LOGINفي عالم الأرقام والمواعيد، لم يكن هناك مكان للمشاعر في قاموس سارة. فتاة في التالثة والعشرين، آمنت أن الجد والالتزام هما سلاحها الوحيد لتحقيق ذاتها. بين جدران الشركة، كانت الموظفة المثالية التي لا تفوت موعداً ولا تهمل تفصيلاً، تضع بينها وبين الجميع حدوداً من المهنية الصارمة. حتى دخل هو. عميل جديد، هادئ الحضور، واثق الخطى، يحمل في نظراته غموضاً لم تعتد سارة على مواجهته. بدأ الأمر بإعجاب صامت، بنظرات خاطفة وابتسامات مهنية تخفي خلفها الكثير. شيئاً فشيئاً، وجدت نفسها تترقب مواعيده، تحفظ تفاصيل حديثه، وتسمح لقلبها أن يخالف قواعد عقلها للمرة الأولى. كانت تظن أن القصة تسير نحو بداية جميلة... لكنها لم تكن تعلم أن القدر يخفي لها مفاجأة ستقلب كل توقعاتها، وتجعلها تعيد حسابات قلبها وعقلها من جديد. مفاجأة ستجعلها تتساءل: هل كان الإعجاب حقيقياً؟ أم أنها كانت مجرد فصل في حكاية لم تُكتب لها؟
View Moreانتقلت سارة حديثًا إلى المدينة بمساعدة أحد أقاربها. كانت مدينة كبيرة وصاخبة، لا تعرف فيها أحدًا، لكنها جاءت وفي قلبها أمل كبير بعد أن حصلت على فرصة تدريب قد تنتهي بوظيفة دائمة.
في ذلك اليوم، وصلت إلى مسكنها المتواضع وألقت حقيبتها الصغيرة قرب السرير. نظرت حولها بتأمل؛ كانت الغرفة صغيرة وبسيطة، تحتوي على سرير فردي وخزانة قديمة بالكاد تتسع لملابسها. ساعدها أحد أقاربها في العثور على هذا السكن داخل منزل عائلي كبير اعتاد أصحابه تأجير غرف الطابق العلوي للطالبات والعاملات الشابات. لم تكن الغرفة فاخرة، ولم تكن تشبه المنزل الذي نشأت فيه، لكنها كانت تمثل بداية جديدة. تقدمت ببطء نحو النافذة الصغيرة المطلة على الشارع. كان صوت السيارات والباعة المتجولين يصل إليها بوضوح. لم تكن معتادة على هذا الضجيج؛ ففي الحي الذي نشأت فيه كانت الليالي أكثر هدوءًا، أما هنا فبدا وكأن المدينة لا تنام أبدًا. تنهدت وجلست على حافة السرير. قبل أسبوع واحد فقط، لم تكن تتخيل أنها ستترك منزل عائلتها وتنتقل إلى هذه المدينة المزدحمة. بدأ كل شيء بمكالمة هاتفية غير متوقعة. --- في ذلك المساء، كانت مستلقية على الأريكة تشاهد أحد المسلسلات الرومانسية التي اعتادت متابعتها عندما رن هاتفها. ألقت نظرة سريعة على الشاشة قبل أن تجيب: — ألو؟ جاءها صوت مألوف من الطرف الآخر: — مرحبًا سارة، كيف حالك؟ تعرفت على الصوت فورًا. كانت إحدى قريباتها التي نادرًا ما تتواصل معها. — الحمد لله، بخير. وأنتِ؟ بعد تبادل التحية والسؤال عن العائلة والأقارب، دخلت قريبتها في الموضوع مباشرة. — سمعت أنك حصلت على دبلومك الجامعي مؤخرًا وأنك تبحثين عن عمل. — نعم، هذا صحيح. — زوجي لديه صديق يملك مكتبًا للمحاسبة، وهو يبحث عن متدربة. اقترحت اسمك عليه، وقد وافق على مقابلتك. إذا كنت مهتمة فعليك الحضور غدًا إلى المدينة الحمراء. ساد الصمت لثوانٍ. شعرت سارة بأن قلبها يخفق بقوة. كانت هذه أول فرصة حقيقية تحصل عليها منذ تخرجها. منذ ثلاثة أشهر وهي ترسل طلبات التوظيف وتحضر المقابلات دون جدوى. في كل مرة كانت تسمع العبارة نفسها: "نبحث عن شخص لديه خبرة." وكيف ستحصل على الخبرة إن لم يمنحها أحد فرصة؟ لكن فكرة السفر وحدها إلى مدينة كبيرة أخافتها قليلًا. قطع صوت قريبتها أفكارها: — سارة؟ هل تسمعينني؟ — نعم، بالطبع. أنا موافقة. — ممتاز. سأنتظرك غدًا أمام محطة القطار عند الظهيرة. — شكرًا لكِ. — لا داعي للشكر، أتمنى أن تكون فرصة خير لكِ. انتهت المكالمة، وامتلأ قلب سارة بمشاعر متناقضة بين الفرح والخوف. فرحة لأنها حصلت أخيرًا على فرصة قد تغير حياتها، وخوف من المجهول الذي ينتظرها. لكن سرعان ما ظهرت مشكلة أخرى. لم تكن تملك المال الكافي للسفر والإقامة والمصاريف الأولى. --- عندما أخبرت والدها بالأمر، بدا سعيدًا ومترددًا في الوقت نفسه. كان فخورًا بابنته التي اجتهدت طوال سنوات الدراسة ولم تستسلم رغم الظروف الصعبة، لكنه كان قلقًا عليها أيضًا. فهذه ستكون المرة الأولى التي تبتعد فيها عن العائلة وتسكن وحدها. جلس معها طويلًا تلك الليلة يسألها عن تفاصيل العمل والمدينة والسكن. كان يحاول إخفاء قلقه، لكنها كانت تعرفه جيدًا. وفي النهاية قال: — الفرص لا تأتي كل يوم يا ابنتي. إذا كنتِ ترين أن هذا الطريق سيقربك من أحلامك، فاذهبي ولا تخافي. ابتسمت سارة وهي تشعر بالامتنان. لطالما كان والدها أكبر داعم لها. وفي اليوم نفسه، توجه إلى أحد أصدقائه وطلب منه قرضًا صغيرًا ليساعد ابنته على بدء حياتها الجديدة. كان يعلم أن الأمر لم يعد يتعلق برسوم الدراسة أو شراء الكتب، بل بمستقبل ابنته كله. قبل أن تخلد للنوم، طرق باب غرفتها. دخل ووضع ظرفًا صغيرًا على الطاولة. — هذا كل ما استطعت جمعه. نظرت إلى الظرف ثم إلى وجهه المتعب. شعرت بغصة في حلقها. لم تكن الأموال كثيرة، لكنها كانت تعني الكثير. كانت تعرف جيدًا أن والدها بذل جهدًا كبيرًا لتأمينها. — شكرًا يا أبي. ربت على كتفها وقال: — فقط لا تنسي لماذا بدأتِ هذا الطريق. --- في صباح اليوم التالي، حملت حقيبتها الصغيرة وودعت عائلتها. احتضنت والدتها وإخوتها واحدًا تلو الآخر قبل أن تستقل الحافلة نحو محطة القطار. كانت المرة الأولى التي تسافر فيها وحدها إلى مدينة بعيدة. جلست قرب النافذة تراقب المناظر المتغيرة. حقول خضراء. قرى صغيرة. طرق طويلة تمتد بين التلال. كانت تشعر أحيانًا بالحماس وأحيانًا أخرى بالخوف. ماذا لو لم تحصل على التدريب؟ ماذا لو لم يعجبهم عملها؟ وماذا لو فشلت؟ لكنها كانت تعود وتذكر نفسها بسبب وجودها هنا. لقد تعبت من الانتظار. وحان الوقت لتجرب حظها بنفسها. --- عندما وصل القطار إلى المدينة الحمراء، نزلت وهي تشد حقيبتها بين يديها. كانت المحطة مزدحمة أكثر مما توقعت. الناس يتحركون في كل اتجاه، والأصوات تتداخل من كل جانب. شعرت للحظة بالضياع. لكنها سرعان ما لمحت قريبتها تلوح لها من بعيد. تنفست الصعداء وابتسمت. اصطحبتها قريبتها إلى منزلها، وهناك قضت الليلة الأولى. لم تستطع النوم بسهولة من شدة التوتر والحماس. كانت تفكر في المقابلة التي تنتظرها وفي الحياة الجديدة التي بدأت تفتح أبوابها أمامها. --- في صباح اليوم التالي، خرجت برفقة قريبتها للبحث عن غرفة للإيجار بالقرب من مكان التدريب. تنقلتا بين عدة أحياء. بعض الغرف كانت مرتفعة الثمن بشكل مبالغ فيه. وبعضها الآخر كان بعيدًا عن مقر العمل. ومع مرور الوقت بدأت قدما سارة تؤلمانها من كثرة المشي. لكنها لم تشتكِ. كانت تعلم أن العثور على مكان مناسب ليس أمرًا سهلًا. وبعد ساعات من البحث، وجدتا أخيرًا غرفة صغيرة في منزل عائلي هادئ. لم تكن مثالية، لكنها كانت نظيفة وآمنة وسعرها مناسب لإمكانياتها المحدودة. وافقت سارة فورًا. --- أفاقت من ذكرياتها وهي تنظر إلى الحقيبة الموضوعة قرب السرير. لقد حدث كل شيء بسرعة. قبل أسبوع فقط كانت تجلس في منزل عائلتها تتساءل إن كانت ستحصل يومًا على فرصة عمل. أما الآن فهي تقف في مدينة جديدة، داخل غرفة استأجرتها بنفسها، وتستعد لأول يوم في حياتها المهنية. أخرجت هاتفها وتفقدت المبلغ المتبقي لديها. لم يكن كبيرًا. كان عليها أن تنجح. لم تكن تملك رفاهية الفشل. أعادت الهاتف إلى جيبها واتجهت نحو النافذة. كانت أضواء المدينة تلمع في الخارج. بدت جميلة ومخيفة في الوقت نفسه. ابتسمت بخفة وهي تتنفس بعمق. غدًا سيبدأ أول يوم لها في التدريب. ولم تكن تعلم أن هذا اليوم سيكون بداية سلسلة من الأحداث التي ستغير حياتها بالكامل.غادرا السوق الصغير ببطء، بينما كانت سارة تنظر إلى السوار بين الحين والآخر. لم تستطع إخفاء ابتسامتها. لاحظ أشرف ذلك، فضحك قائلًا: ــ يبدو أن الهدية أعجبتك أكثر مما تريدين الاعتراف. رفعت رأسها بسرعة. ــ لم أقل إنها لم تعجبني. ــ إذن؟ ــ لكنك لا تزال مسرفًا كما كنت. ضحك وهو يفتح باب السيارة لها. ــ وهل هناك إسراف في شراء شيء سيبقى معك؟ نظرت إلى السوار مرة أخرى. ــ سأحتفظ به. ــ هذا يكفيني. ... انطلقت السيارة من جديد، لكنهما لم يعودا مباشرة إلى المدينة. سلك أشرف طريقًا ضيقًا يمر بين الأشجار، حتى وصلا إلى نقطة مرتفعة تطل على سلسلة من الجبال المتداخلة. أوقف السيارة. ــ انزلي... أريد أن أريك مكانًا. ترجلت سارة، ثم سارت خلفه حتى وصلا إلى سور خشبي يطل على الوادي. كان المنظر يخطف الأنفاس. بدأت الشمس تميل نحو الغرب، وأخذت أشعتها الذهبية تنعكس فوق السفوح الخضراء، بينما كانت نسمات الهواء الباردة تحرك خصلات شعرها الطويل بهدوء. توقفت سارة إلى جانب أشرف دون أن تتكلم. التفت إليها، وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليها، شعر بشيء يتغير في نظرته. كان يعرف أنها جميلة
