جميع فصول : الفصل -الفصل 40

42 فصول

الفصل 31

«لقد اقتربت مني تلك الليلة يا عاصم.» تجمّد عاصم في مكانه، وظلّ يحدّق في ياسمين بذهول، كأن عقله يرفض استيعاب ما سمعه للتو. لم تكن نبرة صوتها توحي بأنها تمزح، ولم يجد في ملامحها ما يساعده على معرفة إن كانت تقول الحقيقة أم تتعمّد التلاعب به. عقد حاجبيه، ثم سألها ببطء: — أنا... اقتربت منكِ؟ رفعت ياسمين عينيها إليه، وأومأت بهدوء أثار مزيدًا من ارتباكه. — نعم، أنت. مرّر عاصم يده على وجهه، محاولًا استيعاب الأمر، ثم قال بنبرة امتزج فيها الإنكار بالحيرة: — هذا غير معقول. لا أتذكر شيئًا من ذلك! مالت ياسمين برأسها قليلًا، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة غامضة. — وهل تظن أنني سأختلق أمرًا كهذا من تلقاء نفسي؟ لم يُجبها فورًا. كان يحاول استعادة أي تفصيل من تلك الليلة، أي صورة أو كلمة يمكن أن تساعده على فهم ما حدث، لكن ذاكرته لم تمنحه سوى شذرات متفرقة لا تقوده إلى شيء واضح. رفع عينيه إليها مجددًا، وقد ازدادت جديته. — حسنًا، لنفترض أن ما تقولينه صحيح. ماذا حدث بعد ذلك؟ تعمّدت ياسمين إطالة النظر إليه قبل أن تجيب. كان واضحًا أن فضوله بدأ يتحول إلى قلق حقيقي، وأنه لن يستطيع مغاد
last updateآخر تحديث : 2026-10-18
اقرأ المزيد

الفصل 32

صعد إلى غرفته، وبدّل ملابسه، ثم استلقى على السرير محاولًا إراحة ذهنه. لكن كلمات ياسمين ظلت تتردد في رأسه، وكلما أوشك على النوم، عاد السؤال نفسه ليوقظه من جديد. ما الذي حدث في تلك الليلة؟ ولماذا كانت ياسمين واثقة إلى هذا الحد، بينما كان هو عاجزًا حتى عن تذكّر ما جرى؟ لم يجد إجابة. وبعد وقت طويل من التقلب، غلبه النوم أخيرًا، تاركًا أسئلته معلّقة حتى إشعار آخر. في صباح اليوم التالي، تسلّل ضوء الشمس عبر الستائر، وامتدّ على أرضية الغرفة بهدوء. فتحت ياسمين عينيها ببطء، ثم ألقت نظرة على الساعة الموضوعة بجانب السرير. كان الصباح قد انتصف تقريبًا، لكنها لم تشعر بالندم على نومها الطويل. فقد أمضت الأيام الماضية بين مهام الشركة، وتدريب ساهل، ومراجعة الملفات المتعلقة بشراكتها مع ندى، ولم يكن لديها ما يمنعها من الاستمتاع بعطلة نهاية الأسبوع. نهضت من سريرها، واعتنت بنفسها، ثم ارتدت ملابس مريحة ومشطت شعرها قبل أن تغادر الغرفة. كانت تفكر في إعداد فطور هادئ، وربما تخصيص بقية اليوم لمراجعة بعض الملاحظات المتعلقة بالمشروع، حين وصلت إلى الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي. لكنها ما إن اقتر
last updateآخر تحديث : 2026-10-18
اقرأ المزيد

