ظل عنوان 'كتاب كتاب' يدق على باب مخيلتي كفكرة بسيطة تحولت إلى لُغز يستحق الاستكشاف.
بدأ كل شيء بورقة قديمة وجدتها داخل كتاب مهمل في سوق للكتب المستعملة؛ كانت مذكّرة قصيرة تحمل جملة غامضة عن طفل يجمع كلمات من الشوارع. أمضيت أيامًا أقرأ وأعيد قراءة الجملة، وأكتب سيناريوهات محتملة لها، ثم عدت إلى ذكريات الطفولة والقصص التي سمعتها من جدي. هنا ولدت فكرة العمل: أن أكتب رواية عن كتب تبحث عن قرّائها كما يبحث الناس عن كتب.
بعد ذلك تحولت الفكرة إلى مشروع من خلال خلط الملاحظات الصغيرة، الأحاديث الملتقطة في المقاهي، وأغاني قديمة تحمل عبارات عابرة قد تُصبح عناوين فصول. اخترت أن تكون الرواية لعبة على مستوى اللغة نفسها—أن تُعيد قراءة الكتب وتُعيد صياغة حكايات الناس. انتهى بي المطاف بصفحات مغطاة بخرائط أفكار ورسومات بسيطة قبل أن أبدأ الكتابة الحقيقية، وشعرت بمتعة الطفل الذي يجد صندوقًا مليئًا بالكنوز، وهذا ما أبقاني مستمرًا حتى اكتمال النسخة الأولى.
عند قراءة 'كتاب الشاعر' شعرت وكأنني أمشي في شارع أغلقته الأمطار، وكل خطوة تكشف قصيدة جديدة على الرصيف.
في تجوالي داخل الصفحات ظهر لي بوضوح أن الموضوع المركزي ليس مجرد حب أو حزن منفصلين، بل هو علاقة الشاعر بالواقع من خلال اللغة. الكتاب يتناول كيف تصنع الكلمات هويّة الإنسان، وكيف يمكن لمفردات بسيطة أن تحمل ذاكرة كاملة عن مدن، وجراح، ووجوه لا تُنسى. هناك ميل واضح إلى المزج بين الحميمي والسياسي: قصائد تتحدث عن العشق ثم تنقلب إلى نقد اجتماعي بلمحة واحدة، كأن الشاعر يريد أن يبرهن أن القلب والموقف السياسي طرفا خيط واحد.
ما أعجبني شخصياً هو كيف يستخدم المؤلف الصور الحسية—الليل، القهوة، النوافذ—كأدوات لربط الزمان بالمكان. كما أن الكتاب لا يَخشى الصمت؛ في بعض الصفحات يتحوّل الفراغ بين السطور إلى رسالة بحد ذاته، وهذا يجعل الموضوع عن القدر الذي تتركه الكلمات، والقدر الذي يجب أن يظل بلا كلام. أخرجتني قراءته وأنا أفكر في لغتي الخاصة، وفي كيف أكتب عندما لا أريد أن أخون شعوري أو موقفي.
أذكر مراجعةً أثارتني لدرجة أني بقيت أفكر فيها أيامًا بعد قراءتي، وكان عنوانها ينتقد أسلوب السرد في 'كتاب كتاب' بشدة. النقّاد الذين هاجموا العمل ركّزوا على الإيقاع المتقطع والحوارات التي اعتبروها مُجبرة، وحكوا عن شعورهم بأن الحبكة لا تتطوّر بانسيابية كافية. لكن لا يمكن تجاهل أن بعض النقّاد الآخرين أشادوا بالمواضيع الجريئة التي يطرحها الكتاب، وبالطقوس اللغوية التي أحيانا تبدو غير مألوفة للقارئ العادي.
قرأتُ نقدًا مطوّلًا تناول الشخصيات بحدة، ووجه اللوم للكليشيهات المتكررة، وفي المقابل وجدتُ مقالة أخرى تدافع عن التجريب الأسلوبي وتعتبره جزءًا من قوة العمل. في الواقع، القسوة النقدية لم تكن شاملة؛ كانت مركّزة على عناصر بعينها—الأسلوب والهيكلة والتوقعات المسبقة للقراء والنقاد على حد سواء.
ختامًا، أعتقد أن نقد النقّاد كان حادًا أحيانًا ومتفهمًا أحيانًا أخرى؛ الأمر يعتمد كثيرًا على الخلفية النقدية وما إذا كان الناقد يبحث عن تقاليد سردية كلاسيكية أم عن تجارب لغوية جديدة. بالنسبة لي، تلك التباينات جعلت قراءة المراجعات ممتعة بقدر ما كانت محبطة، ولا شيء يضاهي قراءة الكتاب لتكوين حكمك الخاص.
أحسست بأن 'كن أنت' يتكلم معي بصوت هادئ وواضح منذ الصفحة الأولى، كأن كتابًا صغيرًا يحمل مرآة صادقة.
يتناول الكتاب فكرة بسيطة لكنها عميقة: أن الحرية الحقيقية تبدأ عندما نتوقف عن محاولة إرضاء الآخرين ونتعرف على قيمنا وحدودنا ونتصرف وفقها. الكاتب يمزج بين قصص واقعية، تمارين عملية، ونصائح نفسية مبسطة تساعد القارئ على فك ربط هويته بتوقعات الناس. ركزت كثيرًا على فصل يتحدث عن كيفية التعرف على الأصوات الداخلية الناقدة وتمييزها عن قيمك الحقيقية.
في نهاية كل فصل توجد أنشطة قصيرة تجعل تطبيق الأفكار ممكنًا بدلاً من أن تبقى نظرية. أعجبني أن الكتاب لا يعد بطرق سريعة للتغيير، بل يدعو إلى ممارسة يومية وصبر على الذات. شعرت بأن القراءة كانت رحلة قصيرة لكنها فعالة نحو مزيد من الراحة مع نفسي، وهذا ما جعلني أعود إليه مرات قليلة عندما أحتاج تذكيرًا عمليًا.