اندلع شجار عنيف في المستشفى.
أشهر أحد أقارب المريض سكيناً ولوح بها بشكل عشوائي، فاندفعت تلقائياً لأبعد زوجي زياد الهاشمي.
لكنه أمسك يدي بشدة، ووضعني كدرع أمام زميلته الأصغر في الدراسة.
فانغرزت تلك السكينة في بطني.
وقضت على طفلي الذي بدأ يتشكل للتو.
عندما نقلني زملائي في المستشفى باكين إلى وحدة العناية المركزة، سحبني زوجي بعنف من السرير.
قال بصوت حاد: "أنقذوا زميلتي الأصغر أولاً، لو حدث لها مكروه، سأطردكم جميعاً!"
صدم الأطباء الزملاء وغضبوا، وقالوا: "زياد الهاشمي، هل جننت؟! زميلتك الأصغر مجرد خدش بسيط، حالة زوجتك هي الأخطر بكثير الآن!"
أمسكت بطني الذي ينزف بلا توقف، وأومأت برأسي ببطء: "ليكن ذلك إذاً."
زياد الهاشمي، بعد هذه المرة، لن أدين لك بشيء.
"لن أعود كما كنت"
يقولون إن الإنسان يحتاج عمرًا كاملًا ليبني ثقته بمن يحب…
وثانية واحدة فقط لينهار كل شيء.
لم أكن أصدق ذلك.
كنت أظن أن الحب صبر، تضحية، واحتمال.
كنت أظن أن تجاهلي لنفسي مقابل سعادته شيء طبيعي.
كنت أظن أن تحمل كلمات والدته الجارحة، طلباته التي لا تنتهي، غيابه، بروده… هو ثمن الحياة مع الرجل الذي أحببته لسنوات.
كم كنت غبية.
بعد شهر واحد فقط…
شهر واحد كان يفصلني عن ارتداء الفستان الأبيض، عن البيت الذي اخترت ستائره بنفسي، عن الحياة التي تخيلتها آلاف المرات…
وجدته هناك.
في منزلنا.
في منزل الأحلام الذي دفعت من وقتي وصحتي وروحي لأجله.
وكانت معه…
أفضل صديقة عرفت أسراري كلها.
الفتاة التي بكت معي، ضحكت معي، وأقسمت يومًا أنها لن تخذلني.
كانا معًا بطريقة جعلت العالم يتوقف.
لم أصرخ.
لم أبكِ.
حتى الألم بدا عاجزًا عن الوصول إلي.
وقفت أنظر فقط…
كأن الفتاة التي كانت تُدعى "تاليا" ماتت في تلك اللحظة.
ورحلت.
لكنني لم أكن أعرف…
أن خروجي من ذلك المنزل لم يكن نهاية حياتي.
بل بداية امرأة أخرى.
امرأة لن تسامح بسهولة.
وامرأة سيقودها القدر إلى رجل لم تتخيل يومًا أنه كان يراقب انكسارها بصمت…
وينتظر.
أنا وزوجي كنا أكثر من يكره أحدهما الآخر في هذا العالم.
يكرهني لأنني حرمته من المرأة التي احبها.
وأكرهه لأن قلبه ظل معلقًا بامرأة أخرى.
زواج استمر لثماني سنوات، أغلب الكلمات التي كنا نتبادلها لم تكن حبًا، ولا واجبًا، بل كانت لعنات.
ولكن في اليوم الذي سقطت فيه المدينة، تغير كل شيء. كانت رايات العدو واضحة للعيان خلف البوابة الداخلية.
تقدم على صهوة حصانه، وشق الطريق.
وحال بجسده بين العدو وطريقي للهروب.
قال بهدوء: "عِشي".
ثم رفع سيفه ولم ينظر خلفه.
هطلت السهام عليه كالمطر.
عندما اخترقت جسده، التفت مرة واحدة -مرةً واحدة فقط- ومن بعدها، أصبح جسده حاجزًا لا يمر منه أحد.
