صورة 'مدينة النحاس' عندي كأنها ولدت من دمج أسواق قديمة وموانئ صناعية، ومشاهد طلّاء النحاس المتعرّقين تحت شمس حارة.
أذكر أني فكرت في الأزقة الضيقة المشبعة برائحة التوابل والجلود مثل ما رأيت في 'فاس' و'مراكش'، حيث تلتقي الدكاكين الصغيرة بصياغي المعادن الذين يعملون أمام مرأى المارة. الأكشاك المعلقة، والأبنية ذات الشرفات الخشبية المزخرفة، والفسيفساء المتسخة بالطقس كلها عناصر أظهرتها الرسوم.
بالمقابل، أعطتني صور المدن المينائية مثل 'فالبارايسو' و'يافا' فكرة عن التراكيب المرتفعة على التلال، والأرصفة المبلّطة، والحوائط المصبوغة بصدأ البحر. لا أنسى أيضاً تأثير المدن الصناعية والمناجم — مناطق مثل 'تشوكويكاماتا' في تشيلي أو خط النحاس في أفريقيا — حيث تعكس المصانع ملامح طبقات من المعدن والبرد الداخلي.
في النهاية، تبدو 'مدينة النحاس' عندي خليطاً حميمياً بين سوق عربي قديم وميناء صناعي متآكل، مع لمحات من قصور مشربة بالذهب الأخضر للصدأ، وهذا ما يجعلها واقعية بما يكفي لتشعر بأنها مدينة يمكنك زيارتها عند قراءة الصفحة التالية.
صُدمت من الطريقة اللي بدأ فيها المخرج تحويل 'مدينة النحاس' للشاشة — الافتتاحية كانت بمثابة رسالة واضحة: هذه ليست مجرد إعادة سرد للرواية، بل مدينة حية بنفسها. الكادرات الأولى استخدمت لون النحاس بذكاء شديد؛ طيف ألوان من البرتقالي المحروق إلى الأخضر المتأكسد أظهر المدينة ككائن يتنفس ويهرم في آنٍ واحد. شعرت أن المصور اتفق مع مصمم الإنتاج على أن يجعل النحاس بطلاً خامسًا، مشهد وراء مشهد.
في المقاطع الداخلية، المخرج اختار لقطات قريبة وحميمية للأشياء البسيطة — سلاسل من الحلي النحاسية، صناديق قديمة، اقتران الضوء بالسراب — ليحفّز الحنين والخرافة. بالمقابل، المشاهد الخارجية اتسمت بزوايا واسعة وطائرات ثابتة لإظهار البنية العمرانية العمودية والضجيج الاقتصادي في الشوارع. هذا التوازن بين القرب والبعد جعل المدينة تبدو كعالم متكامل، مليء بالتناقضات والقصص الصغيرة التي تُروى من خلال التفاصيل، وليس من خلال الحوار فقط.
على مستوى الإخراج، حبي الأكبر كان لقرارات الإيقاع: مشاهد الهدوء الطويلة تفسح المجال للتأمل ثم تتفجر بلقطة قصيرة ومفاجئة تُعيد تركيز المشاهد. بهذه الحركات، المخرج حول 'مدينة النحاس' إلى تجربة سينمائية أكثر منها مجرد اقتباس سردي، وخلّف لدي إحساسًا واضحًا أن المدينة نفسها هي الشخصية الأكثر تأثيرًا في الفيلم.
لا أصدق السرعة التي شهدت بها المدن الصناعية في مصر تغيّرًا ملموسًا خلال العقد الماضي؛ التحول كان محسوسًا حتى في الطرقات التي أعرفها جيدًا. في السنوات العشر الماضية أصبحت مناطق مثل مدينة السادس من أكتوبر والعاشر من رمضان وبورفؤاد ومحافظات الساحل الشمالي وموانئ مثل العين السخنة ووصلات قناة السويس عبارة عن مراكز نشاط صناعي حقيقية، مدفوعة بمشروعات بنية تحتية ضخمة وسياسات جذب للاستثمار. ما زاد الطابع الصناعي هو استهداف السلاسل اللوجستية: طرق ومحاور نقل، تحديث موانئ، وتسهيلات جمركية في بعض المناطق الاقتصادية الخاصة، وهذا انعكس على السرعة التي تنتقل بها البضائع والمواد الخام بين المصانع والموانئ.
