author-banner
Boshra Daowd
Author

Novels by Boshra Daowd

أصداء لاتموس

أصداء لاتموس

يقولون إن الغابة لا تنسى أبداً، لكن في تلك الليلة، صمت كل شيء. فوق المرتفعات القريبة من جبل "لاتموس"، انقطعت الأنفاس وتوقفت الرياح عن الحركة، وكأن العالم بأسره كان يحبس أنفاسه لحدثٍ لم يكن من المفترض أن يقع. وسط وادٍ غارقة تربته بالدماء، كان الألفا "دانيال" يصارع الموت. لم يكن يرى سوى ومضاتٍ من سيوف الساحرات التي كانت تحاصره ككابوسٍ أسود. وبينما كان يستعد لإطلاق عوائه الأخير، حدث أمرٌ لم يجد له تفسيراً؛ ضوءٌ أبيض خاطف، بارد كالثلج ونقي كالفضة، اجتاح الوادي كعاصفةٍ صامتة، مخلّفاً وراءه سكوناً مطبقاً. حين استيقظ دانيال، لم يجد أثراً لأعدائه، ولم يجد تفسيراً لنجاته. كل ما وجده هو فتاةٌ غريبة ملقاة فوق الأعشاب، وكأنها سقطت من قلب ذلك الضوء. حملها بين ذراعيه؛ كانت خفيفة بشكلٍ غير طبيعي، شعرها الفضي الطويل ينساب خلفها كشلالٍ من الحرير، ورائحتها.. لم تكن تشبه رائحة المستذئبين، بل كانت رائحةً تشبه ندى الجبال التي لم تطأها قدم بشر من قبل. داخل العرين، وبينما كان ضوء الفجر الخافت يكشف عن ملامحها المرمريّة، استيقظت سيلين. لم تكن هناك ذكريات في عينيها البنفسجيتين، فقط تيهٌ شاسع وفراغٌ يمزق القلب. لم يسألها دانيال من تكون، ولم يطالبها بتفسير لجمالها الغريب الذي لا ينتمي لخشونة الغابة. كان إيمانه بها غريزياً، إيمانٌ لم يحتاج إلى منطق. "بما أنكِ لا تذكرين اسمكِ.." قال دانيال بصوتٍ عميق، وعيناه الذهبيتان ترقبانها بهدوء، "سأسميكِ سيلين." في تلك اللحظة، كانت يده تلامس يدها، وبمجرد نطق الاسم، انتفض جسدها. شعرت سيلين بقلبها ينبض بقوةٍ مفاجئة، نبضةٌ واحدة عميقة زلزلت صدرها، وكأن صوتاً قديماً قد ناداها من خلف جدران النسيان. شحبت ملامحها وهي تنظر إليه بذهول، وبينما كانت تشد خصلات شعرها الفضي لتغطي قفا رقبتها بتوتر، شعرت لأول مرة بالأمان في حضرة هذا الألفا.. الشخص الذي منحها اسماً، في عالمٍ يبدو أنها نسيت فيه كل شيء، حتى نفسها.
Read
Chapter: **تكتيكُ الصياد: الفوضى القادمة**
أليس غابت الشمس أخيراً، وانطفأ آخر خيطٍ للرأفة في الأفق، ليعلن الليلُ سيادته المطلقة. فتحتُ النوافذ على مصراعيها، وتركتُ هواء المساء البارد يلفح وجهي، مستنشقةً الروائح التي يحملها الريح بحذرٍ شديد؛ فأنا الآن لا أعتمد على قوتي فحسب، بل على حواسي التي صقلتها قرونٌ من الصيد والحروب. تراجعتُ خطوةً نحو الخلف، وانغمدتُ في الزوايا المظلمة للغرفة كما أفعل دائماً؛ فالظلال هي بيتي، وهي سلاحي الأول. كنتُ أحسبُ الوقت في عقلي بدقة متناهية؛ المسافة من قلعة "بان" إلى هنا تستغرقُ من مجموعاتهم أكثر من ساعة، بينما كنتُ أقطعها بنصف ذلك الوقت حين كان دمُ "بان" يغلي في عروقي ويمنحني سرعة البرق. أعرفُ تماماً كيف يفكرون، وأعرفُ أكثر كيف يتحركون. لن يأتوا فرادى؛ فالجبنُ يسكنُ قلوبهم حين يواجهون "أي تحدي" . سيتحركون كمجموعة هجينة من السحرة الذين فقدوا رشدهم، ومصاصي دماءٍ متعطشين للارتقاء في الرتب فوق جثتي. لكن نقطة ضعفهم هي ذاتها التي ظنوا أنها قوتهم: **غيابي**. لقد كنتُ أنا من يضعُ التشكيلات، وأنا من يحددُ لحظة الهجوم والانسحاب. الآن، هم مجردُ قطيعٍ من الوحوش المتحفزة بلا عقلٍ مدبّر. سيهاجمون بان