"إذا وُجدت حياة أخرى… لعل جلالتك تمنحيني الرحمة لأكون معها".
في تلك الليلة، والمدينة مدمرة، والناس إما قتلى أو هاربين،
تسلقتُ أعلى برج في القصر.
قفزت.
عندما فتحت عيني مرة أخرى،
ذهبتُ إلى الملك.
قلتُ: "الممالك الشمالية تريد عروسًا ملكية، سأذهب".
في هذه الحياة،
سأكون أنا من تعبر الحدود.
في حياتي السابقة، مات معتقدًا أنه خذلها.
هذه المرة، لن أدع للندم مكانًا.
سأتولى الزواج الذي كان مقدرًا لها.
سأرتدي التاج الذي وُجِد لنفيها.
سأسير نحو مستقبل لم يجدر بها أن تتحمله.
دعوها تبقى.
دعوه يحميها.
دعوه يعيش معتقدًا أنه أوفى بوعده أخيرًا.
في احتفال بلوغي الثامنة عشرة، استدعاني الألفا العجوز وطلب مني أن أختار أحد ابنيه ليكون رفيق عمري.
من أختاره سيكون الوريث القادم لمكانة الألفا.
من دون تردد اخترتُ الابن الأكبر فارس الشماري، فبدت الدهشة على وجوه جميع الذئاب في قاعة الحفل.
فالجميع من قبيلة القمر يعرف أنني، ابنة عائلة الهاشمي، كنتُ منذ زمن أحب الابن الأصغر للملك ألفا، رامي الشماري.
لقد اعترفتُ له بحبي أكثر من مرة في الحفلات، بل وحميتُه ذات مرة من الخنجر الفضيّ للصيّاد.
أما فارس فكان معروفًا بين الجميع بكونه أكثر الذئاب قسوة وبرودة، وكان الجميع يتجنب الاقتراب منه.
لكنهم لم يعرفوا أنني في حياتي السابقة كنتُ قد ارتبطتُ برامي، وفي يوم زفافنا خانني مع أختي الصغيرة.
غضبت أمي بشدة، وزوّجت أختي من أحد ذئاب البيتا في قبيلة الذئاب السوداء المجاورة.
ومنذ ذلك اليوم امتلأ قلب رامي بالحقد تجاهي.
عاد من القبائل الأخرى ومعه مائة مستذئبة جميلة مثيرة، جميعهن يملكن عيونًا زرقاء تشبه عيني أختي.
بعد أن عرف أنني حامل، تجرأ على مضاجعة أولئك المستذئبات أمام عينيّ.
كنت أعيش كل يوم في عذابٍ لا يُحتمل.
وفي يوم ولادتي، قيّدني في القبو، ومنع أي أحد من الاقتراب مني.
اختنق طفلي في رحمي ومات قبل أن يرى النور، ومِتُّ أنا أيضًا وأنا أملأ قلبي بالحقد.
لكن يبدو أن إلهة القمر قد رثت لحالي، فمنحتني فرصة جديدة للحياة.
وهذه المرة، قررت أن أحقق له الحب الذي أراده.
لكن ما لم أتوقعه هو أن رامي بدأ يندم بجنون.
لم يكن قصر آل السيوفي يشبه البيوت التي تسكنها العائلات بقدر ما كان يشبه الذاكرة نفسها؛ ضخمًا، صامتًا، وممتلئًا بما لم يُقَل.
في ذلك المساء، كانت السماء فوقه رمادية على نحو ثقيل، كأنها تعرف أن شيئًا ما انتهى بالفعل، وأن شيئًا آخر أكثر خطورة على وشك أن يبدأ.
اصطفّت السيارات السوداء أمام البوابة الحديدية الواصلة إلى المدخل الرئيسي، ودخل المعزون وغادروا، لكن الحزن في داخل القصر لم يكن حزنًا خالصًا. كان ممزوجًا بترقب خفي، بشيء أقرب إلى الجوع.
