Share

عاشقان المدينه
عاشقان المدينه
Author: رنا خميس

part 1

last update publish date: 2026-05-16 11:00:50

لم يكن الخبر عاديًا، ولا يمكن أن يُستقبل بهدوء.

جلست “ليلى” في غرفة المعيشة، ويداها متشابكتان فوق حجرها، وعيناها معلّقتان بوالدها الذي بدا أكثر جدية من المعتاد.

أما والدتها، فكانت تراقبها بصمت، كأنها تنتظر انفجارًا وشيكًا.

قال والدها أخيرًا، بصوتٍ لا يحتمل التأجيل:

“ليلي، في حاجه مهمه اوي لازم تعرفيها ”

شعرت بشيءٍ يهبط في صدرها.

حدسٌ غريب أخبرها أن القادم لن يعجبها

وبالفعل أكمل والدها

“اتفقنا انا وعمك سامح أنوا تتجوزوا.”

تجمّدت

لم يكن هناك سوى شخصٍ واحد يمكن أن يُقصد بـ”واو الجماعه”.

همست، وكأنها تخشى أن تتحوّل الكلمات إلى حقيقة:

“قصدك اي يا بابا؟”

تبادل والداها نظرة قصير

ثم قال: “تتجوزي انتي وياسر.”

لم تصرخ، لم تعترض فورًا.

فقط نظرت إليه.

نظرة طويلة، خالية من أي تعبير، كأن عقلها يرفض استيعاب ما سمع.

ثم ضحكت.

ضحكة قصيرة، جافة، لا تحمل أي أثر للمرح.

“انتوا بتهزروا صح، اصل اكيد ده هزار؟”

لم يجب أحد.

لذا أكدت بنظره لا تحتمل اي نقاش

“بابا قولي انك بتهزر ”

فقاطعها أباها سريعا، ونظره امها كانت كفيله بمعرفه أن الآتي لن يعجبها ابدا

" مش بهزر يا ليلي، لو سمحتي افهمي الاول قبل ما تعترضي"

اختفت ابتسامتها، مستحيل، ما يقوله أباها بالتأكيد مستحيل

فهو وامها العالم بكيف هي علاقتها مع ياسر، علاقه اقل ما يقال عنها انها معقده

فهي لا تتذكر متي تبادلت هي وياسر الابتسامات، كل ما تتذكره هو شجارات لا تنتهي وتنافس رهيب لا يُحتمل علي مدار حياتهم

لذا اردفت وهي تحاول أن تستوعب ما يُقال لها

“افهم اي واعترض اي، هو انتوا سامعين انتوا بتقوليوا اي ”

ثم أكملت بصوت مزهول

" انا وياسر ازاي؟ انتوا سامعين انتوا بتقولوا اي"

وفجأة، وبلا اي مقدامت نهضت من مكانها وكأن الجلوس لم يعد يحتملها

وبالفعل هي لم تعد تتحمل أن تستمع اي من هذا الهراء، لذا قالت بنبره

خاليه من اي مزاح

“أنا مش هتجوزه”

قالتها بوضوحٍ تام.ونبره لا رجعه فيها، او هذا ما ظنته

لكن والدها لم يتراجع:

“الموضوع مش بمزاجك اللي اتفقت عليه مع عمك هو اللي هيتم”

في مكانٍ آخر

كان “ياسر” يقف أمام والده، وملامحه متصلبة على نحوٍ لم يخفِ غضبه.

“انت بتقول اي يا بابا ؟”

فأجابه والده بصرامته المعتادة “هتتجوز ليلى.”

صمت.