الفصل 33

وصلت ياسمين إلى المنتجع برفقة عاصم بعد رحلة قصيرة لم يتبادل خلالها الاثنان سوى كلمات مقتضبة. كان كلٌّ منهما غارقًا في أفكاره، وكأن الصمت الذي رافقهما طوال الطريق أصبح اللغة الوحيدة التي يتقنانها معًا. ما إن دخلا حتى فوجئت ياسمين باجتماع أفراد العائلة في المكان. كان بعضهم يجلس في الشرفة المطلة على الحديقة، فيما انشغل الآخرون بأحاديث متفرقة تحت أشعة الشمس الدافئة. جلس الجد في صدر الشرفة، وحين لمح عاصم وزوجته، أشرق وجهه بابتسامة واسعة، ثم أشار إليهما بالاقتراب. تقدّمت ياسمين بخطوات هادئة وألقت التحية على الجميع. ردّ عليها بعضهم بترحاب، بينما اكتفت نوال، والدة عاصم، بنظرة باردة قبل أن تعود إلى حديثها، وكأن وجود ياسمين لا يعني لها شيئًا. لم تتوقف ياسمين عند تصرفها. فقد اعتادت تلك المعاملة، ولم تعد تملك الرغبة في استجداء قبول امرأة لم تحاول يومًا إخفاء نفورها منها. أما الجد، فاستقبلها بحفاوة صادقة، وقال وهو يبتسم: — أهلًا بزوجة حفيدي العزيزة! أخيرًا تذكّرتِ أن لكِ رجلًا عجوزًا يشتاق إلى رؤيتكِ. جلست ياسمين إلى جواره، وارتسمت على شفتيها ابتسامة رقيقة. — ومن قال إنني نسيتك يا جدي؟ أن
last updateآخر تحديث : 2026-10-19
اقرأ المزيد

الفصل 34

كانت الغرفة هادئة، تتسلل إليها إضاءة ناعمة تنعكس على سطح المياه، بينما انتشرت في المكان رائحة عطرية خفيفة تبعث على الاسترخاء. بدّلت ياسمين ملابسها، ثم نزلت إلى المياه الدافئة وجلست مستندة إلى الحافة. أغمضت عينيها وتركت جسدها يسترخي بعد أيام طويلة من التفكير والعمل. للمرة الأولى منذ مدة، لم تكن تنتظر اتصالًا من عاصم، ولم تكن تراقب الساعة لتعرف متى سيعود، ولم تكن تحاول تخمين مزاجه كي تتجنب إغضابه. كانت وحدها، وكان ذلك كافيًا. راحت تستمتع بالهدوء، مستعيدة شيئًا من صفائها الذي فقدته طوال العام الماضي. ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بالجوع؛ فقد تناولت فطورها في وقت متأخر، لكنها لم تأكل ما يكفي. قررت الخروج إلى منطقة الاستراحة القريبة لشراء شيء خفيف، فارتدت رداءها، وجففت شعرها قليلًا، ثم غادرت الغرفة. كانت تسير في الممر المؤدي إلى الأكشاك حين لمحت عاصم واقفًا أمام أحدها، يتحدث مع البائع ويختار بعض الوجبات الخفيفة. توقفت تلقائيًا. لم تكن لديها رغبة في الاحتكاك به مجددًا، ففكرت في الانتظار حتى يغادر. لكنها، قبل أن تتحرك، رأت امرأة تقترب منه من الخلف، ثم تحيط خصره بذراعيها وتعانقه ب
last updateآخر تحديث : 2026-10-19
اقرأ المزيد

الفصل 35

انفتح باب غرفة الينبوع الحار، ودخل عاصم بخطوات متثاقلة، تبدو على ملامحه علامات الضيق. وجد ياسمين جالسة عند الحافة، مسندة ظهرها إلى الجدار الحجري، وقد بدت مسترخية على نحو أثار استياءه، وكأنها لم تكن قبل دقائق ترسل إليه رسائل تستنجد فيها به بسبب إصابة مزعومة.اقترب منها، ثم توقف أمامها وقال بنبرة ممتعضة:— هل أصبحتِ تهددينني بجدي الآن؟ أهذا ما ستفعلينه كلما لم أستجب لطلباتك؟رفعت ياسمين عينيها إليه ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة لم تتناسب مع غضبه.— أتهديدًا تسميه؟ أنا لم أهددك يا عاصم، بل أخبرتك بما سأفعله إن لم تأتِ. هناك فرق كبير بين الأمرين.عقد حاجبيه، ونظر إليها وكأنه يحاول معرفة ما إذا كانت تتعمد استفزازه أم أنها أصبحت فعلًا لا تبالي بردود أفعاله.— أنتِ تعرفين جيدًا أن جدي لن يتركني وشأني إذا اتصلتِ به وأخبرته بأنك مصابة.— وهل طلبت منك شيئًا مستحيلًا؟ — سألته ببراءة مصطنعة، ثم أشارت إلى كاحلها. — لقد أخبرتك أنني لا أستطيع المشي.أطلق عاصم زفرة طويلة، ومد يده إليها.— هيا، لنعد إلى الغرفة. سأساعدك على الصعود.نظرت ياسمين إلى يده الممدودة، ثم إلى وجهه. لم يسألها إن كانت تتألم حقًا
last updateآخر تحديث : 2026-10-20
اقرأ المزيد

