هذا سؤال يفتح مساحة حوارية رائعة بين العلم والنص الديني، ويجعلنا نفكر كيف يشرح كل منهما مفهوم 'الهداية' و'النور'.
من جهة العلماء التجريبيين، لم تُقدم العلوم الطبيعية تفسيرًا تفصيليًا لمقولة '
يهدي الله لنوره من يشاء' بمعنى إثبات أو نفى لعمل إلهي بطريقة تجريبية، لأن العلم يعمل بمنهجية تتعامل مع الظواهر القابلة للملاحظة والقياس والتكرار، بينما عبارة الهداية هنا متصلة بمسألة إيمانية ومغزى غيبي يتجاوز إطار التجارب المخبرية. لكن ذلك لا يعني أن العلم لا يدرس أو يفسّر جوانب ظاهرة قد يرتبط بها الناس عند الحديث عن 'النور' و'الهداية' — فالباحثون يدرسون عمليات معرفية ونفسية وبيولوجية يمكن أن تكون مرتبطة بتجارب البشر للوضوح العقلي، أو الإدراك القيمي، أو ما يسمونه أحيانًا 'اللحظات المستنيرة'.
أمامنا مجموعة من المجالات العلمية التي تعطي رؤى مترابطة: علم الأعصاب المعرفي يدرس لحظات الإدراك المفاجئ ('aha moments') ويبحث في شبكات الدماغ التي تتحول بين التفكير التحليلي والحالات الحدسية؛ هناك دراسات تشير إلى دور تفاعل قشرة الفص الجبهي مع الشبكة الوضعية الافتراضية في توليد وعي داخلي يؤدي إلى حلول أفكار جديدة. كما يشرح
علم النفس الاجتماعي كيف تؤثر التربيَة، والنماذج الاجتماعية، والبيئة الثقافية في 'توجيه' القيم والاختيارات—أي كيف يُشكل المجتمع ما يعتبره الفرد هداية أو ضلالًا. فيزياء الضوء والبيولوجيا تقدم أيضًا أمثلة: للضوء تأثيرات بيولوجية مباشرة على المزاج والتركيز عبر تنظيم الإيقاع اليومي وهرمونات مثل الميلاتونين والسيروتونين، وهذا قد يساعد الناس على الشعور بوضوح أو نشاط ذهني يُفسَّر لدى البعض كهداية.
ثم هناك مجال يُسمى أحيانًا 'علم الأعصاب الديني' أو الدراسات حول الخبرات الدينية، الذي بحث عن مرابط عصبية لتجارب الاتصال الديني أو الروحاني—لكن النتائج متباينة ومثيرة للجدل؛ بعض البحوث تُظهر نشاطًا في أجزاء معينة من الدماغ خلال التجارب الدينية، وبعضها يؤكد أن التجارب يمكن أن تُفسَّر دون الحاجة لفرضية خارقة. من جهة معرفية نظرية، نماذج مثل 'الدماغ التنبؤي' تشرح كيف يحدث تحديث للمعرفة والعقائد عندما تصطدم التوقعات بالواقع، ويُحدث ذلك شعورًا بأنه 'أضاء' شيء في داخلنا؛ هذه أمثلة على آليات طبيعية قد يُشبّهها البعض بالهداية.
الخلاصة العملية أن العلماء لم يقدموا «تفسيرًا تفصيليًا» يؤكد الفكرة العقدية بأن الله يهدي من يشاء، لأن هذا شأن إيماني يقع خارج نطاق المنهج التجريبي. لكن العلم يقدم مجموعة واضحة من الآليات المفسرة لكيفية حدوث تحولات معرفية ونفسية وبيولوجية يصفها الناس أحيانًا بأنها هداية أو نور داخلي، ويمنحنا أدوات لفهم الظاهرة على مستوى السبب المادي والمعرفي. بالنسبة لي، هذا التقاء وجهات النظر يضيف طعمًا مثيرًا: النص الديني يمنح المعنى والغاية، والعلم يفتح لنا بوابة لفهم الوسائل والآليات—وكلاهما يمكن أن يثري تجربة الإنسان إذا قرأنا كل منهما في مجاله.