FAZER LOGINمرّت ساعات الصبح، وانخفض قرص الشمس في صفحة السماء، يلملم ضوءه ويسحب دفأه عن بقاع المدينة.
خرج الوليد من بوابة قلعة إيروم الحجرية العالية بعد ساعاتٍ طوالٍ من التفاوض، وقد استقر الأمر أخيرًا على السلام بين الطرفين. ما إن رآه سعد، صديقه وقائد حرسه، يخرج من القلعة حتى تنهّد براحةٍ وأسرع نحوه: "ماذا حدث بالداخل؟ ظننتك في مأزق." ابتسم الوليد لصديقهُ الوفي وربّت على كتفه: "لا تقلق، جرت الأمور كما دعونا الله بها. فقط... كان هناك شيءٌ آخر." حدّق سعد به، لكنه لم يسأل عن ذلك الأمر الآخر؛ فإن أراد الوليد أن يبوح به فسيقول من غير أن يُسأل. سار الوليد برجاله في ربوع المدينة نحو أسوارها، لم يكد يطأ عتبة المدينة حتى استوقفه المشهد؛ صفوفٌ من الأهالي المنهكين يتراصّون على جانبي الطريق، عيونهم غائرة، ووجوههم شاحبة من أثر الحصار الطويل الذي فرضته الحرب على أسوار إيروم. نظر الوليد إلى الأطفال الحفاة الذين يتشبثون بأثواب أمهاتهم، ورأى في عيونهم بريقًا من الأمل الحذر، فأحسّ بثقل في صدره لم يعهده من قبل. أطفالٌ جياعٌ، ونساءٌ منهكاتٌ عاجزاتٌ عن إرضاع رضّعهنّ. التفت إلى قائد حرسه وقال بصوتٍ خفيض لكنه حازم: "وزّعوا كل ما نحمله على النساء والأطفال أولًا، ثم على من تبقّى. لا يُترك أحدٌ جائعًا هذه الليلة." تردّد أحد الرجال قائلًا: "سيدي، هذا زاد جندك لأيامٍ قادمة..." فقاطعه الوليد بنظرة حاسمة: "الجندي يصبر على الجوع ليلة، أما الطفل فلا يفهم معنى الحرب ولا مبرراتها. نفّذوا ما أمرت." التفت الوليد إلى سعد: "قل لكل رجلٍ أن يُخرج ما في جرابه من زادٍ ويوزّعه على الأطفال." تعجّب سعد: "لهم؟ لأطفال اليهود؟" فأجابه الوليد: "إنهم أطفالٌ، خلقٌ من خلائق الرحمن. أفتتحمّل أن يحاسبك الله عن أرواحهم؟" شعر سعد بالخجل من نفسه، وتذكّر أطفاله، فِلذات كبده. نظر إلى أجساد الأطفال الهزيلة ووجوههم الشاحبة من أثر التعب، ثم التفت إلى الرجال: "يا رجال، فمن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا!" صاح فيهم، فهزّوا رؤوسهم جميعًا موافقين. أسرع زيدٌ، أوّلهم، فأخرج من جرابه كيس تمرٍ وقربة ماءٍ، وأعطاهما لأمٍّ تحمل رضيعًا. تبعه بقية الرجال يُفرغون أزوادهم لإطعام من كانوا حتى الأمس أعداءهم. نظر الوليد إلى القلعة بأسى ممزوجٍ بالغضب: "يُجيعون شعبهم وقلعتهم مثقلةٌ بأشجار الفاكهة." فردّ سعد: "إنهم غير شرفاء." ثم أضاف: "لن يكفيهم ما نملك. ماذا سنفعل يا شيخنا؟" فقال الوليد: "فور عودتنا إلى القبيلة، اجمع الطحين والغنم واقسمها بيننا وبينهم. لا خير في رزقٍ نُبارَك فيه ولله عبادٌ يموتون جوعًا بجوارنا." انهالت الأيدي المرتجفة على السلال، وارتفعت أصوات الدعاء الخافتة من أفواه النسوة، فيما وقف الوليد صامتًا يراقب المشهد، وكأنّ في قلبه صراعًا بين واجب القائد وقسوة الحرب التي جاء من أجلها. ثم استدار بجواده نحو الأفق، حيث تمتد خيام معسكره على تخوم المدينة، تاركًا خلفه مدينةً أنهكها الحصار، لكنها لم تفقد بعد كبرياءها. في الجهة الأخرى من إيروم، داخل أروقة القصر المطلّة على البحر، جلست أناستاسيا في غرفتها الهادئة، تحدّق من النافذة إلى معسكر الأعداء البعيد الذي تلوح أضواؤه كنقاط من نار في عتمة