مات رائد السيوفي.
الرجل الذي بنى اسمه من لا شيء، ثم شيّد من ذلك الاسم إمبراطورية كاملة، رحل أخيرًا بعد صراع قصير مع المرض.
وبينما كانت الصحف تتحدث عن رجل الأعمال الكبير، وعن إرثه الاقتصادي، وعن عشرات المشاريع التي حملت توقيعه، كان ورثته مجتمعين في الصالون الكبير ينتظرون ما هو أهم في نظرهم: الوصية.
جلست ناهد السيوفي على الأريكة المقابلة للمدفأة غير المشتعلة، مستقيمة الظهر، مرتبة المظهر، كأن الموت مرّ بجانبها فقط ولم يمسّها. كانت ترتدي الأسود من رأسها حتى قدميها، لكن عينيها لم تكونا حزينتين. كان فيهما شيء بارد، شيء لا يلين.
عن يمينها جلس سليم، الابن الأكبر، بوجهه الحاد ونظرته الجامدة. لم يتحرك كثيرًا منذ دخوله، ولم يتبادل مع أحد كلمة لا ضرورة لها. بدا كتمثال صُنع ليحرس اسم العائلة لا ليحمل مشاعره.
أما مازن، الأخ الأوسط، فكان يجلس بطريقة توحي باللامبالاة، لكن أصابعه التي تضرب ببطء على ذراع المقعد كانت تفضحه.
أصغر مليارديرة في العالم نور السالم ظهرت بهدوء في المطار، لتجد الصحفيين يتدافعون نحوها.
الصحفي: "الرئيسة السالم، لماذا انتهى زواجك مع الرئيس ياسر بعد ثلاث سنوات؟"
المليارديرة تبتسم قائلة: "لأنني يجب أن أعود إلى المنزل لأرث مليارات الدولارات وأصبح المليارديرة الأولى..."
الصحفي: "هل الشائعات حول ارتباطك بأكثر من عشرة شباب في الشهر صحيحة؟"
قبل أن تجيب، جاء صوت بارد من بعيد، "كاذبة."
من بين الحشود، خرج فهد ياسر قائلاً: "لدي أيضاً مليارات، فلماذا لا تأتي السيدة السالم لترث ثروتي؟"
الصور المتضاربة للهوية والانقسام الناتج عن التاريخ السياسي في السودان دائمًا جعلتني أعود إلى الروايات التي تعالج الحرب بعمق إنساني. من أبرزها بلا منازع 'Season of Migration to the North' لتايب صالح، وهي ليست رواية حرب تقليدية لكنها تتعامل مع إرث الاستعمار والصدام بين الثقافة المحلية والغربية بطريقة تُظهِر كيف تُعيد الحروب — السياسية والاجتماعية — تشكيل الذات. الشخصية الرئيسية تحمل ثقلاً من الذكريات والتوترات التي تنعكس على هويته الجنسية والاجتماعية، واللغة الرمزية للرواية تجعلها دراسة نفسية عن ما تبقى بعد العنف أو الاغتراب.
إلى جانب ذلك أحب أن أوصي بأعمال ليلى أبو العلا مثل 'The Translator' و'Minaret' لأنها تلتقط هوية المهاجر السوداني في المهجر، وكيف أن الصراعات السياسية في الوطن تؤثر على شعور الفرد بالانتماء. هذه الروايات مهمة لأنها تقرأ الحرب ليس فقط كقتال مسلح وإنما كسلسلة من التحولات الثقافية والدينية والنفسية.
