FAZER LOGINمرّت أيامٌ على تلك الليلة الغريبة، أيامٌ حملت بين طياتها مفاوضاتٍ متكررة بين معسكر الوليد وقصر والد أناستاسيا، حتى استقر الأمر أخيرًا على هدنةٍ تُنهي الحصار الطويل الذي أنهك المدينة.
وبينما كانت الشمس لا تزال تتسلق أطراف الأفق، تحرّك الوليد بن هاشم نحو قلعة إيروم لتوقيع معاهدة السلام. رافقه صديقاه المقرّبان؛ سعد قائد المشاة، ذو الجسم المفتول والنظرة الحازمة، وزيد قائد الرماة، الأهدأ طبعًا والأدقّ ملاحظة بينهما. سارا خلفه على جواديهما وهما يتبادلان أطراف الحديث عن الليلة الماضية، وعن ذلك الاستقبال الغريب الذي لم يخلُ من ريبة. قال سعد وهو يمسح الغبار عن درعه: "لا أثق بهذا الهدوء يا وليد. الحاكم الذي فقد ابنه بالأمس لا يستقبل قاتل جنوده بهذه السهولة." فأجاب الوليد بثقة: "لست هنا لأخادعه، ولا هو من يظن أنه سيخادعني. جئنا لنُنهي حربًا، لا لنبدأ أخرى." وصلوا إلى القلعة، فوجدوا الحاكم في انتظارهم عند باب القاعة الكبرى، وقد ارتدى حلّته الرسمية، ووقف بجانبه كاتب البلاط يحمل وثيقة المعاهدة. تبادل الطرفان التحية بحذرٍ متبادل، ثم دخلوا القاعة حيث فُرشت الطاولة بالخرائط والأختام. وبعد أن وقّع الطرفان على بنود الهدنة، ودفع الجزية المتفق عليها، اقترب الحاكم من الوليد بخطوة متردّدة، وقال بصوتٍ خفيض لا يريد لأحد أن يسمعه سواه: "أيها القائد... سألتُ ابنتي البارحة، كما اشترطتَ، وقد وافقت. أناستاسيا تقبل الزواج منك برضاها الكامل، لا مُكرهة ولا مضطرّة." نظر الوليد إلى عيني الحاكم طويلًا، يقرأ فيهما صدق الكلمات من زيفها، ثم قال بحزم: "إن كانت هذه إرادتها فعلًا، فلن أردّها. لكن اعلم أيها الحاكم أنني سأفي بعهدي؛ لن ألمسها إلا برضاها، ولن أُكرهها على شيء لم تطلبه بنفسها." أومأ الحاكم برأسه، وفي عينيه بريقٌ لم يستطع الوليد تفسيره، أهو ارتياحٌ أم شيء آخر أعمق وأشد قتامة. في تلك الأثناء، كانت أناستاسيا في غرفتها، تقف أمام المرآة وقد أحاطت بها أمها صوفيا وأختها الكبرى إيرين، تساعدانها على ارتداء ثوب الزفاف المطرّز بخيوط الفضة. كانت يدا صوفيا ترتجفان وهي تُثبّت آخر دبوس في شعر ابنتها، وقد امتلأت عيناها بدموع لم تسقط بعد. قالت صوفيا بصوتٍ متهدّج: "لا تخافي يا صغيرتي. تذكّري أخاك، تذكّري كيف سُفك دمه على يد هؤلاء البرابرة. أنتِ الآن يدنا التي تصل إلى قلب عدوّنا." أمسكت إيرين بكتفي أختها، ونظرت إليها في المرآة بعينين حازمتين: "لا تترددي حين يحين الوقت. الزجاجة معكِ، والفرصة لن تتكرر. سبعة ليالٍ فقط، وسيسقط ذلك الذئب الذي حصد أرواح أهلنا، وتعود إلينا سالمة، مكرّمة، بطلة تُروى قصتها للأجيال." نظرت أناستاسيا إلى انعكاسها في المرآة، فرأت فتاة أخرى غير التي عرفتها طوال حياتها؛ عروسًا بملامح هادئة، لكن في صدرها عاصفة لا تهدأ من الحزن والغضب والحيرة. تحسّست الزجاجة الصغيرة المخبأة بين طيات ثوبها، وابتلعت ريقها، ثم أومأت لأمها وأختها برأسها دون أن تنبس بكلمة. فُتحت أبواب القاعة الكبرى، فخرجت أناستاسيا بخطواتٍ متزنة، وقد تلألأ ثوبها تحت أشعة الشمس المتسللة من النوافذ العالية، وتوّجت شعرها الذهبي بإكليلٍ من الياسمين الأبيض. كانت جمالًا يخطف