أحب دائماً التفكير في كيف أن
العصر العباسي لم يكن مجرد زمن للحكم والسياسة، بل كان مختبَرًا فذًّا للرياضيات والعلوم. على رأس القائمة يبرز
محمد بن موسى الخوارزمي، الذي كتب 'الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة' وقدم طرائق منهجية لحل المعادلات الجبرية وأدخل مصطلحات ومنهجيات لازمت العلم لقرون — حتى كلمة "
الخوارزميات" في لغاتنا تعود إليه. عمليّة نقل النظام العشري الهندي وتشجيع الاستخدام العملي للأرقام والمقارنة جعلت حساب التجارة والفلك أكثر سهولة.
ثابت بن قرة كان مترجماً ورياضياً بارعاً أيضاً؛ تعرّفت عليه عندما قرأت عن اكتشافاته في نظرية الأعداد وتحليلاته حول الأعداد الصديقة، كما وسّع آفاق ال
هندسة التحليلية بطرقٍ كانت قبل عصرها.
ابن الهيثم، الذي كتب 'المناظر'، لم يكتفِ بالبصريات بل طوّر أساليب تقريبية وحسابية قريبة من طرق التكامل، واهتم بتطبيقات الهندسة في القياس والرؤية.
ثم يأتي الكرجِي وأبو كامل الذين أخرجا الجبر من قيودِ الهندسة إلى مستوى تجريدي أعلى؛ الكرّاجي قدّم براهينًا على عمليات جبرية باستخدام
الاستقراء، وأبو كامل أدخل معاملة الأعداد الجذرية والعددية في الحلول الجبرية بشكل عملي.
عمر الخيام قدّم حلولاً هندسية لمعادلات من الدرجة الثالثة وربط بين الجبر والهندسة بجرأة. لا يمكن نسيان البطّاني والبيروني اللذين حسّنا الجداول المثلثية ودقّقا قياسات السنة والأرض؛ مساهماتُهم كانت ثمرة عملٍ حسابي دقيق خدم الفلك والملاحة. النهاية التي أراها جميلة هي أن هذه الجهود لم تكن معزولة: ترجمةُ النصوص في بيت الحكمة ونقلها إلى اللاتينية هي ما أدّى لاحقًا إلى إشراقٍ أوروبي — شعور يفوقني دائماً إعجابًا بالترابط بين الحضارات.