ولمن يريد رؤية أكثر مباشرة لمعاناة الحرب الأهلية والنزوح، فإن 'What Is the What' لديف إدجرز، مبنية على حياة فالنتينو آتشاك دينغ، تقدم رواية قوية عن أولاد الضائعين من جنوب السودان (الذين ترتبط معاناتهم بتاريخ السودان الحديث). كما أن 'A Long Walk to Water' تلخص تجربة أخرى مرتبطة بالنزوح والهوية. قراءة هذه الأعمال معًا تمنحك منظورًا متعدد الطبقات: التاريخ، الفرد، والذاكرة التي تصنع الهوية بعد الحرب.
أجد أن السؤال عن التحويلات الأدبية السودانية للشاشة يفتح على واقع معقّد لكن غني بالقصص؛ الصناعة السينمائية والتلفزيونية في السودان واجهت قيودًا لسنوات طويلة، لذلك عدد الروايات التي تحولت إلى أفلام ومسلسلات قليل نسبياً، لكن هناك أمثلة بارزة تستحق الذكر والتأمل.
أهم عمل غالبًا ما يُشير إليه الناس هو 'موسم الهجرة إلى الشمال' لطيب صالح؛ هذا النص أصبح أيقونة أدبية عربية وتم تحويله إلى عروض مسرحية وإذاعية في مناسبات متعددة، كما شهدت الساحة محاولات اقتباس سينمائية وتلفزيونية على مستوى الإنتاج المستقل أو الجامعات، لكن لم تنضج تحويلات سينمائية واسعة الانتشار بنفس صدى الرواية في القراءة. هذا يعكس جزئياً صعوبة نقل لغتها الرمزية وتعقيداتها النفسية إلى شكل بصري بسيط.
من جهة أخرى، هناك أمثلة أقرب للسينما الحديثة مثل الفيلم السوداني 'ستموت في العشرين' للمخرج أمجد أبو العلا، وهو اقتباس عن قصة قصيرة سودانية (أو مستوحى من نص أدبي) وحقق حضورًا دوليًا وجوائز، ما يبيّن أن القصص السودانية بدأت تجد طريقها إلى الشاشات عبر مشاريع مستقلة وجوائز المهرجانات. بالمحصلة، التحويل الأدبي في السودان يتجه الآن أكثر نحو القصص القصيرة والمشروعات المستقلة والعروض المسرحية والإذاعية، وأتمنى أن نرى قريبًا مزيدًا من الروايات الكبيرة تتحول إلى أعمال تلفزيونية وسينمائية مكتملة الإنتاج، لأن هناك مواد خام غنية بانتظار المخرجين الشجعان.
لو أردت أن أبدأ بقصة واحدة تمسّك بتاريخ الأدب السوداني، فسأضع 'موسم الهجرة إلى الشمال' في أعلى القائمة دون تردد. قرأته لأول مرة في ليلة مطيرة ووجدت نفسي محاطًا بصوت السرد الفريد الذي يمزج بين الحكاية الشخصية والتاريخ والهوية، وهو كتاب لا يفقد طاقته مهما مرّت السنوات. الرواية تقدم توازنًا رائعًا بين جمال اللغة وتعقيد الأسئلة التي تطرحها عن الاستعمار، الرجوع إلى الجذور، وصدام الثقافات — أسباب كافية لقراءتها هذا العام خاصة مع تجدد الاهتمام العالمي بقصص العالم العربي.
بعد ذلك أحب أن أنصح بـ'عرس الزين' لنفس الكاتب، فهي لوحة أخرى تمامًا عن الحياة القروية والعلاقات الإنسانية، لكن بخفة ودفء يصعب مقاومتهما. التباين بين الروايتين، من قرية النيل إلى شوارع أوروبا، يعطيك فكرة عن مدى ثراء الأدب السوداني وتنوّعه.
وأخيرًا، لا تفوتوا أعمال ليلى أبو بكر مثل 'Minaret' و'The Translator'؛ أنا وجدتها مفيدة جدًا إذا كنت تبحث عن أصوات السودان المعاصرة المتداخلة مع التجربة الاغترابية والبحث عن الهوية والإيمان. قراءتي لهذه الكتب أعادت ترتيب أفكاري عن كيف يرتبط الفرد بمجتمعه ولو بعدت المسافات، وهذه نوعية من القراءة التي تبقى معك طويلاً.