الأنفاس، فارتبك الوليد للحظة، وشعر بحرارة تتصاعد في وجنتيه، فأطرق برأسه غاضًّا بصره كما اعتاد. لاحظ سعد وزيد ارتباك صديقهما، فحاولا كتم ابتسامة، لكن حين وقعت أعينهما على الفتاة نفسها، أطرقا هما أيضًا برأسيهما، إذ لم يعتادا أن يقفا أمام مثل هذا الجمال في حضرة قائدهما. ساد صمتٌ مهيب في القاعة، لم يكسره سوى صوت الكاهن وهو يتلو عبارات العقد. حين حان وقت المهر، خلع الوليد درعه الحديدي المزخرف بالفضة، ذلك الدرع الذي حماه في عشرات المعارك، ووضعه بين يدي أناستاسيا وهو يقول: "هذا مهرك يا أناستاسيا. ليس ذهبًا ولا جواهر، بل درعٌ حمى صدري في كل معركة خضتها. أهبه لكِ اليوم، لتعلمي أن حياتي أصبحت أمانة بين يديك كما كانت بين يدي." ارتجفت يدا أناستاسيا وهي تتسلم الدرع الثقيل، وشعرت بوخزة غريبة في قلبها لم تفهم مصدرها. تمّ العقد، وأصبحا زوجين أمام الملأ. أخذ الوليد بيدها برفقٍ، وخرج بها من القاعة نحو ساحة القلعة، حيث ينتظر حصانه الأدهم. ساعدها بلطف على الركوب خلفه، محتفظًا بمسافة الاحترام، ثم استوى على صهوة الجواد. تحرّك الموكب مع أول الظهيرة، جنود الوليد يمتطون خيولهم في صفوف منظمة، متجهين نحو حدود المدينة ثم إلى الصحراء الممتدة صوب موطنهم البعيد. سار سعد على رأس المشاة، وزيد يقود فرسان الرماة، بينما بقي الوليد في المقدمة، وأناستاسيا خلفه صامتة، تراقب أسوار مدينتها وهي تتضاءل خلفها شيئًا فشيئًا حتى اختفت وراء كثبان الرمال. مرّت الساعات ثقيلة تحت شمس الصحراء اللاهبة، والرمال تتلألأ كالجمر تحت سنابك الخيل. شعرت أناستاسيا بالتعب يتسلل إلى جسدها، فتراخت قبضتها قليلًا، وأخذ تنفسها يتسارع من وطأة الحر والعطش والإرهاق الذي تراكم منذ الصباح. أحسّ الوليد بتغيّر طفيف في ثقل جسدها خلفه، وبتراخي يديها اللتين كانتا تتشبثان بثوبه، فالتفت برأسه قليلًا، ورآها شاحبة الوجه، تحاول جاهدة ألا تُظهر ضعفها. رفع يده على الفور، وصاح بصوتٍ يسمعه الجميع: "قفوا! سنتوقف هنا للراحة." توقف الموكب بأكمله، وترجّل سعد وزيد مسرعين نحو قائدهما، بينما نزل الوليد عن حصانه، ثم مدّ يديه نحو أناستاسيا ليساعدها على النزول برفق، وقال بصوتٍ هادئ لا يخلو من قلق: "كان يجب أن أخبرك أن تطلبي مني التوقف حين تتعبين. لن أدعك تتحملين ما لا طاقة لكِ به." نظرت إليه أناستاسيا بدهشة صامتة، لم تتوقع هذا القدر من الاهتمام من رجلٍ رأت فيه، حتى ساعات قليلة مضت، عدوًّا لا أكثر.اشتد التعب على أناستاسيا مع تقدّم الليل، فبدأت تتمايل قليلًا فوق صهوة الحصان رغم قبضتها المتشبثة بثوب الوليد. أحسّ الوليد بذلك التمايل غير المعتاد، فالتفت برأسه سريعًا، ورأى وجهها شاحبًا يتصبب عرقًا رغم برودة الليل، فأدرك على الفور أن الأمر أخطر من مجرد تعب سفر. رفع يده وصاح بصوتٍ حازم: "قفوا!" توقف الموكب بأكمله، فترجّل الوليد مسرعًا، وحمل أناستاسيا بين ذراعيه بلطف، ووضعها على فراشٍ فُرش على عجل فوق الرمال. استدعى سعد وزيد على الفور، وقال بصوتٍ لا يخفي قلقه: "الحمّى وصلت إليها. لا يمكننا مواصلة السفر في هذه الحال، ولا يمكننا البقاء هنا دون حماية كافية." فكّر سعد للحظة، ثم قال: "لم يبقى الكثير، قبيلتنا تبعد أقل من يوم من هنا. ألا يمكنها التحمل؟" أمر الوليد بحزم: "لن أجبرها على مشاقة السفر وهي بهذا الضعف وجسدها يقاوم المرض." بعد برهة من التفكير أضاف الوليد بصرامة: "أكمل أنت المسير يا سعد، وخذ معك أغلب الرجال والعودة بهودجٍ مناسب لتُحمل عليه أناستاسيا براحة أكبر، فلا تتعب من ركوب الخيل في حالها هذه." واسترسل محركًا كفه على جبين أناستاسيا: "سيبقى معي زيد وبعض الرجال ه