الفصل 36

اتسعت عينا ياسمين للحظة من المفاجأة؛ فقد توقعت أن يوبخها أو يطلب منها مواصلة السير، ولم تتوقع أن يحملها بهذه السرعة.لكنها سرعان ما أحاطت عنقه بذراعيها، وأخفت ابتسامتها وهي تستقر بين ذراعيه.لم يكن حمله لها دليلًا على اهتمامه بها، وكانت تعرف ذلك جيدًا. ومع هذا، فقد منحها ما أرادته تمامًا.رفعت رأسها قليلًا، ونظرت من فوق كتفه نحو سارة.كانت الأخيرة واقفة في مكانها، تحدق فيهما بصدمة لم تستطع إخفاءها. بدت وكأن المشهد الذي تراه أمامها يتعارض تمامًا مع الصورة التي رسمها عاصم لها عن زواجه.ابتسمت ياسمين ابتسامة صغيرة، ثم أسندت رأسها إلى كتفه، متعمدة أن تبدو مرتاحة بين ذراعيه.أما عاصم، فكان منشغلًا بالوصول إلى الغرفة، ولم ينتبه إلى النظرات التي تلاحقهما. لم يكن يدرك أن خطواته القليلة هذه كانت كافية لإشعال عشرات الأسئلة في رأس سارة.أليس هذا الرجل الذي أخبرني أنه لا يحب زوجته؟ فلماذا يحملها بهذه الطريقة؟ وإذا كانت لا تعني له شيئًا، فلماذا لم يتركها تمشي وحدها؟ترددت سارة في مكانها، وراحت تراقبهما حتى اختفيا في نهاية الممر.كانت تعرف ياسمين منذ سنوات، وتعرف جيدًا كم تستطيع أن تبدو هادئة بينم
last updateآخر تحديث : 2026-10-20
اقرأ المزيد

الفصل 37

نزل عاصم من الغرفة متجهًا إلى الطابق السفلي، حيث كان يأمل أن يجد صيدلية قريبة يستطيع شراء المرهم منها. لم يكن راغبًا في إضاعة المزيد من وقته في الاهتمام بطلبات ياسمين، لكنه لم يكن مستعدًا أيضًا لتحمّل محاضرة جديدة من جده إذا علم أنه ترك زوجته تتألم دون أن يساعدها. وما إن وصل إلى الردهة حتى لمح سارة تقف بالقرب من أحد الأعمدة، تنتظره بملامح متوترة. اقتربت منه فورًا، وقالت بنبرة حازمة: — أظن أنني بحاجة إلى تفسير يا عاصم. نظر إليها باستغراب، وكأنه لم يفهم سبب إصرارها على الحديث في تلك اللحظة. — أي تفسير؟ اذهبي إلى الغرفة، سآتي بعد قليل. ثم استدار ليكمل طريقه، لكن سارة أمسكت بيده وأوقفته. — إلى أين أنت ذاهب؟ أجابها بعفوية، دون أن يفكر في وقع كلماته عليها: — لأحضر المرهم. تجمّدت سارة في مكانها. حدّقت فيه، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو، ثم أفلتت يده ببطء. لم يكن عاصم يرى في الأمر ما يستحق التوقف عنده. كل ما أراده هو إحضار المرهم لياسمين، والتأكد من أنها لن تتصل بجده مرة أخرى وتثير مشكلة جديدة. كان يريد إنهاء الأمر سريعًا والعودة إلى يومه، لا أكثر. أما سارة، فقد فهمت تصرفه بطريق
last updateآخر تحديث : 2026-10-21
اقرأ المزيد