أحب البحث عن كنوز صغيرة على يوتيوب، وفيلمي القصير السوداني المفضل لم أعد أعدّه مجرد مشهد بل تجربة؛ لذلك أبدأ دائماً بكلمات بحث عربية واضحة مثل: 'أفلام قصيرة سودانية'، 'سينما سودانية' أو حتى 'فيلم قصير سوداني'.
بعد كتابة الكلمات، أضغط على فلتر المدة وأختار 'قصير' لتظهر الأعمال التي لا تتجاوز عادة 40 دقيقة. من المفيد أيضاً فرز النتائج بحسب القناة أو قوائم التشغيل؛ لأن كثيراً من المهرجانات والقنوات تجمع أفلاماً سودانية في قوائم خاصة. أنصحك بالبحث عن قوائم مهرجانات محلية وإقليمية لأنها غالبًا تحتوي على إنتاجات جديدة ومختلفة.
أحياناً لا أجد العمل مباشرة على يوتيوب، فأتبع روابط القنوات الرسمية للمهرجانات أو المبادرات مثل 'Sudan Film Factory' أو صفحات صانعي الأفلام، لأنهم يحفظون أعمالهم في قوائم تشغيل خاصة، وأحياناً يشاركونها أيضاً على قنوات مثل 'Al Jazeera Documentary' أو 'BBC Africa'. لا تنس تجربة الكلمات الإنجليزية 'Sudanese short film' و'#سينماسودانية' لتوسيع النتائج. بهذه الطريقة أجد مزيجاً رائعاً من القصص المحلية والتجارب التجريبية، ويشعرني كل فيلم وكأنني أحضر أمسية سينمائية خاصة في غرفة الجلوس.
أحد أجمل الاكتشافات لدي كان أن المحتوى السوداني المتقن يظهر غالباً على نفس الأماكن التي نستخدمها يومياً، لكن يجب أن تعرف أين تبحث وكيف تضبط الجودة. أول مكان أنصح به دائماً هو القنوات الرسمية على يوتيوب: اتبع قنوات شركات الإنتاج ومحطات التلفزة السودانية الرسمية لأنهم يرفعون الحلقات بجودة أفضل وباستمرارية.
بعدها أبحث على صفحات فيسبوك ومجموعات المهتمين بالدراما السودانية؛ كثير من المخرجين والمنتجين يشاركوا روابط النسخ العالية الجودة أو يعلنوا عن عروض إعادة البث. أيضاً، لا تغفل منصات الفيديو المستقلة مثل Vimeo حيث ينشر بعض المخرجين نسخاً مرممة أو أفلاماً قصيرة بمستوى صوت وصورة جيد.
مهماً كان موقع المشاهدة، اضبط دقة العرض يدوياً إلى 1080p أو أعلى، واستخدم متصفح متوافق أو تطبيق ذي سمعة جيدة. وأخيراً، إذا أعجبتك سلسلة أو عمل ما، اشترك في القناة، فعل التنبيهات، وادعم المنتجين مادياً إن أمكن — هذا يضمن ظهور مزيد من المحتوى الجيد لاحقاً.
هناك كتابان سودانيان أعود إليهما كلما رغبت أن أُعرّف صديقًا بالبدايات الأدبية للبلاد: الأول هو 'موسم الهجرة إلى الشمال' والثاني أقرب إلى القلب 'عرس الزين'.
'موسم الهجرة إلى الشمال' عمل كلاسيكي سهل الولوج لكن عميق في مخاطباته عن الهوية والتصادم بين الشرق والغرب. أسلوب الطيب صالح مشحون بالصور والحوار الداخلي، ويمكن لقارئ جديد أن يشعر وكأنه يدخل حكاية سينمائية تبدأ هادئة ثم تتصاعد. أنصح بقراءته أولاً إذا أردت شيئًا يجمع بين السرد الاجتماعي والنقد التاريخي.