Last Updated: 2026-04-27
Chapter: **خديعةُ الارتياب: صفعةُ الحقيقة**
بدأ صوته يخرجُ مهتزاً، كأنه يلفظُ شظايا من زجاجٍ عالقة في حنجرته: **"حسناً.. سأخبركِ بكل شيء."** بدأ جاكسون يسردُ فصول مأساته بنبرةٍ يملؤها الندم المرّ. حكى كيف خرج في ذلك الفجر المشؤوم، مدفوعاً بأملٍ واهم في العثور على أشباهه؛ أولئك "المنبوذين" الذين سحقهم "بان" و"جوزفين" وسلبوهم كرامتهم وذئابهم. كان يظنُّ أنَّ جرحهم المشترك سيكون الرابط الذي يوحدهم للانتقام، وأنَّ الغضب سيكون الوقود الذي يجمعهم تحت راية "دانيال". لكنه وجد الغدر يقبعُ في ثنايا الولاء المزيّف. التقى ببعضهم، وبسذاجةِ من يبحثُ عن قشةِ نجاة، شرح لهم مخططه لتجنيدهم. تظاهروا بالموافقة، وأقنعوه بأنَّ هناك آخرين "مثلهم" يختبئون عند حدود القلعة، ينتظرون القائد المناسب. **"وثقتُ بهم.."** قالها جاكسون وهو يشدُّ قبضته على الملعقة حتى كادت تنحني، **"سرنا معاً حتى وصلنا إلى أسوار القلعة التي لم ارها. كنتُ أعمى، لم أرَ النوايا خلف وجوههم الباهتة."** وعندما توقفوا، بدأ "التصفير" الملعون؛ تلك النغمة الحادة التي اخترقت صمت الغابة كخنجرٍ مسموم. لم تكن نداءً لرفاقٍ مختبئين، بل كانت إشارةً للصيادين. في لحظات، أحاطت به أنيابُ
Last Updated: 2026-04-27
Chapter: اعترافٌ تحت وطأةِ الماضي
أليس أحضرت جيني أكياس الدم المخزنة بسرعةٍ والارتباك يملأ ملامحها. تناولتُ الكيس الأول وشرعتُ في شربه بنهمٍ لم أستطع كبحه، رغم أنَّ طعمه كان مقززاً، بارداً ومعدنياً يفتقرُ لشرارة الحياة. كان يشبهُ الطعام الرديء الذي يسدُّ الرمق دون أن يمنح اللذة؛ فشتان بين سائلٍ مخزن في أكياسٍ بلاستيكية، وبين ذاك الذي ينسابُ حاراً في العروق وينبضُ بالحياة. ومع ذلك، كان هذا القرف كافياً ليعيد لجسدي بعض توازنه، ويبدأ في ترميم ما أفسدته لعنات الهجينين. طوال هذا الوقت، كان "جاكسون" يقبع في زاويته، يراقبني بصمتٍ مطبق. كانت عيناه تدرسان كل حركةٍ أقوم بها، وكأنه يحاول فكَّ شيفرة هذه الشخصية المتناقضة التي تقف أمامه؛ خادمة "بان" المخلصة التي تشرب دم الحيوانات وتخاطر بحياتها لإنقاذ عدوها. التفتُّ نحو جيني وسألتها بصوتٍ أجهده التعب عما إذا كان هناك أيُّ طعامٍ يصلحُ للبشر لتقدمه لهذا الفتى؛ فـ "جاكسون" يحتاجُ للقوة ليتمكن من السير خلفي. أجابتني بهدوءٍ يبعث على السكينة: **"نعم يا سيدتي، يوجد ما يكفي."** غابت لدقائق وعادت تحمل صينيةً ينبعثُ منها بخارٌ دافئ، عليها قطعٌ من اللحم ومرقٌ تفوح منه رائحة التوابل م
Last Updated: 2026-04-26
Chapter: ** ملاذُ الفجر**
أليس بمجرد أن وطئت أقدامنا العشب المبلل بالندى بعيداً عن هيبة الحجر، شعرتُ برعشةِ الحرية تمتزجُ بألم جرحي. لم نكن قد ابتعدنا كفاية، لكنَّ ظلام الغابة المحيطة بالبوابة الخلفية ابتلعنا بسرعة. التفتُّ خلفي لأتأكد أنَّ البوابة قد أُغلقت، ثم نظرتُ إلى جاكسون الذي كان لا يزال ينظر إليَّ بتلك الريبة القاتلة، مدركةً أنَّ الهروب من القلعة كان الجزء الأسهل.. أما الهروب من شكوكه، فذاك شأنٌ آخر. قبضتُ على رقبته بيدي المرتجفة من أثر الجرح، وثبتهُ نحو جذع شجرةٍ ضخمة، وقلتُ له بصوتٍ خفيضٍ محذر: **"اسمعني جيداً.. هذه هي فرصتك الأخيرة لتهرب معي بسلام، أو أتركك لمصيرك الأسود هنا وأهرب بجلدي. اختر الآن!"