كلما غرقت في صفحات دوستويفسكي أجد صدىً لها يتردد في زوايا الرواية العربية الحديثة، وكأن بعض كتّابنا وجدوا في محلّياته النفسية والوجودية مرآة مناسبة لعتمة المدن العربية وتحولات المجتمع.
دوستويفسكي أعطى الأدب العربي أدوات جديدة للتعرّف على الإنسان من الداخل: صراعات الضمير، الانهماك في الحب والكراهية، وإشكاليات الحرية والذنب. الأمر ليس مجرد تقليد شكلي، بل تقاطعات موضوعية عميقة؛ فمثلاً روح البحث عن الخلاص أو التبرير داخل شخصية 'روديون راسكولينikov' في 'الجريمة والعقاب' تجد نظائرها في
روايات مصرية وسودانية وسورية تتعامل مع الفقر، العنف الاجتماعي، والإحساس بالمسؤولية الفردية تجاه الآخر. نجيب محفوظ لم يخف إعجابه بالأدب الروسي، ويمكن رؤية آثار هذا التأثير في اهتمامه بالمدن كفضاءٍ نفسي واجتماعي ('الثلاثية' و'زقاق المدق')، حيث تصبح القاهرة بمختلف أحيائها ميداناً لصراعات داخلية وشخصيات تأرجحت بين البراءة والذنب.
أسلوب دوستويفسكي في الحوار الداخلي والسرد أحادي الصوت أو السرد غير الموثوق أثر أيضاً بشكل واضح على كتاب عرب جرّبوا تقنية الاعتراف واليوميات لإظهار تناقضات الذات. 'مذكرات من تحت الأرض' قدمت نموذج الراوي المتمرد على العقل الجمعي، وهذا النموذج تجده في روى معاصرة تستخدم التمرد الداخلي كآلية لمناقشة الهوية والحداثة. كذلك تعددية الأصوات—حوار شخصياتٍ تمثل توجهات مختلفة وتتصارع فكرياً داخل العمل—أصبحت تقنية مألوفة في روايات تتناول أزمات الإيمان والشك والحداثة في العالم العربي، خاصة في نصوص تناقش التضاد بين التقليد والتحديث.
بعيداً عن الأساليب، هناك أثر موضوعي عملي: اهتمام الرواية العربية بالمشاكل الاجتماعية كفقر المدن، الجريمة، قضايا الأخلاق الفردية والجماعية، وأيضاً التركيز على النفوس المضطربة بدلاً من مجرد عرض الأحداث الخارجية. هذا سمح لكتّاب مثل طيب صالح في 'موسم الهجرة إلى الشمال' ويوسف إدريس في قصصه القصيرة أن يغوصوا في تشظيات الذات وأن يجعلوا من البطل موقعاً للصراع بين التاريخ الشخصي والضغوط الاجتماعية. بالنسبة لي، أجمل ما في تأثير دوستويفسكي هو أنه علّمنا كيف نحوّل أحاديث الضمير والشك إلى مادة سردية مشدودة، وكيف نعطي للقارئ فرصة أن يُحاكم الأبطال داخلياً قبل أن يحكم عليهم اجتماعياً.