أما 'عرس الزين' فهي حكاية أقصر وأكثر دفئًا وسخرية من الحياة القروية، مفيدة لمن يريد تذوق اللون المحلي للشخصيات والعادات. بعد هذين العملين، أتدرج إلى كتابات الشتات مثل 'Minaret' لـ'ليلى أبو العلا' التي تقدم صوت امرأة سودانية في المهجر، وكتابات 'جمال محجوب' لمدى تنوع التجربة السودانية. إنه مسار يمنحك مرآة للماضى وأخرى للحاضر، ويترك لديك رغبة في البحث عن الأصوات الشعرية أيضاً مثل محمد الفيتوري. في النهاية أشعر بأن قراءة هذه المجموعة تشبه الالتقاء بأصدقاء جدد — كل واحد يحمل زاوية مختلفة من السودان، وتبقى الرحلة ممتعة وفضولية.
روايات السودان أعطتني شعورًا بأن الأدب العربي يمكن أن يتنفس بطرق جديدة وغير متوقعة.
أقرأ 'موسم الهجرة إلى الشمال' وقلبي يضبط إيقاعًا مختلفًا عن أي شيء قرأته في الأدب العربي الحديث؛ هناك مزيج من السرد الكلاسيكي والهموم العميقة عن الهوية والاغتراب تجعل القارئ يعيد التفكير في محاور السرد السائدة. بالنسبة إليّ، أثر هذا النوع من الرواية ظهر في إغناء المشهد الأدبي العربي بمواضيع لم تكن تحظى بقدر كافٍ من الاهتمام: الصراع بين المحلية والعالمية، وصور الذاكرة الجماعية، وصوت الحكاية الشفوية المضمّغة في نص مكتوب.
أرى أيضًا أن الأسلوب السوداني منح الروائيين العرب جرأة في اللعب بالزمن والسرد غير الخطي، وفي استغلال الطقس والمكان كعناصر فاعلة لا مجرد خلفية. التأثير امتد إلى السينما والمسرح والترجمات التي أعادت طرح النصوص العربية أمام جمهور أوسع، ما ساعد كثيرًا في إعادة تشكيل معايير ما يقرأ ويُكتب اليوم. أحسُّ أن هذه الروايات أشبه بشرارة؛ تقول القصص من هوامش المجتمع فتجعل المركز يعيد ترتيب نفسه.
ظللت أدوّر في مصادر كثيرة قبل أن أكتشف طريقة منظمة للعثور على نسخ مترجمة من روايات سودانية، وهاد الشي صار نتيجة تجارب متراكمة بين مكتبات فعلية وإلكترونية. أول شيء أعتمد عليه هو فهرس المكتبات الوطنية والعالمية: أبحث في WorldCat وكتالوج المكتبة البريطانية وLibrary of Congress لأن هذه الأماكن تجمع إصدارات مترجمة من مختلف دول العالم، وغالبًا تظهر لك معلومات الناشر، سنة الطبع، وربما رابط لشراء أو استعارة.
ثانياً، لا تهمل دور دور النشر والجامعات: في كثير من الأحيان تُنشَر ترجمات عبر مطابع جامعية أو سلاسل أدبية متخصصة مثل سلسلة 'African Writers' أو عبر دور نشر مستقلة تُركّز على الأدب الأفريقي. البحث باستخدام اسم المؤلف بالإنجليزية والعربية أو رقم ISBN يسهّل التعقب. مواقع مثل Google Books وGoodreads تساعد في التعرف على طبعات وترجمات مختلفة، وحتى مشاهدة مقتطفات أحياناً.