ثم ضحك بسخرية:

“من بين كل الناس، بتقولي انا اتجوز ليلي”

فناظره أباه بنظراته الحاده، يرمقه وكأنه سينقض عليه في أي وقت، قبل أن يجيب بغضب مكبوت " انا مش بلعب معاك، ومش بقولك تتجوزها عشان انا عايز ادايقك، الجواز ده جواز مصلحه "

فضرب ياسر جبينه بيده قبل أن يجيب بلا تصديق

“وانا اي اللي يجبرني علي الجواز المصلحه ده، ومصلحه اي اصلا اللي تخليني اتجوز ليلي"

فآتته اجابه أباه الحاسمه والتي لا تتقبل اي نقاش

" انا الادري بمصلحتك وبمصلحه الشغل، وده قرار نهائي يا ياسر انا مش باخد رأيك فيه، هتتجوز ليلي يعني هتتجوزها، وكل شغل العيال وخناقتكوا ديما ده تركوه ورا ضهركوا لأن مصلحه العيله اهم"

لم يقتنع ياسر، لم يقتنع ولا حتي بمجدار ذره، بكل هذا الهراء من وجه نظره، ولكن هو وجد.نفسع يتسائل فجأه

" وهي قرارها اي؟ وافقت !"

كان متشوقا جدا لسماع رأيها، فضولي جدا بشأن رفضها أو موافقتها

ولكن اباه أجاب وهو ينهي معه الحديث

" هنعرف بعد ساعتين، يكون عمك بلغها، وهنتجمع كلنا عنده، وساعتها هتعرفوا عرض الجواز ده اي غرضه"

ثم تركه وحده يتخبط في فضوله وحيرته!

ولكنه في النهايه قررر أن يصمم علي قراره، وهو الرفض التام

و لم يكن هذا قرارًا عابرًا ،بل نتيجة سنوات

سنوات من التنافس، من العناد، من محاولات التفوّق التي لم تتوقف يومًا.

-فلاش باك

في الصف الرابع الابتدائي

وقفت ليلى أمام لوحة الشرف، تنظر إلى اسمها المكتوب في الأعلى، بابتسامة فخر واضحه حتى سمعت صوت خلفها، صوت تعرفه جيدا

"متتبصتيش اوي كده، ما بينا فرق نص درجه بس.”

استدارت بحدة، ثم ناظرته بغيظ لتقليله من مجهوداتها:

“بس النص الي مستهون بيه ده هو اللي خلاني الاولي.”

ابتسم بثقة:

“بس برضوا حاجه تعرفك اني قريب اوي هبقا انا الاول"

وكان هذا كفيلا بجعلها تجري خلفه طوال اليوم، حتي ينال جزاء كلماته

وفي الصف الإعدادي

كانت ترفع يدها للإجابة، قبل أن ينطق المعلّم بالسؤال كاملًا.

“أنا، أستاذ!”

لكن صوته كان يسبقها:

“الإجابة هتبقا اول اختيار”

وهذا كان كفيلا بجعلها تنظر إليه بغيظ، وهو يكتفي بابتسامة خفيفة، كأنه يتحدّاها بصمت، أو كأنه يسرق انتباهها بطريقه عكسيه

أما في المرحلة الثانويه

تحوّل الأمر إلى معركة صامتة،درجات ،ترتيب، نظرات في قاعة الامتحان.

كل منهما كان يعلم بوجود الآخر بجانبه ومتوترة مثله حتى دون أن يراه.

وفي يوم إعلان النتيجه، وقفا أمام اللوحة ذاتها، تلك التي وقفا أمامهما قبل أثناء عشر عاما، في الابتدائيه تحديدا

اسمها أولًا ك عادتها واسمه ثانيًا وكأنه يحميها من أن يقترب اي احد منها

ولكنها كعادتهم منذ آخر سنه في الاعداديه تقريبا، يتجاهلان بعض تماما،

لذا هي لم تنظر إلي ولكن ورغم ذلك لقد شعرت بنظره عليها، لا يفارقها، ك ظل يتابع كل حركه تفعلها باهتمام لا تفهمه

ثم قال بهدوء:

“مبروك.”

