "لن أجبرها على مشاقة السفر وهي بهذا الضعف وجسدها يقاوم المرض." بعد برهة من التفكير أضاف الوليد بصرامة: "أكمل أنت المسير يا سعد، وخذ معك أغلب الرجال والعودة بهودجٍ مناسب لتُحمل عليه أناستاسيا براحة أكبر، فلا تتعب من ركوب الخيل في حالها هذه." واسترسل محركًا كفه على جبين أناستاسيا: "سيبقى معي زيد وبعض الرجال ه
جلست أناستاسيا طويلًا أمام صحن الحليب، والزجاجة الصغيرة بين أصابعها المرتجفة. أغمضت عينيها، واستحضرت وجه أخيها الغائب، وصوت أمها الآمر، ونظرة أختها الحازمة، ثم فكّت سدادة الزجاجة بحركة سريعة، وأسقطت قطرة واحدة في صحن الحليب المهيّأ بجانب الفراش، قبل أن تُخفي الزجاجة من جديد بين طيات ثوبها. خرجت من الخيمة بخطوات مترددة، فوجدت الوليد جالسًا قريبًا من المدخل، مسندًا ظهره إلى سرجه، يراقب النجوم المتناثرة في سماء الصحراء الصافية. التفت إليها حين سمع حفيف الثوب، فنهض واقفًا باحترام. قالت أناستاسيا وهي تمدّ إليه الصحن: "لا أشرب الحليب... خذه أنت، فلا يليق أن يُهدر." ابتسم الوليد ابتسامة هادئة، وتناول الصحن من يدها بحذر ألا تلامس أصابعه أصابعها: "شكرًا لكِ. لم أكن أعلم أنكِ لا تحبينه، وإلا ما أحضرته لكِ." ثم رفع الصحن إلى شفتيه وشربه على ثلاث دفعات، وهو يبتسم لها ابتسامة امتنان صادقة. وقفت أناستاسيا مسمّرة في مكانها، تراقبه للحظة طويلة، وقلبها يخفق بعنف بين موجتين متضادتين؛ ندمٍ يتسلل إلى صدرها كالسكين، ورغبةٍ في الانتقام لا تزال تشدّها من الخلف. لم تجد ما تقوله، فأومأت برأسها بصمت،
مع اقتراب الغسق، وحين أدرك الوليد أن جسد زوجته الجديدة لن يحتمل مواصلة السير، أمر رجاله بنصب المخيم في ذلك المكان المنبسط بين الكثبان. اختار سعد موضعًا مرتفعًا قليلًا عن مسار القافلة، وأمر الجند بنصب خيمة منفردة هناك، بعيدة بمسافة كافية عن باقي الخيام، احترامًا لخصوصية زوجة قائدهم الجديدة. عمل الرجال بسرعة ومهارة اعتادا عليها من كثرة الترحال، فارتفعت الخيمة في دقائق، وفُرشت أرضها بالسجاد الصوفي الذي أرسلته الدعجاء، أخت الوليد، مع القافلة، تلك السجاجيد التي نسجتها بيدها لأخيها. تحرّك الجنود بسرعة ونظام، فنُصبت الخيام في دوائر متتالية، وأُشعلت النيران لطرد برد الصحراء الذي يعقب حرّها اللاهب. حرص الوليد على أن تُنصب خيمة زوجته بعيدًا قليلًا عن باقي المعسكر، في موضعٍ هادئ يكفل لها الخصوصية والراحة، وأمر بألا يقترب منها أحد من الجند إلا بإذنه. نفّذ الرجال أمره باحترام واضح، فقد عرفوا قائدهم رجلًا لا يُكرّر أوامره مرتين. جلس الوليد بعيدًا عن الخيمة، عند شبة نارٍ أوقده سعد وسط دائرة من الحجارة، وانضم إليه زيد بعد أن أنهى تفقّد الحرس المكلّفين بحماية القافلة طوال الليل. مدّ الثلاثة أيديه