جلست أناستاسيا طويلًا أمام صحن الحليب، والزجاجة الصغيرة بين أصابعها المرتجفة. أغمضت عينيها، واستحضرت وجه أخيها الغائب، وصوت أمها الآمر، ونظرة أختها الحازمة، ثم فكّت سدادة الزجاجة بحركة سريعة، وأسقطت قطرة واحدة في صحن الحليب المهيّأ بجانب الفراش، قبل أن تُخفي الزجاجة من جديد بين طيات ثوبها. خرجت من الخيمة بخطوات مترددة، فوجدت الوليد جالسًا قريبًا من المدخل، مسندًا ظهره إلى سرجه، يراقب النجوم المتناثرة في سماء الصحراء الصافية. التفت إليها حين سمع حفيف الثوب، فنهض واقفًا باحترام. قالت أناستاسيا وهي تمدّ إليه الصحن: "لا أشرب الحليب... خذه أنت، فلا يليق أن يُهدر." ابتسم الوليد ابتسامة هادئة، وتناول الصحن من يدها بحذر ألا تلامس أصابعه أصابعها: "شكرًا لكِ. لم أكن أعلم أنكِ لا تحبينه، وإلا ما أحضرته لكِ." ثم رفع الصحن إلى شفتيه وشربه على ثلاث دفعات، وهو يبتسم لها ابتسامة امتنان صادقة. وقفت أناستاسيا مسمّرة في مكانها، تراقبه للحظة طويلة، وقلبها يخفق بعنف بين موجتين متضادتين؛ ندمٍ يتسلل إلى صدرها كالسكين، ورغبةٍ في الانتقام لا تزال تشدّها من الخلف. لم تجد ما تقوله، فأومأت برأسها بصمت،
مع اقتراب الغسق، وحين أدرك الوليد أن جسد زوجته الجديدة لن يحتمل مواصلة السير، أمر رجاله بنصب المخيم في ذلك المكان المنبسط بين الكثبان. اختار سعد موضعًا مرتفعًا قليلًا عن مسار القافلة، وأمر الجند بنصب خيمة منفردة هناك، بعيدة بمسافة كافية عن باقي الخيام، احترامًا لخصوصية زوجة قائدهم الجديدة. عمل الرجال بسرعة ومهارة اعتادا عليها من كثرة الترحال، فارتفعت الخيمة في دقائق، وفُرشت أرضها بالسجاد الصوفي الذي أرسلته الدعجاء، أخت الوليد، مع القافلة، تلك السجاجيد التي نسجتها بيدها لأخيها. تحرّك الجنود بسرعة ونظام، فنُصبت الخيام في دوائر متتالية، وأُشعلت النيران لطرد برد الصحراء الذي يعقب حرّها اللاهب. حرص الوليد على أن تُنصب خيمة زوجته بعيدًا قليلًا عن باقي المعسكر، في موضعٍ هادئ يكفل لها الخصوصية والراحة، وأمر بألا يقترب منها أحد من الجند إلا بإذنه. نفّذ الرجال أمره باحترام واضح، فقد عرفوا قائدهم رجلًا لا يُكرّر أوامره مرتين. جلس الوليد بعيدًا عن الخيمة، عند شبة نارٍ أوقده سعد وسط دائرة من الحجارة، وانضم إليه زيد بعد أن أنهى تفقّد الحرس المكلّفين بحماية القافلة طوال الليل. مدّ الثلاثة أيديه