وبعيدا عن مفاجأتها كونه حدثنا بل ووجه لها أي كلام، ردّت هي دون أن تلتفت

وكإنها تذكره بمعاهده التجاهل، الذي عقدوها منذ سنين

“شكرا، كان فاضل نص درجه برضوا "

فابتسم، ابتسامه صغيره شككتها في نفسها انها رأتها من الأساس، ولكنه في الحقيقه كان منصدم من تذكرها لذلك الحادث في الابتدائيه، ولا يعلم السبب

ولكنه فرحا بعوده الكلام بينهم بعد انقطاع اربع سنوات

وهذا يوضح أن ما بينهم لم تكن كراهية حقيقية…

بل شيءٌ أشد تعقيدًا.

شيءٌ لم يفهمه أيٌّ منهما خصوصا في هذا السن الصغير

- العودة إلى الحاضر

" مش موافقه يعني مش موافقه "

قالتها ليلى مجددًا، لكن صوتها هذه المرة كان أقل ثباتًا.

ف تنفّس والدها بعمق:

“قولتلك مينفعش تقرري ده وانتي مش فاهمه الجواز ده قد اي مفيد للعيله”

“يعني جواز مصلحه يا بابا.”

هذا ما قالته وهي تكاد لا تفهم كيف أباها موافق بهذا الشكل بل وامها أيضا يظهر عليها الرضا

“سمّيه اللي تسميه.”

اجابه بارده من والدها، لم ولن تعجبها

اذا تنهدت تحاول أن تتوصل لحل يرضي الطرفين

“طيب فهمني لي علي الاقل ،فهمني وجه نظرك"

صمت لحظة… ثم قال:

“عشان الوقت ده بالذات، الشغل اهم من اي حاجه.”

وحتي بعد جُملته تلك هي لم تفهم اي شئ، لأنها لا تعرف كيف لشخص تتجاهله منذ خمس سنوات وتنافسه بكل قوتها، أن تتزوجه ببساطه!!

في الجهة الأخرى…

كان ياسر يحدّق في الفراغ، بينما كلمات والده تتردد في ذهنه وطريقته التي لا تقبل النقاش يجعله يتسائل عن هذا السبب الذي يدعو لإجباره علي زيجه

لا يرغب بها

ولكن أكثر ما جعله في حيره تامه هي كلمات أباه الاخيره

" علي فكره انتوا هتعيشوا في البيت القديم "

“أي بيت؟”

هذا ما تسائل عنه حينها

واجابه اباه آتته ك صاعقه اخري لا يريد تصديقها

" بيت العيله القديم، اللي في اخر المدينه"

لذا عقد حاجبيه بغضب أصبح لا يُخفي

“ولي هناك تحديدا ؟”

“لأن مستقبلنا… هناك.”

وها هي اجابه مبهمه اخري، لا يفهم منها شئ، ولا تزيد الوضع الا تعقيدا

ولكن وعلي ناحيه اخري من هذا الغضب وهذا الرفض التام لهذا القرار الغرير

لم يكن أيٌّ منهما يعلم… أن هذا القرار لن يضعهما فقط تحت سقفٍ واحد.

بل سيجبرهما على مواجهة… كل ما تهرّبا منه لسنوات.

عادت ليلى إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوة.

أسندت ظهرها إليه… وأغمضت عينيها.

هامسه بلا تصديق، وكأن شفتيها لا تستوعب أن هذا الاسم بعد طوال تلك السنوات أصبح من المسموح لها أن تنطق به

“ياسر…”

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
lololollolololol68
تحفه طبعا طبعا
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • عاشقان المدينه    part 50