** سكن "جاكسون" أخيراً، وكأنَّ حقيقة الموقف قد صدمته.مشينا مبتعدين عن القلعة مدركةً أنَّ ما فعلتهُ الآن هو نقطة لا عودة؛ لقد أحرقتُ كل جسوري مع "بان". كان يؤرقني حقاً مقدار ما يعرفه هذا الشاب عن صفقتي مع "دانيال"؛ وما نطق به. بعد أن تجاوزنا حدود الخطر ولم يعترض طريقنا أحد – أو ربما حالفنا الحظ ولم يلمحنا أحد في العتمة – توقفتُ أخيراً. فككتُ القماش عن فمه وحررتُ يديه من القيد الحديدي ليتمكن من ا
Last Updated: 2026-04-24
Chapter: **رقصةُ النصلِ الصامتة**
أليس بخطواتٍ واثقة تطحنُ حبات الرمل الصغيرة فوق البلاط، تقدمتُ نحو الزنزانة حتى وقفتُ وجهاً لوجه أمام الحراس. كانوا خمسةً من مصاصي الدماء، أجسادهم صلبة كالصخر وعيونهم تشعُّ بذاك البريق الأحمر البارد الذي يميزُ سلالتنا. طالبتُ بفتح الباب بنبرةٍ لا تقبلُ الجدل، لكن الرد جاء كنصلٍ بارد؛ نفيٌ قاطع. أخبروني أنَّ "بان" و"جوزفين" وحدهما يملكان حق العبور خلف هذا الباب. استخدمتُ صوتي القيادي، ذاك الذي أخضعَ جيوشاً من قبل: **"ألا تعرفون من أنا؟"** ردَّ أحدهم بجمودٍ مستفز: **"نعرفُ قدركِ يا أليس، لكن أوامر جوزفين كانت واضحة كالنهار.. لن يمرَّ أحد إلا بأمرٍ مغاير منها."** ادّعيتُ الاستسلام، أدرتُ ظهري وبدأتُ المسير مبتعدةً بخطواتٍ هادئة، لكن عقلي كان يغلي. قدماي لم توافقاني على الرحيل؛ كان هناك خيطٌ خفيّ، إحساسٌ غريب يشدُّ أحشائي نحو ما يحدث خلف ذلك الباب. الفضول لم يكن دافعي الوحيد، بل كان حساً غريزياً ينبئني بأنَّ مصيري معلقٌ بصرخات التعذيب تلك. بلمح البصر، وبسرعةٍ تتجاوزُ قدرة العين على الإدراك، ارتددتُ للخلف. لم يكن ارتداداً بل كان انقضاضاً كاسراً. استللتُ سيفي القصير من خلف ظهري؛ ذ
Last Updated: 2026-04-24
Chapter: **درعُ الظلِّ ونصلُ الحسم**
أليس انشقَّ صمتُ القاعة عن زمجرةٍ وحشية، بصوت كان أشبه بصرير طحن الصخور تحت وطأة زلزال. وقف "بان" على قدميه، فارتجَّ عرشُ الجماجم خلفه وأصدرت العظام صوتاً جافاً ومقززاً. بخطوةٍ واحدةٍ ملأت الفراغ، انحنى نحوي وبحركةٍ مباغتةٍ وعنيفة، انغرزت مخالبه في خصلات شعري وجذب رأسي للخلف بقوةٍ كادت تقتلع عنقي. ثبّت نظراته المتوقدة في عينيّ، وخرج صوته يهزُّ أركان المكان، صوتاً شعرتُ بتردده في نخاع عظمي: **"خطأٌ آخر.. وستكون نهايتُكِ يا أليس. صبري على سقطاتِكِ له حدود، وهذه الحدود تضيقُ مع كلِّ كلمةٍ غبية تنطقين بها."** ثم، وبقوةٍ باطشة، رماني بعيداً وكأنني مجرد دميةٍ من القش. اصطدم جسدي بالبلاط البارد على بعد أمتار، فارتدَّ صدى الارتطام في ردهات القاعة الخالية. لم ينتظر نهوضي، بل أردف بلهجةٍ آمرةٍ لا تقبلُ المراجعة: **"اجلبيه لي.. أنا من سيعاينُ هذا الشخص، وأنا من سيقررُ إن كان يستحقُّ العيش أو الفناء تحت أقدامي."** انكمشتُ على نفسي فوق الأرض، ثم ركعتُ بسرعةٍ خاطفة، مطأطئةً رأسي أمام سطوته التي خنقت أنفاسي، وقلتُ بنبرةٍ غلفها الرعب المصطنع والصدق في النجاة: **"حاضر يا سيدي.. سمعاً وطا
Last Updated: 2026-04-23
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status