في داخل المصانع تغيرت الصورة أيضًا؛ رأيت انتقالًا تدريجيًا نحو الاعتماد على تكنولوجيا أبسط من مفهوم 'الصناعة 4.0' مثل أنظمة إدارة المخزون الرقمية، وأجهزة قياس وتحكم أوتوماتيكية في خطوط الإنتاج، إلى جانب ظهور حواضن ومراكز للتدريب الفني داخل المدن الصناعية. هناك توجه واضح نحو تنويع القاعدة الإنتاجية: من الصناعات الكيماوية والنسيج إلى تجميع الإلكترونيات، وقطع غيار السيارات، وبعض الصناعات الغذائية المتميزة للتصدير. حكومة مصر نفذت حوافز استثمارية جديدة خلال العقد، وخلق ذلك فرصة للمصانع الصغيرة والمتوسطة للالتحاق بسلاسل التوريد الدولية، خاصة مع مجالات التصدير التي بدأت تستعيد زخمها بعد صدمات متعددة.
لكن التطور لم يأتِ من دون مشاكل؛ ضغط المياه والكهرباء، تحديات بيئية نتيجة تركز المصانع دون بنية صرف صحي متكاملة، ونقص في العمالة الماهرة ظلت عقبات حقيقية. أزمة كورونا كانت اختبارًا قاسيًا ولكنها أيضًا عرضت نقاط القوة: بعض المصانع سرعان ما أعادت هيكلة خطوط الإنتاج لتلبية احتياجات السوق المحلي، وبعض الشركات تبنت سياسات أكثر مرونة للعمل. المستقبل يعتمد على الدفع باتجاه صناعات أقل تلويثًا، استثمارات في تدريب فني فعّال، وتحسين الإسكان والخدمات المجتمعية حول المدن الصناعية لكي لا تبقى هذه الأنشطة مجرد مناطق إنتاج باردة، بل تجمعات عمرانية مستدامة. بالنهاية، التجربة بالنسبة لي شعرت بأنها بداية فصل جديد لصناعة أقرب إلى التحديث، مع الكثير من العمل المتبقي لجعلها عادلة وبيئية.
لنتحدث عن 'بلدة الميناء'، ذلك العمل الذي أسر قلبي منذ أول مشاهدة. الشخصيات الرئيسية هنا ليست مجرد أسماء، بل أرواح تعيش بين الأمواج.
علي، الصياد الشاب الذي يكافح لإنقاذ تراث عائلته، كان مصيره مؤثراً للغاية. بعد أن فقد قاربه في عاصفة، تحول إلى مرشد سياحي، لكنه ظل يحلم بالعودة إلى البحر. في النهاية، جمع المال واشترى قارباً صغيراً، لكنه اختار أن يتركه لأخيه الأصغر ليكمل المسيرة. هذا القرار أظهر نضجاً مؤلماً.
أما نورة، ابنة صاحب المقهى القديم، فكانت الروح المتفائلة التي تجمع الجميع. مصيرها كان أغرب: بعد أن رفضت الزواج التقليدي، افتتحت مكتبة صغيرة على الميناء وأصبحت رمزاً للثقافة المحلية. علاقتها بعلي كانت معقدة، لكنها انتهت بصداقة عميقة بدلاً من قصة حب تقليدية.
لا يمكن نسيان شخصية الحاج سليم، الرجل العجوز الذي يحكي الحكايات. مصيره كان مأساوياً، حيث توفي بهدوء أثناء جلوسه على مقعده المطل على البحر. لكن إرثه استمر: قصصه أصبحت جزءاً من دليل المدينة السياحي. هذا العمل أظهر كيف أن حتى الشخصيات الثانوية تترك بصمة لا تُمحى في النسيج الدرامي.
أذكر دائماً أن 'مدن الملح' ليست مجموعة أسماء على ورق بل نبض مجتمع يتغيّر، والشخصيات فيها تمثل أدواراً اجتماعية بامتياز.
أنا أرى أن أهم الشخصيات في الرواية تتوزع بين فئات واضحة: الشيوخ ووجهاء القبائل الذين يحاولون الحفاظ على مكانتهم وتقاليدهم وسط زلزال النفط؛ والتجار وأرباب الرأسمال المحليين الذين يتعاملون مع الطفرة ببُنى طموح متفاوتة؛ والعمال والبدو الذين يجدون أنفسهم مجبرين على اختيار بين البقاء على الأرض أو العمل في مشاريع الشركات الأجنبية. هؤلاء يشكلون العمود الفقري للسرد.
إلى جانب ذلك هناك المثقفون والمعلمون والقضاة الذين يمثلون ضمير المدينة أو صوت التغيير، بينما يقف ممثلو شركات النفط والمهندسون الأجانب كرموز للقوة الاقتصادية الجديدة والتأثير الغربي. ولا يجب أن أغفل نساء المجتمع اللواتي تظهر قصصهن بشكل قوي أحياناً عبر الخسارات والصمود والتكيّف. بالنسبة لي، جمال 'مدن الملح' أن منيف جعل كل شخصية، حتى الثانوية منها، مرآة لتلك الحقبة المتقلبة، فتصبح الرواية دراسة اجتماعية لا تُنسى.