لطالما جلست مع جدي في المساءات الريفية أسمع قصصه عن الجيران الذين كانوا كالعائلة الواحدة. لكن اليوم، حين أزور القرية، أرى تغيراً كبيراً يدمي القلب.
الأسباب ليست بسيطة بالمرة. منها أن الأرض الزراعية التي كانت رابطاً تجمع الأسر أصبحت مصدراً للنزاع، خاصة مع ارتفاع أسعار الأراضي وتدخل الوسطاء. ثم هناك الخلافات على الميراث، حيث أصبح كل طرف يريد نصيبه فوراً دون مراعاة للعلاقات القديمة.
والأمر الآخر الذي لاحظته هو تأثير الهجرة. عندما يسافر الشباب إلى المدينة للعمل ويعودون بأفكار مختلفة، يبدأ الصدام مع الأهالي الذين تمسكوا بالتقاليد. تتحول المشاكل البسيطة إلى خلافات عميقة بسبب سوء الفهم الثقافي هذا.
لكن الأكثر إيلاماً برأيي هو تراجع فكرة 'العيب' المجتمعي التي كانت تمنع التصعيد. اليوم، يلجأ الناس إلى المحاكم بسهولة، ويتبادلون التهم على مواقع التواصل، والأمر الذي كان يحل بجلسة عطاء وقهوة أصبح قضية رأي عام.
لاحظت شيئًا رائعًا حين زرت قرية جدتي الصيف الماضي – العلاقات هناك تُبنى على 'المشاركة في الألم' وليس فقط في الفرح. مثلاً، عندما أصاب محصول أحد الجيران آفة، تجد الجميع يتوافدون بأدواتهم لمساعدته دون أن يطلب. ليس لأنهم مضطرون، بل لأنهم يعيشون فكرة أن 'مشكلتك هي مشكلتي'.
هذا يذكرني بقصة أنمي قديم شاهدته اسمه 'Mob Psycho 100'، حيث كان البطل يكتشف أن القوة الحقيقية تكمن في الروابط الإنسانية الصادقة. في الريف، الأمر مشابه – أنت لا تحتاج لقوى خارقة لتكون جزءًا من نسيج المجتمع. مجرد وجودك في الأفراح والأتراح، وتبادل أطباق الطعام، وحضور صلاة الجمعة معًا يخلق هذا الشعور بالانتماء.
بالنسبة للاستدامة، أعتقد أن السر يكمن في أن هذه العلاقات ليست 'مشروعًا' بل أسلوب حياة. لا أحد يحسب كم ساعة تطوع أو كم كيلو طعام تبرع. كل شيء يجري بشكل عضوي كما تجري الأنهار في الجبال.
أعيش في منطقة ريفية منذ أكثر من ثلاثين عامًا، وتغيرت العلاقات بين الجيران والأقارب بشكل ملحوظ بعد دخول وسائل التواصل. صاروا يجتمعون في مجموعات واتساب بدلًا من الزيارات المباشرة، وكثيرًا ما أرى أبناء الجيران جالسين مع بعضهم لكن كل واحد منهم غارق في هاتفه. لكني لا أنكر أن التكنولوجيا ساعدت في ربط الأسر التي تشتت أبناؤها في المدن؛ فالجد الآن يطمئن على أحفاده عبر فيديو مباشر كل يوم.
في المقابل، ألاحظ زيادة في المشاكل بسبب سوء الفهم أو الشائعات التي تنتشر بسرعة عبر التطبيقات. صار من السهل أن يغضب شخص من تعليق أو صورة، ويتحول الخلاف البسيط إلى قطيعة أسابيع. ما زلت أذكر أيام زمان حين كانت المشاكل تحل بجلسة عشاء أو زيارة مفاجئة. اليوم، يفضلون كتابة جملة حادة ثم حظر الآخر. برأيي، وسائل التواصل مثل سلاح ذو حدين، تعزز التواصل لكنها تضعف العمق العاطفي للعلاقات.
لطالما تساءلت عن هذا الأمر وأنا أشاهد علاقات كثيرة حولي تنهار في القرى. أعتقد أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن مفهوم الأسرة في الريف متجذر بعمق في التقاليد والعادات، بحيث يصبح الحب الشخصي مجرد نزوة تحتاج إلى موافقة العشيرة بأكملها.
أتذكر قصة قريبي الذي أحب فتاة من عائلة مجاورة. كان الحب جميلاً، لكن أهله رفضوا لأنه 'ما يمشي الحال بين العائلتين'، وهنا تكمن المأساة. عندما يريد شخصان بناء حياة معًا لكن يقف في طريقهما إرث عائلي من الخلافات أو المصالح، التوازن يصبح مستحيلاً. الحب يريد الحرية، لكن العائلة تريد الانصياع، والضغط النفسي الناتج عن ذلك يشبه الوقوف بين مطرقة التقليد وسندان الرغبة الشخصية.