    غابت شمس ذلك النهار المشهود، وحلّ المساء الحامل معه نسمات رطبة داعبت زجاج نوافذ الشقة الدافئة. كانت رائحة البخور الخليجي الذكي تفوح من المخرة النحاسية التي أشعلتها والدة ليلى فور وصولها، لتضفي على المكان صبغة من السكينة التي افتقدتها العائلة لشهور طويلة. كان هذا المساء بمثابة عيد صغير؛ إنه التجمع الأول الذي يضم أركان العائلة الكبار بعد رحلة شفاء ياسر المريرة، وعودته المقاتلة لمباشرة عمله الميداني في قلب الخرسانة المسلحة.ولم تمضِ ساعة واحدة حتى امتلأت ردهات المنزل بصخب محبب. دخل والد ليلى بخطواته الوقورة ورأسه المرفوع، يتبعه والد ياسر بملامحه الطيبة التي حفر عليها الزمن خطوط الحكمة والوقار.. بينما كانت والدة ليلى تدير حركة الشقة بهمتها المعهودة. تحرك الجميع نحو غرفة الطعام، حيث اجتمعوا حول السفرة الكبيرة التي غصت بأصناف الطعام الشهي التي أُعدت خصيصاً لهذه المناسبة.ساد الدفء وعلت الضحكات الخفيفة، وامتزجت مباركات الأب والأم بدعوات الشفاء المخلص لياسر الذي كان يجلس وعلى وجهه ابتسامة هادئة، يطمئنهم بين الحين والآخر أن العمل هو ما ردّ فيه الروح. كانت ليلى تجلس بجواره، تختلس النظر إليه

  • عاشقان المدينه    part 49

    مرت الدقائق متثاقلة كأنها تعاند الزمن، وتأبى أن تنهي هذه الهدنة المؤقتة التي صُنعت من رحم المعاناة. كان الجو داخل الكرفان قد تحول تماماً من رطوبة القلق وخنقة الأوراق المكدسة إلى دفء إنساني نادر. ظلت ليلى متمسكة بقميص ياسر، وأصابعها تتشبث بالقماش كأنها تتمسك بحياتها نفسها، بينما كان هو يستنشق عبيرها ببطء، وكأنه يشحن روحه بالطاقة اللازمة لمواجهة الإعصار الذي ينتظرهما بالخارج. كانت أنفاسهما قد بدأت تتناغم وتأخذ إيقاعاً واحداً منتظماً، لحناً صامتاً يعبر عن صلح حقيقي لم تكن هناك حاجة لتوثيقه بالكلمات الطويلة. فجأة، قطع هذا السكون صوت خطوات ثقيلة تقترب من الباب الخارجي للكرفان، يرافقها صوت أجش مألوف للمعلم عبد الستار.. رئيس عمال الخرسانة، وهو يتناقش بحدة مع المهندس حازم حول تأخر عربات توريد الأسمنت. شعرت ليلى برعشة خفيفة تمر بجسدها، وتوترت عضلاتها تلقائياً مدفوعة بغريزة العمل والمسؤولية..وحاولت الابتعاد قليلاً لتستعد لمواجهة الواقع، إلا أن ذراعي ياسر القويتين اشتدتا حولها للحظة إضافية، مانعتين إياها من الحركة، وكأنه يرجوها ألا تنهي هذا الحلم سريعاً. انحنى ياسر وطبع قبلة صغيرة وسريعة ع

  • عاشقان المدينه    part 48

    أسطح ياسر علي السرير الخاص بهم، بينما كانت ليلى ما تزال ممددة بجسدها المنهك..رأسها مستقر فوق صدره كعصفور بلله المطر ووجد مأواه أخيراً بعد عاصفة هوجاء. كانت خيوط الشمس الأولى تتسلل ببطء وهدوء شديد عبر شقوق الستائر القماشية المهترئة، وتنعكس على جدران الكرفان الحديدية، لتصنع لوحة دافئة تتناقض تماماً مع برودة وصخب موقع البناء الذي بدأ يستيقظ في الخارج. كان أزيز المولد الكهربائي البعيد وصوت محركات اللوادر الشاحبة يبدو كأنه يأتي من عالم آخر، عالم معزول تماماً عن هذه المساحة الصغيرة التي شهدت قبل ساعات قليلة بركاناً من الغضب والمشادات والاتهامات التي كادت تعصف بكل شيء بينهما.الصباح أتى عليهم وهم في أحضان بعض، يتنفسون الصمت بعد أن استهلكوا كل الكلمات الحادة في ليلتهم الطويلة. نعم، الأمر لم يتخط القبلات التي تبادلوها بعنفوان وشغف في ذروة شجارهم..لم يجرؤ أحدهما على المضي أبعد من ذلك في هذا المكان المؤقت، ولكنها كانت قبلات أعمق من ذي قبل بكثير. لم تكن قبلات اعتذار عابرة، بل كانت قبلات التحام روحي وجسدي كامل، صبّا فيها كل الكبت والإحباط والخوف الذي راكمته أسابيع الديون والإنذارات البنكية ال