مرّت أيامٌ على تلك الليلة الغريبة، أيامٌ حملت بين طياتها مفاوضاتٍ متكررة بين معسكر الوليد وقصر والد أناستاسيا، حتى استقر الأمر أخيرًا على هدنةٍ تُنهي الحصار الطويل الذي أنهك المدينة. وبينما كانت الشمس لا تزال تتسلق أطراف الأفق، تحرّك الوليد بن هاشم نحو قلعة إيروم لتوقيع معاهدة السلام. رافقه صديقاه المقرّبان؛ سعد قائد المشاة، ذو الجسم المفتول والنظرة الحازمة، وزيد قائد الرماة، الأهدأ طبعًا والأدقّ ملاحظة بينهما. سارا خلفه على جواديهما وهما يتبادلان أطراف الحديث عن الليلة الماضية، وعن ذلك الاستقبال الغريب الذي لم يخلُ من ريبة. قال سعد وهو يمسح الغبار عن درعه: "لا أثق بهذا الهدوء يا وليد. الحاكم الذي فقد ابنه بالأمس لا يستقبل قاتل جنوده بهذه السهولة." فأجاب الوليد بثقة: "لست هنا لأخادعه، ولا هو من يظن أنه سيخادعني. جئنا لنُنهي حربًا، لا لنبدأ أخرى." وصلوا إلى القلعة، فوجدوا الحاكم في انتظارهم عند باب القاعة الكبرى، وقد ارتدى حلّته الرسمية، ووقف بجانبه كاتب البلاط يحمل وثيقة المعاهدة. تبادل الطرفان التحية بحذرٍ متبادل، ثم دخلوا القاعة حيث فُرشت الطاولة بالخرائط والأختام. وبعد أن وق
مرّت ساعات الصبح، وانخفض قرص الشمس في صفحة السماء، يلملم ضوءه ويسحب دفأه عن بقاع المدينة.خرج الوليد من بوابة قلعة إيروم الحجرية العالية بعد ساعاتٍ طوالٍ من التفاوض، وقد استقر الأمر أخيرًا على السلام بين الطرفين.ما إن رآه سعد، صديقه وقائد حرسه، يخرج من القلعة حتى تنهّد براحةٍ وأسرع نحوه: "ماذا حدث بالداخل؟ ظننتك في مأزق."ابتسم الوليد لصديقهُ الوفي وربّت على كتفه: "لا تقلق، جرت الأمور كما دعونا الله بها. فقط... كان هناك شيءٌ آخر."حدّق سعد به، لكنه لم يسأل عن ذلك الأمر الآخر؛ فإن أراد الوليد أن يبوح به فسيقول من غير أن يُسأل.سار الوليد برجاله في ربوع المدينة نحو أسوارها، لم يكد يطأ عتبة المدينة حتى استوقفه المشهد؛ صفوفٌ من الأهالي المنهكين يتراصّون على جانبي الطريق، عيونهم غائرة، ووجوههم شاحبة من أثر الحصار الطويل الذي فرضته الحرب على أسوار إيروم.نظر الوليد إلى الأطفال الحفاة الذين يتشبثون بأثواب أمهاتهم، ورأى في عيونهم بريقًا من الأمل الحذر، فأحسّ بثقل في صدره لم يعهده من قبل. أطفالٌ جياعٌ، ونساءٌ منهكاتٌ عاجزاتٌ عن إرضاع رضّعهنّ. التفت إلى قائد حرسه وقال بصوتٍ خفيض لكنه حازم:
الرواية ما هي إلا خيال. الشخصيات والأماكن والأحداث من خيال المؤلفة حتى لو تشابهت مع شيء واقعي فهذا لا صلة له بالمؤلفة. روايتي تاريخ بديل أو افتراضي (أي أنني اقتبست فترة زمنية لكن كل شيء آخر خيالي كما أستبقت بالتوضيح). -------------------قراءة ممتعة-------------------------- ---------------------------------------------- كانت السماء مظلمة حالكة، ملبدة بالغيوم، تنذر بالشؤم والخطر القادم والحزن الذي خيّم على أهل المدينة. لم يذق الحاكم طعم النوم منذ الأمس. وكيف له أن ينام ومدينته مهددة؟ أعداؤه يقفون على الحدود، بل لقد تجاوزوا الحدود واقتحموا أرضه. كانت الخرائط مبعثرة أمامه فوق الطاولة، بينما جلس على عرشه واضعًا رأسه بين يديه، يفكر في كيفية الخروج من هذا المأزق دون أن يخسر كبرياءه ومكانته ومعتقداته أمام أعدائه. ابنته البكر أناستاسيا تجلس بجانبه. تنقلت نظراتها بين الخرائط ووجه والدها، فرأت التعب الذي أنهك ملامحه، وأشفقت على حاله. تضاعف الغضب في صدرها تجاه ذلك الغريب الذي اقتحم أسوار مدينتهم، وسفك دماء شعبها، وحطّم كبرياء والدها حتى تركه كجسد خاوٍ لا يعرف طريق النجاة. رفع الح