الأمر الأكثر إيلامًا هو نظرة المجتمع الريفي للعلاقات. في المدينة يمكنك التمرد قليلاً دون نظرات اللوم الدائمة، لكن في القرية الجميع يعرف الجميع، وأي خروج عن المألوف يصبح حديث المجالس. البعض يحاول التوفيق فيخسر نفسه، والبعض يختار العائلة ويظل يندب حبه الضائع، وقليلون من يجرؤون على كسر القيود ودفع الثمن. توازن الحب والعائلة في الريف ليس مجرد خيار عاطفي، بل معركة بين الفرد والجماعة، بين الماضي والحاضر.
لاحظت في قريتنا إن حل الخلافات الأسرية له طابع خاص. عندنا مثلاً، إذا اتخانق اثنين على أرض أو ميراث، الجيران والعيلة بتتدخل بسرعة قبل ما الموضوع يكبر.
أنا شخصياً شفت مرة خالي وعمه يتخاصموا على حدود أرض، فجاء رجال الحارة واجتمعوا في المقاهي وداروا بينهم كلام زي 'يا جماعة إحنا جيرة وإخوة'. بمجرد ما أحد يذكر الماضي الجميل وذكريات الطفولة، تلاقي الوجوه بدأت تبتسم.
حتى النساء لهن دور كبير، خصوصاً في لم الشمل وقت العزائم أو في المناسبات. في الريف، الفرحة المشتركة أقوى من أي خلاف، والكل يعرف إنه لو انكسرت العلاقة، الكل حيتأثر، حتى الحصاد والزرع ما بيرضوا.
كل ما حولي في القرية صار مختلف بعد ما بدأت الهجرة تسحب شبابنا للخارج. أنا أتذكر أيام كنا نجتمع في المقاهي الشعبية ونحكي سوالف إلى الفجر، لكن الآن بعض البيوت صارت فارغة والبعض الآخر يخلي عياله عند الجدة ويسافر. أقرب جيرانا أبو خالد سافر من سنتين، زوجته وأولاده صاروا يستقبلون أخباره عبر الشاشة بدل العيون. أحياناً أشوف الأطفال يلعبون في الحارة وقلبي يعصرني لأنهم ينتظرون مكالمة فيديو تنور وجوههم. العلاقات تغيرت فعلاً - صار فيه فجوة بين الأجيال، الجد يحسب الأيام لرؤية الحفيد والطفل يكبر وهو يتعرف على أبوه من الصور. فيه برضه ناس من القرية صاروا يعتمدون على بعض أكثر، مثلاً لما يمرض أحد، الجيران يتكاتفون لأن أهله بعيدين. هذا الشعور بالمسؤولية الجماعية زاد، لكن معه حزن خفي. أعتقد الهجرة جعلت بعض العلاقات أعمق رغم المسافات لكنها مزقت نسيج القرى القديمة الجميل.
بالنسبة ليا شخصياً، أختي سافرت مع زوجها، وكل ما تتصل أحسها غريبة شوي - تتعلم لهجة جديدة وتفكر بشكل مختلف. حتى مصروف العيد صار نفسية أكثر من فرحة، لأنها ترسل فلوس بدل ما تجي وتسلم. الحياة الريفية اللي عشناها تغيرت، والبعض يسميها تطور، لكني أقول إنها تضحية بعلاقات حقيقية مقابل أوراق عمل.
في الريف، مشكلة التقاليد دي حاجة معقدة فعلاً. أنا عايشت الموقف ده على جلدي لما بنت عمي حبت شاب طموح لكنه مش من نفس الطبقة الاجتماعية، والعيلة كلها ضغطت عليها إنها تختار واحد من 'العيل المحترمة'، زي ما بيقولوا. النقطة إن التقاليد مش شرط تكون وحشة، بالعكس، أحيانًا بتحافظ على تماسك العيلة وتمنع الفوضى.
بس لما الحب الحقيقي يدخل على الخط، بتحس إنك عايش في لعبة اختيارات صعبة: إما تتبع قلبك وتخاطر بزعل كل الناس اللي ربوك، أو تختار 'القرار الصح' اللي ممكن يكسرك جواك. في النهاية، بنت عمي فضلت تقعد مع نفسها لمدة سنة كاملة، تفكر وتقارن بين الاثنين. وبصراحة، يوم ما قررت تختار شاب العيلة، كانت عيونها بتقول حاجة غير راضية عن الاختيار.
أنا شخصيًا بشوف إن التقاليد بتأثر زي الجدار اللي حواليك، مش سهل تهدمه ولا تقدر تتجاهله. الحل الوحيد اللي شفته ناجح في مجتمعنا الريفي هو إنك تتكلم وتفاوض مع أهلك بذكاء، وتثبتلهم إن حبك مش مجرد نزوة. مثلاً لما خويا طلب يتجوز واحدة من غير قرابة، قعد شهور يتعشى معاهم ويشاركهم همومهم عشان يكسب ثقتهم. الحب والعيلة مش لازم يكونوا أعداء، بس محتاجين صبر ووقت طويل علشان يندمجوا.