Chapter: الفصل 26خرجت إيڤيلين من تلك الغرفة المظلمة بعد مدة طويلة من مغادرة السيد معتز؛ فقد أمضت الساعات تتصفح المخطوطة الخاصة بالتصميم، وتتفحص الأوراق الثمينة والرسومات المعمارية القديمة الموضوعة في كل مكان. ما أن فتحت الباب وخطت خارجاً، حتى وجدت الخادمة العجوز تقف أمام الباب في انتظارها، ويبدو واضحاً أنها كانت تقف هناك منذ مدة طويلة بصبر.قالت الخادمة بصوت خفيض ومهذب: «سيدتي الصغيرة.. الطعام جاهز.»كان السيد معتز رجلاً شديداً في كل شيء، صارماً إلى أبعد الحدود، ولكنه رغم قسوته وقوانينه الجافة كان يهتم حقاً بمن يكونون داخل محيطه وقصره؛ فلا بد للجميع أن يتناولوا طعامهم بانتظام، ويرتاحوا، ويعيشوا بحرية نسبية داخل الممتلكات الخاصة بالعائلة دون تقصير.ردت إيڤيلين باعتذار وهي تفرك كفيها: «لكني لا أرغب في تناول الطعام الآن.. ربما بعد أن أتفرغ، فلدي شيء مهم للغاية أود القيام به.»أجابت الخادمة بنبرة يغلفها القلق والرجاء: «سيدتي، السيد معتز أمرنا بنفسه أن نحضر لأجلك بعض الأطباق الرئيسية التي لا يتم تحضيرها إلا لكبار العائلة، كما أن موعد الطعام هنا يعتبر أمراً مقدساً، كل المواعيد دقيقة للغاية في هذا المكان، ح
Terakhir Diperbarui: 2026-08-10
Chapter: الفصل 25قاطعها الرجل بصوت هادئ للغاية يكاد لا يُسمع، وكأنما يخاطب طيفاً غائباً:«تغضب!.. مَن قد يعلم! ربما...»لم تفهم إيڤيلين شيئاً البتة، لكنها شعرت بيقين تام أن بين هذا الرجل العجوز وتلك السيدة ماري ماضياً مليئاً بالتضارب والمغامرات المعقدة، مما يجعله لا يعلم إن كانت ستغضب حقاً أم لا. عاد الصمت سريعاً ليخيم على المكان، ثقيلاً ومطبقاً. جعل ذلك الرجل العجوز الغارق في الذكريات يبدو أكثر كآبة وحنيناً.الضوء كان خافتاً في هذه الغرفة بشكل خاص، ويبدو أنها صُممت عمداً لتكون هكذا، ذات إضاءة باهتة وموحشة.أخذت إيڤيلين تتلفت حولها في سكون، تتأمل الزوايا المظلمة والنقوش الدقيقة الموجودة على الأسطح الرخامة العتيقة. الشكل الكلاسيكي ذا الطابع الفرنسي جعل الغرفة تبدو أكثر فخامة وهيبة، والتفاصيل الدقيقة ذات الألوان الخافتة الباهتة جعلت المكان يزداد كآبة وفخامة في ذات الوقت، كأنه متحف لذكريات منقرضة.لاحظ الرجل نظراتها الفاحصة فقال بنبرة هادئة:«صُمِم هذا المكان على يد ميخا أنتواني.. ربما سمعتِ عنه! فهو رجل زاهد للغاية، لا يهتم للمال أو المظاهر، ولا عجب في ذلك فهو ثري جداً، وكان يحب التصميم كهواية دافئة ت
Terakhir Diperbarui: 2026-08-07
Chapter: الفصل 24خرجت إيلين من المكان وغادرت بخطى ثابتة وهادئة. في العادة، وبعد كل مرة يذكرها فيها الجد بقوانينه الصارمة، كان يغادر حالما تغادر هي، لذا لم تهتم كثيراً هذه المرة بعدم تحركه خلفها، فمضت في طريقها وهي مطمئنة تماماً على سلامة إيڤيلين.بينما في تلك اللحظة بالذات، حدث ما لم تكن تتوقعه؛ فقد وقف الرجل العجوز بثبات وهو يتطلع بتمعن نحو الفتاة الصغيرة ذات الشعر الكستنائي، ويبدو أنه لا ينوي المغادرة ببساطة هذه المرة.شعر فجأة وكأنه قد رأى هذا الوجه من قبل في مكان ما، لكن ذاكرته الخائنة لم تسعفه لتذكر أين ومتى. اتسعت عيناه قليلاً وهو يتفحص تفاصيل وجهها بدقة بالغة، ثم أشار بيده للخادمة بالمغادرة الفورية، فانحرفت الخادمة على عجل ومضت هاربة دون أن ترفع رأسها من شدة الخوف.هذا الرجل، بلحيته البيضاء وشعره الأبيض الكثيف، أصبحت ملامحه فجأة أكثر وقاراً وهيمنة. العمر المتقدم لم يستطع أن يخفي حقيقة وسامته المطلقة؛ ولابد أنه كان في شبابه شاباً بارع الجمال يخطف الأنفاس. لم تعلم إيڤيلين أبداً ما يدور في خلده ولا ما تخفيه تلك النظرات، لذلك قامت بسرعة لتلحق بإيلين وتغادر المكان، إلا أنها فور أن استقامت على قد
Terakhir Diperbarui: 2026-08-07
