LOGINكانت إلهةً سقطت إلى الأرض بعد أن فقدت السيطرة على قوتها، فحوّلت لحظة ضعفٍ واحدة إلى مأساة ضحيتها أبرياء كُثُر. كعقاب، حُرمت من سمائها وأُجبرت على العيش بين البشر، أُسندت إليها مهمة قاسية: إنقاذ الأرواح التائهة التي ماتت بطرقٍ عنيفة ولم تجد الخلاص . يقترب هو منها بطريقة لم تكن تتوقعها. شيئًا فشيئًا، يبدأ الخطر الحقيقي بالاقتراب، ليس من الأرواح… بل من الحب و مشاعر لا يجب أن توجد.
View Moreكنتُ أراقب أضواء المدينة البراقة، أحاول انتزاع لحظة من السلام والهدوء.
لكن صفائي لم يكتمل. سرعان ما بدأت تلك الأرواح المزعجة بالصراخ من جديد. لم تكن صرخاتٍ بشرية، بل صرخات أرواحٍ لقيت حتفها بأقسى الطرق الممكنة. كانت غاضبة، يائسة، ومليئة بالألم الحاد. اخترقت أصواتها أذني وضجّت داخل عقلي، فأغمضت عيني بضيق شديد. أريدها فقط أن تسكت! منذ سنوات طويلة وأنا أسمع الصرخات نفسها: خوف. ألم. بكاء. غضب. وكأن وجع الموت لم يكن كافيًا لهم. في البداية، كنت أركض خلف كل صرخة أسمعها معتقدة أنني قادرة على إنقاذ الجميع. لكنني تعلمت مع الوقت أن بعض الأرواح لا تريد النجاة. بعضُها يتمسك بألمه وكأنه آخر ما يملكه. اتجهتُ بسرعة نحو مصدر الصوت، ولم أحتج وقتًا طويلًا حتى رأيتها. كانت هناك فتاة تقف على حافة الجسر، تحدق في المياه المظلمة أسفلها. بدت صغيرة أكثر مما ينبغي. لمحتُ في عينيها ذلك الفراغ الذي يسبق الكوارث عادةً. أما الروح فكانت تتحرك باتجاهها مباشرة. تنهدتُ بانزعاج؛ فالأرواح مزعجة بما يكفي. ولا ينقصني أن أتعامل مع واحدة تحاول الاستيلاء على جسد بشري. رفعت يدي وأطلقت خيوط الظلام من بين أصابعي محاولةً إبعادها عن الفتاة. تسللت البرودة المألوفة إلى أطراف أصابعي. لم أكن أحب استخدام قوتي كثيرًا. فكلما استدعيتها، شعرت أن شيئًا قديمًا ومظلمًا يستيقظ في أعماقي. لكن الروح قاومت بشراسة غير متوقعة. وفجأة غيرت مسارها وانطلقت نحو الغابة القريبة. عقدت حاجبّي بعدم فهم: ما الذي تفعله؟ انطلقتُ خلفها. بدأت هي تطير بين الأشجار ثم تهبط إلى الأرض وتتخبط بعشوائية. تضرب رأسها بالتراب وبجذوع الأشجار وكأنها فقدت عقلها. كان شكلها يتغير مع كل حركة: تارةً تبدو كفتاة عادية.. وتارةً ككتلة من الدخان الأسود. وكأن الألم قد التهم هويتها بالكامل. لم يكن هذا تصرفًا طبيعيًا حتى بالنسبة لروح معذبة. توقفت الروح فجأة، ثم أطلقت أنينًا حادًا صرخ في طبلة أذني: "ستموت تلك الفتاة كما مت أنا… سآخذها معي!" نظرتُ نحو الجسر البعيد. كانت الفتاة لا تزال واقفة هناك، غارقة في أفكارها. وأدركتُ فجأة السر وراء تمسك الروح بها: الفتاة كانت تحاول الانتحار. وهذا اليأس المظلم كان المغناطيس الذي جذب الروح إليها. تنهدتُ بضيق؛ فالأرواح لا تفكر بعقلانية عندما يسيطر عليها الألم. الموت لا يجعل الجميع مسالمين. بل إن بعضهم يصبح أكثر وحشية مما كان عليه وهو حيّ. كانت الروح تبحث عن أي جسد تهرب إليه، لعلها