الليل. لم تكن عيناها تريان المعسكر وحده، بل استحضرت في ذاكرتها صورة أخيها وهو يُحمل جثمانًا هامدًا بين أيدي الجنود، ودمه لا يزال يلطّخ درعه الفضي. تذكّرت صراخ أمها الذي مزّق جدران القصر تلك الليلة، وكيف انهارت على الأرض تعانق جسد ابنها البارد وهي تردّد اسمه دون أن يجيبها أحد. لم تنسَ أناستاسيا تلك اللحظة، ولا كيف نظر إليها والدها بعينين مثقلتين بالحزن والغضب معًا، وقال لها بصوتٍ متهدّج: "لن أهدأ حتى أرى دم ابني قد أُخذ بثأره." يومها وعدته أن تكون سنده، أن تفعل كل ما يلزم لإعادة الكرامة إلى بيتهم المكلوم. لكن ذاكرتها استحضرت أيضًا حوارًا آخر، حوارًا سمعته قبل بضع ساعات، حين جاء الوليد بن هاشم بنفسه إلى والدها وقال بصوتٍ لا يخلو من الأنفة: "لن أتزوج ابنتك هديةً تُقدَّم لي، ولا وسيلةً للمساومة على هدنة. إن جاء الزواج، فليكن عن رضًا، لا عن مذلة." تلك الكلمات ظلّت تتردّد في أذنيها، تصارع فيها مشاعر الثأر والفضول الغامض تجاه رجلٍ يتحدّث بهذا الإباء وهو قائد جيشٍ غازٍ. نهضت أناستاسيا فجأة، وقد استقرّ في قلبها قرارٌ غريب، لا تعرف أهو نابعٌ من رغبتها في الانتقام أم من شيء آخر لم تجرؤ على تسميته. أخرجت من خزانتها عباءة سوداء فضفاضة، لفّت بها جسدها النحيل، وأسدلت طرفها على وجهها حتى لم يبقَ ظاهرًا سوى عينيها. تسلّلت من الباب الخلفي للقصر، متجنبةً أنظار الحرس، وسارت في أزقة المدينة المظلمة حتى بلغت أطراف الأسوار، ثم واصلت طريقها نحو حدود المعسكر حيث تنتصب الخيام كجبالٍ من القماش تحت ضوء القمر الخافت. مرّت بحذرٍ بين خطوط الحراسة، مستغلّة ظلام الليل وثقة الجند الزائدة بمنعتهم، حتى وصلت إلى خيمة القائد الكبرى في وسط المعسكر. اقتحمتها دون استئذان، فارتفع صوت السيف وهو يُشهر في وجهها. وقف الوليد أمامها، عيناه تتقدان غضبًا ودهشة معًا: "من أنتِ؟ وكيف تجرئين على اقتحام معسكر رجال في جوف الليل؟! أتدركين ما قد يحلّ بامرأةٍ تُضبط هنا؟" كشفت أناستاسيا عن وجهها ببطء، فتجمّد الوليد للحظة حين تعرّف على ملامحها. قالت بصوتٍ ثابت رغم ارتجاف يدها: "جئت لأطلب منك أن تتزوجني." ضحك الوليد ضحكة جافة مشوبة بالسخرية: "أهذه لعبة جديدة يدبّرها أبوك؟ أخبرته أنني لن أقبل زواجًا يُقدَّم كهدية أو ثمنًا لهدنة." "لم يرسلني أبي. جئت وحدي، وهذه رغبتي أنا، لا رغبته. لكن لي شرط واحد." ردت أناستاسيا بحزم فاقترب منها الوليد بخطوة حذرة، ينتظر ما ستقول. أكملت وهي تنظر في عينيه مباشرة: "ألّا تلمسني، حتى أعتاد عليك، وأطمئن إليك وإلى شعبك."اشتد التعب على أناستاسيا مع تقدّم الليل، فبدأت تتمايل قليلًا فوق صهوة الحصان رغم قبضتها المتشبثة بثوب الوليد. أحسّ الوليد بذلك التمايل غير المعتاد، فالتفت برأسه سريعًا، ورأى وجهها شاحبًا يتصبب عرقًا رغم برودة الليل، فأدرك على الفور أن الأمر أخطر من مجرد تعب سفر. رفع يده وصاح بصوتٍ حازم: "قفوا!" توقف الموكب بأكمله، فترجّل الوليد مسرعًا، وحمل أناستاسيا بين ذراعيه بلطف، ووضعها على فراشٍ فُرش على عجل فوق الرمال. استدعى سعد وزيد على الفور، وقال بصوتٍ لا يخفي قلقه: "الحمّى وصلت إليها. لا يمكننا مواصلة السفر في هذه الحال، ولا يمكننا البقاء هنا دون حماية كافية." فكّر