Chapter: الفصل 23جلست الفتاتان معاً على العشب الرطب داخل الحديقة الخلفية، وكأن حاجز الجليد السميك الذي كان يلف شخصية السيدة إيلين قد بدأ بالذوبان تدريجياً. تدفقت الكلمات ببساطة، وسرعان ما صارتا تتعاملان بغير تكلف أو قيود خانقة. أصبحت ضحكاتهما الصافية ترتفع في الفراغ، فتضرب حائط القصر الحجري الضخم وتعود صدىً متردداً في الأرجاء. لكن، ووسط تلك اللحظات العابرة من البهجة، جعل ذلك الصدى المكان يبدو أكثر فراغاً ووحشة رغم كل الأزهار الجميلة المتفتحة والتفاصيل الساحرة المحيطة بهما.شعرت إيلين في أعماق روحها المتمردة بأن هذا المكان ينقصه ماريو، وكأن وجوده هو وحده القادر على منح هذه المساحات روحاً ومعنى.وفي ذات اللحظة، وفي خضم هذا الهدوء المخادع، شعرت إيڤيلين بحنين جارف ودفين إلى أدريان، حنين يمزق صدرها بصمت مطبق. لكن... لم تصرح أي منهما بمشاعرها الدفينة أو بما يدور في خلدهاظل كل شيء يبدو ساكناً على السطح، متخفياً خلف قناع من الهدوء والابتسامات المتبادلة، والحديث المرح.سرعان ما انقطع ذلك السكون بصوت خطوات ثقيلة متناسقة ومنتظمة، تخطو ببطء وثبات فوق الارض الرخاميةيبدو أن صاحبها ذو شأن عظيم وهيئة طاغية. ال
Terakhir Diperbarui: 2026-08-07
Chapter: الفصل 22نهضت السيدة إيلين بوقار متغطرس، عاد معه البرود يكسو ملامحها الأرستقراطية. مشت بخطى واثقة خارج القصر، لكنها توقفت بهدوء عند عتبة الباب، والتفتت بنصف جسدها نحو الخادمة، وقالت بصوت رقيق: «سأمكث في هذا القصر.. جهزي لي جناحاً خاصاً فوراً.» علت علامات الحيرة والذهول وجه الخادمة العجوز، لكن سنوات الخدمة الطويلة علمتها ألا تبدي أي رد فعل سوى الطاعة المطلقة؛ فانحنت برأسها ومضت لتنفيذ الأمر. في تلك الأثناء، لم تفارق عينا إيڤيلين قوام تلك المرأة الجميلة وهي تبتعد، وشعرت بغموض يلف وجودها الغريب. مرّ ذلك اليوم برتابة غريبة وخانقة؛ كانت الساعات بطيئة للغاية، ومع مرور الوقت يزداد القصر صمتاً. شعرت إيڤيلين في تلك العزلة بوحشة تجتاح صدرها؛ فقد اعتادت طوال الأوقات الماضية على مشاكسات نادر التي كانت تضفي حيوية على أيامها، وعلى حنان أدريان الدافئ الذي كان يحيطها كدرع حامٍ. أما الآن.. فقد وجدت نفسها فجأة وحيدة تماماً، بلا أصدقاء يؤنسون غربتها، وبلا حب يلازم دقات قلبها المكسور. ولكن، وعلى الرغم من سوداوية الموقف، تذكرت ذلك الشاب ماريو. لقد امتدت يدٌ أخرى غريبة لتنقذها وتنتشلها من حزنها،
Terakhir Diperbarui: 2026-07-19
Chapter: الفصل 21دخلت إيڤيلين إلى ذلك القصر الغامض، وما إن خطت عتبته حتى تقدمت نحوها خادمة عجوز ذات ملامح وقورة، وانحنت برأسها في هدوء وطاعة تامة، ثم قادتها بصمت عبر السلالم الرخامية العريضة إلى الطابق الرئيسي. كان الممر طويلاً ومهيباً، تتوزع على جانبيه أبواب لغرف مغلقة بإحكام، وفي نهايته استقرت غرفة النوم الرئيسية وجناح منفصل للاستحمام. وقفت الخادمة عند الباب، وقالت بصوت خفيض وناعم: «سيدتي.. هناك كل ما تحتاجين إليه في الغرفة، إذا أردتِ المساعدة في أي وقت ناديني فقط، وسألبي كل طلباتكِ.» تردد صدى الكلمة في مسامعها بشكل مريب، وهمهمت إيڤيلين في صدرها متسائلة: "سيدتي! أنا؟". لكنها لم تُظهر للخادمة أي أثر لحيرتها، بل اكتفت بشكرها بابتسامة باهتة ودخلت إلى دفء الغرفة الرئيسية مغلقة الباب خلفها. كانت تودّ لو تجلس لتجمع شتات أفكارها المبعثرة، إلا أن رأسها كان ثقيلاً للغاية، تشعر فيه بوخز عنيف جراء البكاء الطويل تحت المطر البارد. أدركتْ أن جسدها المتعب يطلب منها الراحة، وأنه سيكون من الحكمة أن تنال قسطاً من النوم قبل أن تفكر في خطوتها التالية في هذا العالم المجهول. اتجهت إلى الحمام، وملأت حوض ال
Terakhir Diperbarui: 2026-07-15