تشفي ألمها. لكنها لم تكن تعلم أن الاستيلاء على جسد بشري لن ينقذها… بل سيضاعف عذابها أضعافًا. حاولتُ إبعادها مجددًا، لكنها رفضت الاستسلام، وكانت عنيدةً بشكلٍ مزعج. شددتُ قبضتي وأنا أراقبها، ولم يكن لدي الكثير من الخيارات. فمهمتي دائمًا واحدة: إما أن أساعد الأرواح على التحرر… أو أن أنهي وجودها إذا فقدت السيطرة بالكامل. ولسوء حظ هذه الروح، كانت تقترب بسرعة من الخيار الثاني. لم تترك لي بديلًا. أطلقتُ خيوطي ومزقتها في الهواء، لتتلاشى كالدخان. لقد قضيتُ على الروح وأنقذتُ الفتاة… لكن الثمن كان بانتظاري فورًا. في اللحظة التي تلاشت فيها الروح، بدأت ومضات ذكرياتها والألم الحاد للحظة موتها تخترق ذاكرتي بلا رحمة. فجأة، شعرتُ بعدم القدرة على التنفس. وانقبض صدري كأنني في عمق البحر، على بعد عشرة أمتار تحت الماء. سقطتُ على ركبتيّ أحاول التقاط الهواء. وراحت يداي ترتجفان وأنا أتمسك بكل ما حولي… بأعشاب الأرض… وجذوع الأشجار… أقاوم هذا الموت الوهمي. استمر العذاب لدقائق، إلى أن تلاشت الذكريات تدريجيًا وعاد تنفسي إلى وضعه الطبيعي. وضعتُ يدي على صدري اللاهث، وقد عرفتُ الآن حقيقة ما جرى لتلك المسكينة. لقد قُتلت غرقًا… ثم أُلقيت داخل حقيبة في قاع البحركان سيان لا يزال يضحك، بينما كانت أليس تحاول أن تبدو غاضبة منه، حين رن هاتفها فجأة.توقفت عن الكلام.أخرجت الهاتف من جيبها، وما إن رأت الاسم على الشاشة حتى تغيرت ملامحها.أماندا.رفعت أليس نظرها نحو سيان للحظة، ثم ابتعدت عنه عدة خطوات.سيان -ألن تجيبي؟أليس -انا افكر .....ثم ابتعدت أكثر، حتى أصبحت بعيدة بما يكفي لتتحدث دون أن يسمعها.ضغطت على زر الإجابة.أليس -مرحبًا، أماندا.جاء صوت أماندا هادئًا، لكنه لم يحمل نبرته المعتادة.أماندا -ماذا تنوين أن تفعلي؟تجمدت أليس.أليس -كنت أعلم أنك ستعرفين.تنهدت أماندا من الطرف الآخر.أماندا -أنتِ نسيتِ أنني لا أجهل ما تفعلينه بسهولة.سكتت أليس للحظة.ثم نظرت من بعيد نحو سيان، الذي كان يقف بالقرب من البحر، يراقبها دون أن يحاول الاقتراب.خفضت صوتها أكثر.أماندا -تحدثت مع روح معذبة.ساد الصمت للحظة.ثم جاء صوت أماندا أكثر حدة:وهذا أول شيء يجب أن نتحدث عنه.ما فعلته كان خطيرًا.كان من الممكن أن تؤذيك.أنتِ لم تتعافي بعد، وطاقتك بالكاد عادت إلى الاستقرار.أليس -لكنها لم تؤذني.أماندا -ليس هذا هو المهم.أنتِ لا تعرفين ما الذي تحمله تلك الأر
واصل الاثنان سيرهما بمحاذاة البحر، وكانت الأمواج تتقدم نحو الشاطئ بهدوء، ثم تتراجع تاركة خلفها طبقة رقيقة من الماء فوق الرمال.ظل سيان صامتًا للحظات، وكأنه يفكر في سؤال معين، قبل أن يلتفت إليها.سيان -أخبريني... هل لديكِ حبيب؟رفعت أليس عينيها إليه، ثم أجابت ببساطة:أليس -لا، لم أحظَ بواحد بعد.رفع سيان حاجبه.سيان -هممم... واضح.نظرت إليه أليس باستغراب.أليس -ماذا تقصد؟ابتسم ابتسامة جانبية.سيان -شخصيتكِ صعبة قليلًا.أليس -ما الصعب فيها؟