سعد للحظة، ثم قال: "لم يبقى الكثير، قبيلتنا تبعد أقل من يوم من هنا. ألا يمكنها التحمل؟" أمر الوليد بحزم: "لن أجبرها على مشاقة السفر وهي بهذا الضعف وجسدها يقاوم المرض." بعد برهة من التفكير أضاف الوليد بصرامة: "أكمل أنت المسير يا سعد، وخذ معك أغلب الرجال والعودة بهودجٍ مناسب لتُحمل عليه أناستاسيا براحة أكبر، فلا تتعب من ركوب الخيل في حالها هذه." واسترسل محركًا كفه على جبين أناستاسيا: "سيبقى معي زيد وبعض الرجال ه
جلست أناستاسيا طويلًا أمام صحن الحليب، والزجاجة الصغيرة بين أصابعها المرتجفة. أغمضت عينيها، واستحضرت وجه أخيها الغائب، وصوت أمها الآمر، ونظرة أختها الحازمة، ثم فكّت سدادة الزجاجة بحركة سريعة، وأسقطت قطرة واحدة في صحن الحليب المهيّأ بجانب الفراش، قبل أن تُخفي الزجاجة من جديد بين طيات ثوبها. خرجت من الخيمة بخطوات مترددة، فوجدت الوليد جالسًا قريبًا من المدخل، مسندًا ظهره إلى سرجه، يراقب النجوم المتناثرة في سماء الصحراء الصافية. التفت إليها حين سمع حفيف الثوب، فنهض واقفًا باحترام. قالت أناستاسيا وهي تمدّ إليه الصحن: "لا أشرب الحليب... خذه أنت، فلا يليق أن يُهدر." ابتسم الوليد ابتسامة هادئة، وتناول الصحن من يدها بحذر ألا تلامس أصابعه أصابعها: "شكرًا لكِ. لم أكن أعلم أنكِ لا تحبينه، وإلا ما أحضرته لكِ." ثم رفع الصحن إلى شفتيه وشربه على ثلاث دفعات، وهو يبتسم لها ابتسامة امتنان صادقة. وقفت أناستاسيا مسمّرة في مكانها، تراقبه للحظة طويلة، وقلبها يخفق بعنف بين موجتين متضادتين؛ ندمٍ يتسلل إلى صدرها كالسكين، ورغبةٍ في الانتقام لا تزال تشدّها من الخلف. لم تجد ما تقوله، فأومأت برأسها بصمت،
مع اقتراب الغسق، وحين أدرك الوليد أن جسد زوجته الجديدة لن يحتمل مواصلة السير، أمر رجاله بنصب المخيم في ذلك المكان المنبسط بين الكثبان. اختار سعد موضعًا مرتفعًا قليلًا عن مسار القافلة، وأمر الجند بنصب خيمة منفردة هناك، بعيدة بمسافة كافية عن باقي الخيام، احترامًا لخصوصية زوجة قائدهم الجديدة. عمل الرجال بسرعة ومهارة اعتادا عليها من كثرة الترحال، فارتفعت الخيمة في دقائق، وفُرشت أرضها بالسجاد الصوفي الذي أرسلته الدعجاء، أخت الوليد، مع القافلة، تلك السجاجيد التي نسجتها بيدها لأخيها. تحرّك الجنود بسرعة ونظام، فنُصبت الخيام في دوائر متتالية، وأُشعلت النيران لطرد برد الصحراء الذي يعقب حرّها اللاهب. حرص الوليد على أن تُنصب خيمة زوجته بعيدًا قليلًا عن باقي المعسكر، في موضعٍ هادئ يكفل لها الخصوصية والراحة، وأمر بألا يقترب منها أحد من الجند إلا بإذنه. نفّذ الرجال أمره باحترام واضح، فقد عرفوا قائدهم رجلًا لا يُكرّر أوامره مرتين. جلس الوليد بعيدًا عن الخيمة، عند شبة نارٍ أوقده سعد وسط دائرة من الحجارة، وانضم إليه زيد بعد أن أنهى تفقّد الحرس المكلّفين بحماية القافلة طوال الليل. مدّ الثلاثة أيديه