وأخيرًا، لا تتردد في التواصل مباشرةً مع المؤلفين أو دور النشر أو مجموعات القراء على فيسبوك وتويتر؛ كثير من الترجمات الحديثة تظهر أولًا في إصدارات محلية أو عبر الناشرين المستقلين ثم تنتشر. أمّا إن كنت تبحث عن عناوين محددة مثل 'Season of Migration to the North' لـ طيب صالح أو أعمال ليلى أبوالبلا، فستجد لها طبعات وترجمات متعددة في المكتبات الكبرى وعبر متاجر الكتب المستعملة على الإنترنت. الصبر والمثابرة يقدّمان نتائج حلوة، واللحظة اللي تحصل فيها على نسخة مترجمة جيدة تحسّها تستاهل كل الجهد.
لا شيء يلمسني كما تفعل النغمة الأولى من 'أغاني سودانية' حين تُدرج في مشهد سينمائي عربي — تملك قدرة غريبة على تحريك الذكريات وإضفاء عمق فوري على الصورة.
أذكر مرّة عندما شاهدت مشهداً بسيطًا تحول إلى مشهد مؤثر بفضل طبقة صوتية بسيطة من لحن سوداني، شعرت حينها أن المخرج لم يضع تلك الأغنية صدفة؛ بل عرف أنها ستكسر الصمت وتقول ما لا تستطيع الكلمات المكتوبة قوله. الموسيقى السودانية تحمل بين نبراتها سلاسة وتوترًا يجعلها مثالية للتصوير، من أغاني الناي أو الإيقاعات الطربية إلى الأصوات الشعبية القريبة من الشعر المُغنى.
بالنسبة لي، أثر هذا النوع في السينما العربية ظهر بثلاثة أشكال واضحة: أولاً، كخلفية عاطفية تضيف أصالة للمشاهد؛ ثانيًا، كمصدر إيقاعات وألحان تلهم الملحّنين العرب لتجريب مقامات وأدوات جديدة؛ وثالثًا، في منح الشخصيات طابعًا ثقافيًا محددًا عندما تكون القصة تتعامل مع الهجرة أو الحدود بين الهوية والاغتراب. هذه الأغاني لم تنافس الأصوات الأخرى؛ بل أضافت طبقة لونية أغنت السينما عن نفسها، وهذا ما يجعلني أحسّ بالامتنان كلما أستمع إليها على شاشة مظلمة.
أعترف إن الساحة الدرامية العربية لا تبدو فيها أسماء سودانية كثيرة ومتداخلة مع سوق المسلسلات الكبير، لكن هذا لا يعني غياب المواهب. في الواقع، معظم الوجوه النسائية السودانية البارزة اليوم تبرز أكثر في السينما المستقلة والمسرح والمهرجانات المحلية والإقليمية، وليس بالضرورة في مسلسلات رمضان أو الأعمال التجارية الكبيرة.
كمشاهد يتابع تطور المشهد، أراها نتيجة لعدة عوامل: قلة الإنتاج المحلي المتواصل في السودان لعقود، والهجرة التي أدت لصعود مواهب سودانية في بلدان الاغتراب حيث تعمل على مشاريع مستقلة، فضلاً عن قلة التمثيل في الإنتاجات العربية الكبرى التي تفضّل أحيانًا وجوهاً من دول إنتاج تلك الأعمال. لذلك عندما تسأل عن 'أبرز الممثلات السودانيات في الدراما الآن' أجد نفسي أقول إن الأسماء التي تستحق المتابعة هي تلك التي تظهر في مهرجانات السينما، وتشارك في أعمال مسرحية وثقافية محلية أو مشاريع تلفزيونية مستقلة.
إذا أردت نهج عملي للتعرف إليهن؛ تابع مهرجان الخرطوم السينمائي، حسابات فرق المسرح السودانية، وصفحات الفنانات السودانيات على منصات البث المستقلة — هناك ستكتشف مواهب متعددة لا تقل جودة عن نجوم الدراما التقليدية، لكنها تحتاج وقتًا لتشق طريقها إلى الشاشة الكبيرة على مستوى العالم العربي.