  • عاشقان المدينه    part 47

    بينما كانت الفجوة الصامتة تتسع في الخفاء، جاءت الليلة التي انهار فيها جدار الصمت ليحل محله إعصار مكتوم من المشاعر المتضاربة. كان الثقل المالي قد بلغ ذروته، وشعر ياسر بأن الخناق يضيق حول عنقه، ولم يجد ملاذاً يهرب إليه من رعب الإفلاس وضياع شقا عمره إلا أن يدفن نفسه في العمل أكثر من اللازم، متحولاً إلى آلة صماء تتحرك بآلية مفرطة وعناد أعمى لا يرى سوى الأرقام والمخططات.في تلك الليلة، عادا من الموقع بعد نهار قارس من الضغط. تناول الطعام الذي أعدته ليلى بصمت وجوم، وكانت عيناه غائبتين تماماً خلف ستار من التفكير المضني. وعندما انتصف الليل، وتمددا معاً في الفراش، التفت نحوها ولف ذراعه حولها برفق، وطبع قبلة هادئة على جبينها وهو يخبرها بصوت خافت مجهد أنهم سينامون الآن ليريحوا أجسادهم من عناء اليوم. استسلمت ليلى لدفء صدره وأغمضت عينيها، وظنت أن جسده المنهك سينعم أخيراً ببضع ساعات من الراحة التي يحتاجها بشدة.ولكن، لم تمر سوى ساعة واحدة حتى تأكد ياسر أن أنفاسها قد انتظمت في نوم عميقببطء شديد وحذر مفرط، سحب ذراعه من تحت رأسها، وانسحب من الفراش بخفة كأنه طيف، دون أن يصدر أي صوت. ارتدى سترته الخفيف

  • عاشقان المدينه    part 45

    جلس ياسر على طرف الفراش وهو يمرر أصابعه في شعر ليلى ببطء شديد، بينما كانت الفرشاة الخشبية تتحرك بين الخصلات الطويلة بهدوء مفرط ورقة متناهيةولم يكن في أرجاء الغرفة صوتاً مسموعاً سوى أزيز المروحة المعلقة ودقات الساعة التي تقترب سريعة من وقت الفجر. كانت ليلى تغمض عينيها من فرط الإرهاق كملاك متعبواضعة رأسها الثقيل على ركبته ومستسلمة تماماً لتلك اللمسات الدافئة التي تحاول طمأنتها وهدهدة روعها بعد نهار شاق، غير أن الصمت الذي لف المكان في هذه الليلة لم يكن كصمت الأيام الخالية التي تلت خروجه من المستشفى..لم يكن صمتاً يحمل في طياته الراحة والشفاء، بل كان ثقلاً غريباً يتمدد بين جدران الغرفة، كأن جداراً سميكاً من الخرسانة غير المرئية قد ارتفع فجأة في منتصف المساحة وبات كل منهما يحاول جاهداً أن يرى الآخر من خلفه دون جدوى. إن أرقام الديون والالتزامات وضغوط المستثمرين الذين يترددون بكثرة على أرض الموقع قد التهمت عفوية الأيام تماماً، وجعلت المشاعر الدافئة واللفتات الرقيقة تخرج كأنها محاولة مستميتة لإثبات الصمود وإظهار القوة، لا كتدفق طبيعي نابع من أعماق القلب كما كانت في السابق قبل هجوم هذه ا