مرّت أيامٌ على تلك الليلة الغريبة، أيامٌ حملت بين طياتها مفاوضاتٍ متكررة بين معسكر الوليد وقصر والد أناستاسيا، حتى استقر الأمر أخيرًا على هدنةٍ تُنهي الحصار الطويل الذي أنهك المدينة. وبينما كانت الشمس لا تزال تتسلق أطراف الأفق، تحرّك الوليد بن هاشم نحو قلعة إيروم لتوقيع معاهدة السلام. رافقه صديقاه المقرّبان؛ سعد قائد المشاة، ذو الجسم المفتول والنظرة الحازمة، وزيد قائد الرماة، الأهدأ طبعًا والأدقّ ملاحظة بينهما. سارا خلفه على جواديهما وهما يتبادلان أطراف الحديث عن الليلة الماضية، وعن ذلك الاستقبال الغريب الذي لم يخلُ من ريبة. قال سعد وهو يمسح الغبار عن درعه: "لا أثق بهذا الهدوء يا وليد. الحاكم الذي فقد ابنه بالأمس لا يستقبل قاتل جنوده بهذه السهولة." فأجاب الوليد بثقة: "لست هنا لأخادعه، ولا هو من يظن أنه سيخادعني. جئنا لنُنهي حربًا، لا لنبدأ أخرى." وصلوا إلى القلعة، فوجدوا الحاكم في انتظارهم عند باب القاعة الكبرى، وقد ارتدى حلّته الرسمية، ووقف بجانبه كاتب البلاط يحمل وثيقة المعاهدة. تبادل الطرفان التحية بحذرٍ متبادل، ثم دخلوا القاعة حيث فُرشت الطاولة بالخرائط والأختام. وبعد أن وق
مرّت ساعات الصبح، وانخفض قرص الشمس في صفحة السماء، يلملم ضوءه ويسحب دفأه عن بقاع المدينة.خرج الوليد من بوابة قلعة إيروم الحجرية العالية بعد ساعاتٍ طوالٍ من التفاوض، وقد استقر الأمر أخيرًا على السلام بين الطرفين.ما إن رآه سعد، صديقه وقائد حرسه، يخرج من القلعة حتى تنهّد براحةٍ وأسرع نحوه: "ماذا حدث بالداخل؟ ظننتك في مأزق."ابتسم الوليد لصديقهُ الوفي وربّت على كتفه: "لا تقلق، جرت الأمور كما دعونا الله بها. فقط... كان هناك شيءٌ آخر."حدّق سعد به، لكنه لم يسأل عن ذلك الأمر الآخر؛ فإن أراد الوليد أن يبوح به فسيقول من غير أن يُسأل.سار الوليد برجاله في ربوع المدينة نحو أسوارها، لم يكد يطأ عتبة المدينة حتى استوقفه المشهد؛ صفوفٌ من الأهالي المنهكين يتراصّون على جانبي الطريق، عيونهم غائرة، ووجوههم شاحبة من أثر الحصار الطويل الذي فرضته الحرب على أسوار إيروم.نظر الوليد إلى الأطفال الحفاة الذين يتشبثون بأثواب أمهاتهم، ورأى في عيونهم بريقًا من الأمل الحذر، فأحسّ بثقل في صدره لم يعهده من قبل. أطفالٌ جياعٌ، ونساءٌ منهكاتٌ عاجزاتٌ عن إرضاع رضّعهنّ. التفت إلى قائد حرسه وقال بصوتٍ خفيض لكنه حازم:
الرواية ما هي إلا خيال. الشخصيات والأماكن والأحداث من خيال المؤلفة حتى لو تشابهت مع شيء واقعي فهذا لا صلة له بالمؤلفة. روايتي تاريخ بديل أو افتراضي (أي أنني اقتبست فترة زمنية لكن كل شيء آخر خيالي كما أستبقت بالتوضيح). -------------------قراءة ممتعة-------------------------- ---------------------------------------------- كانت السماء مظلمة حالكة، ملبدة بالغيوم، تنذر بالشؤم والخطر القادم والحزن الذي خيّم على أهل المدينة. لم يذق الحاكم طعم النوم منذ الأمس. وكيف له أن ينام ومدينته مهددة؟ أعداؤه يقفون على الحدود، بل لقد تجاوزوا الحدود واقتحموا أرضه. كانت الخرائط مبعثرة أمامه فوق الطاولة، بينما جلس على عرشه واضعًا رأسه بين يديه، يفكر في كيفية الخروج من هذا المأزق دون أن يخسر كبرياءه ومكانته ومعتقداته أمام أعدائه. ابنته البكر أناستاسيا تجلس بجانبه. تنقلت نظراتها بين الخرائط ووجه والدها، فرأت التعب الذي أنهك ملامحه، وأشفقت على حاله. تضاعف الغضب في صدرها تجاه ذلك الغريب الذي اقتحم أسوار مدينتهم، وسفك دماء شعبها، وحطّم كبرياء والدها حتى تركه كجسد خاوٍ لا يعرف طريق النجاة. رفع الح