مرّت أيامٌ على تلك الليلة الغريبة، أيامٌ حملت بين طياتها مفاوضاتٍ متكررة بين معسكر الوليد وقصر والد أناستاسيا، حتى استقر الأمر أخيرًا على هدنةٍ تُنهي الحصار الطويل الذي أنهك المدينة. وبينما كانت الشمس لا تزال تتسلق أطراف الأفق، تحرّك الوليد بن هاشم نحو قلعة إيروم لتوقيع معاهدة السلام. رافقه صديقاه المقرّبان؛ سعد قائد المشاة، ذو الجسم المفتول والنظرة الحازمة، وزيد قائد الرماة، الأهدأ طبعًا والأدقّ ملاحظة بينهما. سارا خلفه على جواديهما وهما يتبادلان أطراف الحديث عن الليلة الماضية، وعن ذلك الاستقبال الغريب الذي لم يخلُ من ريبة. قال سعد وهو يمسح الغبار عن درعه: "لا أثق بهذا الهدوء يا وليد. الحاكم الذي فقد ابنه بالأمس لا يستقبل قاتل جنوده بهذه السهولة." فأجاب الوليد بثقة: "لست هنا لأخادعه، ولا هو من يظن أنه سيخادعني. جئنا لنُنهي حربًا، لا لنبدأ أخرى." وصلوا إلى القلعة، فوجدوا الحاكم في انتظارهم عند باب القاعة الكبرى، وقد ارتدى حلّته الرسمية، ووقف بجانبه كاتب البلاط يحمل وثيقة المعاهدة. تبادل الطرفان التحية بحذرٍ متبادل، ثم دخلوا القاعة حيث فُرشت الطاولة بالخرائط والأختام. وبعد أن وق
مرّت ساعات الصبح، وانخفض قرص الشمس في صفحة السماء، يلملم ضوءه ويسحب دفأه عن بقاع المدينة.خرج الوليد من بوابة قلعة إيروم الحجرية العالية بعد ساعاتٍ طوالٍ من التفاوض، وقد استقر الأمر أخيرًا على السلام بين الطرفين.ما إن رآه سعد، صديقه وقائد حرسه، يخرج من القلعة حتى تنهّد براحةٍ وأسرع نحوه: "ماذا حدث بالداخل؟ ظننتك في مأزق."ابتسم الوليد لصديقهُ الوفي وربّت على كتفه: "لا تقلق، جرت الأمور كما دعونا الله بها. فقط... كان هناك شيءٌ آخر."حدّق سعد به، لكنه لم يسأل عن ذلك الأمر الآخر؛ فإن أراد الوليد أن يبوح به فسيقول من غير أن يُسأل.سار الوليد برجاله في ربوع المدينة نحو أسوارها، لم يكد يطأ عتبة المدينة حتى استوقفه المشهد؛ صفوفٌ من الأهالي المنهكين يتراصّون على جانبي الطريق، عيونهم غائرة، ووجوههم شاحبة من أثر الحصار الطويل الذي فرضته الحرب على أسوار إيروم.نظر الوليد إلى الأطفال الحفاة الذين يتشبثون بأثواب أمهاتهم، ورأى في عيونهم بريقًا من الأمل الحذر، فأحسّ بثقل في صدره لم يعهده من قبل. أطفالٌ جياعٌ، ونساءٌ منهكاتٌ عاجزاتٌ عن إرضاع رضّعهنّ. التفت إلى قائد حرسه وقال بصوتٍ خفيض لكنه حازم:
الرواية ما هي إلا خيال. الشخصيات والأماكن والأحداث من خيال المؤلفة حتى لو تشابهت مع شيء واقعي فهذا لا صلة له بالمؤلفة. روايتي تاريخ بديل أو افتراضي (أي أنني اقتبست فترة زمنية لكن كل شيء آخر خيالي كما أستبقت بالتوضيح). -------------------قراءة ممتعة-------------------------- ---------------------------------------------- كانت السماء مظلمة حالكة، ملبدة بالغيوم، تنذر بالشؤم والخطر القادم والحزن الذي خيّم على أهل المدينة. لم يذق الحاكم طعم النوم منذ الأمس. وكيف له أن ينام ومدينته مهددة؟ أعداؤه يقفون على الحدود، بل لقد تجاوزوا الحدود واقتحموا أرضه. كانت الخرائط مبعثرة أمامه فوق الطاولة، بينما جلس على عرشه واضعًا رأسه بين يديه، يفكر في كيفية الخروج من هذا المأزق دون أن يخسر كبرياءه ومكانته ومعتقداته أمام أعدائه. ابنته البكر أناستاسيا تجلس بجانبه. تنقلت نظراتها بين الخرائط ووجه والدها، فرأت التعب الذي أنهك ملامحه، وأشفقت على حاله. تضاعف الغضب في صدرها تجاه ذلك الغريب الذي اقتحم أسوار مدينتهم، وسفك دماء شعبها، وحطّم كبرياء والدها حتى تركه كجسد خاوٍ لا يعرف طريق النجاة. رفع الح