  • عاشقان المدينه    part 44

    استند ياسر برأسه إلى ظهر المقعد الخشبي في زاوية الكرفان، بينما كانت عقارب الساعة تقترب من الثالثة فجراً، ولم يعد في الغرفة صوت مسموع سوى أزيز المروحة المعلقة وأنفاس ليلى المتلاحقة وهي تدقق في الأرقام والرسومات المناسبه علي الابتوب الخاص بالعمل لقد ظنّ كلاهما أن هذا الروتين الرومانسي الدافئ، والاستيقاظ الهادئ، وتفاصيل الطبخ واللمسات التي نسجاها معاً في منزلهم سيستمر للأبد كحصن يحميهم من قسوة الدنيا. غير أن الواقع المالي الصارم للمشروعات الكبرى لا يعترف بالهدنة العاطفية ولا ينتظر شفاء القلوب أو العظام؛ فبعد مرور أسبوع تقريباً على نزولهم الفعلي للموقع، بدأت غيوم من نوع آخر تتشكل بكثافة فوق رؤوسهم،غيوم أزمة إدارية ومالية خانقة بدأت تزحف لتلتهم كل لحظة سلام استمتعا بها.بدأت المعاناة بزيارات مكثفة لا تتوقف من المستثمرين وأصحاب الحصص في المشروع والذين بدأت أقدامهم تطأ أرض الموقع بكثرة وبشكل يومي مقلق. لم تعد الاجتماعات تدور حول جودة الخرسانة أو جمال التصميم مع الطاقم الجديد، بل أصبحت مواجهات ساخنة وجافة؛ حيث كانت الشكوى المستمرة من تأخر المشروع هي النغمة الوحيدة التي تتردد على ألسنتهم

  • عاشقان المدينه    part 9

    لم يطرق أولًا، بقي واقفًا للحظة، كأنه يحاول ترتيب ما سيقوله داخل رأسه، وهو أمر لم يكن معتادًا عليه أصلًا. ثم طرق الباب، طرق خفيف. مرة واحدة. من الداخل جاء صوتها مباشرة، ثابتًا، بلا دفء: “نعم” فتح الباب. ثم دخل. أغلقه خلفه بهدوء. كانت تنظر إليه فقط، لكن لم تقم من مكانها. لم تُظهر

  • عاشقان المدينه    part 8

    لم يكن الصباح مختلفًا كثيرًا عن الأيام السابقة من حيث المكان، لكن شيئًا ما كان قد تغيّر في ليلى دون أن تلاحظه بسهولة حتى هي نفسها. خرجت هذا اليوم بخطوات أكثر ثباتًا، لم تقف طويلًا عند الباب كما كانت تفعل، ولم تكتفِ بالمراقبة من بعيد، بل اقتربت هذه المرة من قلب العمل نفسه. كانت الأرض أمام البيت

  • عاشقان المدينه    part 7

    في عمق الليل… كان الصمت يملأ الغرفة، ثقيلًا، ممتدًا، كأن البيت كله قد غفا إلا شيء واحد داخل عقل ياسر لم يكن نائمًا تمامًا، لانه ورغم أنه في سبات عميق، إلا أن عقله كان يحلم بها فقط ببطء… كما لو أنه ليس حلمًا عاديًا بل مشهد يُسحب من مكانٍ أعمق من الوعي. كانت ليلى أمامه، لكنها لم تكن كما يعر

  • عاشقان المدينه    part 17

    مرّ الوقت في موقع العمل كأنه نهر هادئ وجد مجراه الصحيح أخيرًا، فبعد أشهر من الشد والجذب، كان الوضع يشبه معزوفة مضبوطة الإيقاع، والتنظيم أصبح أفضل بكثير من السابق، والقرارات أصبحت تُتخذ بسرعة وحسم دون نقاشات بيزنطية، والعمال ينفذون التوجيهات بثقة واضحة لأن الإشارات التي تصلهم لم تعد متضاربة، ولم يع

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status