سيان -تحتاج إلى شخص مثلي ليفهمها.ثم أضاف بثقة:سيان -فليس كل الرجال بارعين في القراءة بين السطور.نظرت إليه أليس لثوانٍ، ثم قالت:أليس -وهل تظن أنك بارع في ذلك؟ابتسم سيان بثقة أكبر.سيان -نعم.أليس -لو كنت تعلم فعلًا...لما كنت تجلس معي الآن.اختفت ابتسامته قليلًا.سيان -لماذا؟نظرت أليس إلى البحر أمامها.أليس -لأنني لست كما تتوقع.بقي سيان ينظر إليها للحظات، ثم ابتسم.سيان -أنا أحب الأكشن والغموض.وأحب أيضًا ارتفاع الأدرينالين.ثم أضاف وكأنه يدافع عن نفسه:سيان -لذلك لا أظن أن الغموض يخيفني.نظرت إليه أليس بطرف عينها.أليس -أنت حق
كان سيان ينتبه إليها طوال الوقت.لم يكن يترك طبقها يفرغ حتى يضع أمامها شيئًا آخر، وكلما انتهت من إحدى الفطائر، مد يده ليضع لها قطعة جديدة وكأنه قرر أن يتولى مهمة إطعامها بنفسه.أما أليس، فلم تعترض.كانت منشغلة بالطعام أكثر من أي شيء آخر.وبينما كانت تأكل، بقيت قطعة صغيرة من الجبن عالقة عند طرف فمها دون أن تنتبه.لاحظها سيان.مد يده إلى المنديل، ثم اقترب منها قليلًا ومسح الجبن عن طرف فمها بكل عفوية.توقفت أليس للحظة.ثم نظرت إليه.أليس -شكرًا.أعاد سيان المنديل إلى الطاولة، وقال مبتسمًا:سيان -أنتِ حقًا تحتاجين إلى الكثير من الاهتمام.رفعت أليس حاجبها.أليس -أنا فقط جائعة.ضحك سيان.سيان -وهل الجوع يبرر كل هذا؟أليس -نعم.سيان -هل أطلب لكِ المزيد؟نظرت أليس إلى الأطباق أمامها، ثم هزت رأسها.أليس -لا، ليس إلى هذا الحد.ابتسم سيان، ثم أسند ظهره إلى الكرسي.وبعد لحظات من الصمت، قال:سيان -لم أسألكِ بعد...ماذا تعملين؟توقفت أليس عن الأكل.رفعت عينيها إليه.ثم قالت ببساطة:أليس -لا أعمل.ثم أضافت:أليس -ماذا عنك؟ هل الترميم عملك الوحيد؟هز سيان رأسه.سيان -لا.لدي العديد من الهو
وصل الفطور أخيرًا.وضعت النادلة أمامهما أطباقًا متنوعة؛ فطائر مشكلة محشوة باللحم، وشاي ساخن، بالإضافة إلى طبق من الأومليت بالجبن.نظر سيان إلى الأطباق، ثم إلى أليس.مد يده نحوها.سيان -تفضلي... ماذا أضع لكِ؟رفعت أليس عينيها إليه باستغراب.أليس -أستطيع أن أضع لنفسي.ابتسم سيان، وكأنه لم يسمع اعتراضها أصلًا.سيان -هيا...أريد أن أفعل ذلك من أجلكِ.أليس -لا داعي.سيان -هناك داعٍ.ثم أمسك إحدى الفطائر ووضعها في طبقها.سيان -حسنًا، ماذا تريدين؟نظرت أليس إلى الأطباق أمامها.ثم قالت بكل هدوء:أليس -أريد من كل شيء.توقف سيان للحظة، ثم نظر إليها.ثم إلى الأطباق.ثم عاد إليها.سيان -أوه...صغيرة، لكن بمعدة كبيرة.رمقته أليس بطرف عينها.كانت نظرتها كافية وحدها لتخبره أنه اقترب من منطقة خطرة.لكن سيان لم يتراجع.بل ابتسم أكثر.سيان -لا تغضبي.أنا أحب الفتيات ذوات الشهية الكبيرة.ثم أضاف بثقة:سيان -فأنا آكل كثيرًا أيضًا.نظرت أليس إلى جسده للحظة، ثم قالت ببرود:أليس -لا يبدو عليك ذلك.رفع سيان حاجبه.سيان -ماذا تقصدين؟أليس -أقصد أنك لا تبدو كشخص يأكل كثيرًا.حدق بها للحظة، ثم ابتس
reviews