الفصل 38

قرر أخيرًا النزول إلى الطابق السفلي، عازمًا على مواجهتها بعيدًا عن أعين العائلة. حين وصل عاصم إلى الطابق السفلي، وجد ياسمين جالسة إلى جانب جده، تتحدث معه بابتسامة مشرقة، وكأنها لم تكن قبل دقائق تتظاهر بالإصابة في غرفتهما. كان الجد يبدو سعيدًا بوجودها، يستمع إليها باهتمام، بينما جلست هي إلى جانبه في راحة تامة. اقترب عاصم منهما، فرفع الجد رأسه ورحب به: — ها قد عدت يا عاصم! تعال، اجلس معنا. كنا نتحدث عن الغداء. جلس عاصم في المقعد المقابل، لكنه أبقى عينيه على ياسمين، محاولًا أن يفهم كيف تستطيع الحفاظ على هدوئها بهذه السهولة. أما الجد، فالتفت إلى ياسمين وقال بحماس: — أخبرتني زوجة حفيدي العزيزة أنها تشتهي القريدس المقلي، ويبدو أن مطبخ المنتجع لا يقدمه بالطريقة التي تحبها. لذلك قررت أن نذهب جميعًا إلى الفندق القريب ونتناول الغداء هناك. ما رأيك يا عاصم؟ ابتسمت ياسمين بامتنان. — شكرًا لك يا جدي. لا أعرف كيف أرد لك كل هذا الاهتمام. ربت الجد على يدها بحنان. — لا أريد منك ردًا يا ابنتي. يكفيني أن أراك سعيدة. ثم إن تناول وجبة جيدة مع العائلة أفضل من أن يبقى كل واحد منا منشغ
last updateآخر تحديث : 2026-10-21
اقرأ المزيد

الفصل 39

استقرت ياسمين في مقعد الراكب إلى جوار عاصم، استعدادًا للتوجه إلى الفندق القريب حيث ستجتمع العائلة لتناول الغداء. ما إن تحركت السيارة حتى أخرج عاصم هاتفه، وأخذ يكتب رسالة قصيرة، بينما بقيت عيناه تتنقلان بين الطريق والشاشة. لم تحتج ياسمين إلى أن تسأله عن هوية الشخص الذي يراسله. كانت تعرف جيدًا إلى من يكتب، وما الذي يحاول إخبارها به؛ لا بد أنه يخبر سارة بأنه لن يتمكن من العودة إليها الآن، وأن عليه قضاء بعض الوقت مع عائلته قبل أن يأتي إليها. أدارت وجهها نحو النافذة، متظاهرةً بالانشغال بمشاهدة الطريق، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة سرعان ما أخفتها. لم يمضِ وقت طويل حتى اهتز هاتف عاصم بإشعارات متتالية. ألقى نظرة عابرة على الشاشة، فرأى عدة رسائل من سارة، تتابعت واحدة تلو الأخرى. لم يفتح أيًّا منها. اكتفى بقلب الهاتف على وجهه، ثم أعاد تركيزه على الطريق. كان يعرفها جيدًا بما يكفي ليتوقع غضبها. فمن المؤكد أنها لم تستقبل رسالته بالهدوء الذي كان يأمله، لكن ذلك لم يبدُ مشكلة تستحق أن ينشغل بها الآن. سيصل إلى الفندق، ويتناول الغداء مع العائلة، ثم يتصل بها ويشرح لها ما حدث. وفي أ
last updateآخر تحديث : 2026-10-22
اقرأ المزيد

الفصل 40

انتهى الغداء بعد وقت من الأحاديث والضحكات، ثم اقترح الجد العودة إلى المنتجع لقضاء بقية اليوم والاستمتاع بالينبوع الحار. وافق معظم أفراد العائلة، لكن ياسمين اعتذرت بلطف. — أشعر ببعض التعب يا جدي، وأفضّل العودة إلى المنزل لأرتاح. تبدلت ملامح الجد إلى القلق، والتفت إليها متفحصًا وجهها. — هل ما زال كاحلكِ يؤلمكِ؟ إذا كنتِ تشعرين بأي ألم، فلا داعي لأن تتحاملي على نفسكِ. هزت رأسها مطمئنةً إياه. — لا، أنا بخير. لم يعد يؤلمني، لكن الأسبوع كان متعبًا، وأحتاج إلى بعض الراحة في المنزل. وقبل أن يجيب الجد، تدخل عاصم، الذي بدا أنه وجد في طلبها فرصة مناسبة لإنهاء هذا اليوم والعودة إلى حياته المعتادة. — يمكنكِ أن ترتاحي في غرفة المنتجع. لا داعي للعودة إلى المنزل من أجل ذلك. التفتت إليه ياسمين بهدوء. — أفضل المنزل. لن أرتاح جيدًا إلا هناك. لم ترفع صوتها، ولم تحاول استفزازه، لكنها لم تتراجع عن قرارها أيضًا. كان عاصم آخر من يرغب في قضاء وقت إضافي معها بعد ما حدث في المنتجع، ومع ذلك لم يكن بوسعه الاعتراض بإلحاح أمام العائلة من دون أن يثير الأسئلة. حسم الجد الأمر قبل أن يتدخل أحد
last updateآخر تحديث : 2026-10-22
اقرأ المزيد
السابق
12345
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status