لم تنم سارة تلك الليلة إلا لساعات قليلة. كلما أغمضت عينيها، وجدت نفسها تتخيل لقاء الغد، ثم تعود لتفتح عينيها من جديد وتنظر إلى شاشة هاتفها للتأكد من الوقت. ابتسمت لنفسها وهي تتنهد. منذ متى أصبحت تنتظر الصباح بهذه اللهفة؟ آخر مرة شعرت فيها بهذا الحماس كانت أيام الجامعة، حين كانت تخرج مع أشرف بعد انتهاء المحاضرات، يتجولان لساعات دون وجهة محددة، وكأن الوقت لا يملك سلطة عليهما. رن المنبه في السابعة صباحًا. لكنها كانت مستيقظة قبله بدقائق. وقفت أمام خزانتها الصغيرة، تحدق في ملابسها القليلة. أخرجت قميصًا أبيض، ثم أعادته مكانه. جربت فستانًا بسيطًا، ثم هزت رأسها. وفي النهاية اختارت بنطالًا جينز أزرق وقميصًا سماوي اللون، مع حذائها الرياضي الأبيض الذي كانت تحافظ عليه بعناية منذ سنوات. نظرت إلى نفسها في المرآة. ابتسمت. ــ جيد... لا أريد أن أبدو وكأنني بذلت جهدًا كبيرًا. ثم ضحكت من نفسها. ــ بينما فعلت ذلك فعلًا. ... في تمام التاسعة وخمسين دقيقة، كانت تقف أمام مبنى الشركة. الشارع هادئ على غير عادته في عطلة نهاية الأسبوع. كانت تنظر بين الحين والآخر إلى السيار
كان الطريق إلى المنزل أطول من المعتاد... ليس لأن المسافة تغيرت، بل لأن أفكار سارة كانت أثقل من أن تسمح لها بالشعور بالوقت. كانت كلمات ليلى تتردد في رأسها بلا توقف. *"نحن نسكن في العمارة نفسها..."* *"أراه كل يوم..."* *"سيكون زوجي يومًا ما."* هزت رأسها أكثر من مرة محاولة التخلص من تلك الأفكار، لكنها كانت تعود في كل مرة بإلحاح أكبر. هل كانت ليلى تبالغ؟ أم أن هناك فعلًا شيئًا تخفيه؟ تنهدت وهي تعبر الزقاق الشعبي المؤدي إلى المنزل، ثم توقفت عند محل صغير اعتادت شراء عشاءها منه. ــ سندويش جبن... مع الطماطم والخيار، من فضلك. دفعت ثمنه، وأكملت طريقها حتى وصلت إلى المنزل. ألقت التحية على صاحبة المنزل، ثم صعدت إلى الطابق العلوي حيث غرفتها الصغيرة. قبل أن تدخل، وقفت للحظة أمام الطاولة الرخامية الموجودة في الممر. كانت لا تتجاوز مترًا ونصف، تتوسطها مغسلة قديمة، لكنها خالية تمامًا من أي أدوات مطبخ. لا أطباق... لا أكواب... ولا حتى غلاية صغيرة. منذ أن انتقلت إلى هنا، كانت تعتمد على الطعام الجاهز في كل وجباتها. لم يكن ذلك خيارًا تحبه، لكنه كان الحل الوحيد في غرفة لا تسمح حتى بإعداد كو
انقضت الساعات الأخيرة من الدوام بهدوء على غير العادة. كانت سارة منهمكة في ترتيب الملفات التي كلفت بها، تراجع كل ورقة بعناية قبل أن تضعها في مكانها الصحيح، مستعينة بالملاحظات التي شرحها لها أيمن في الصباح. لم تكن المهمة سهلة، لكنها شعرت بشيء من الرضا وهي ترى آخر ملف يستقر فوق الكومة المرتبة أمامها. أغلقت الملف الأخير، ثم حملت الأوراق واتجهت إلى مكتب أيمن. ــ انتهيت. رفع أيمن رأسه عن شاشة الحاسوب، ثم أخذ الملفات منها وبدأ يقلبها بسرعة. توقفت سارة تراقب تعابير وجهه، تنتظر أن يعثر على خطأ ما. مرّت ثوانٍ بدت لها أطول من المعتاد. ثم أغلق آخر ملف، وأعاد ترتيبها كما كانت. ــ ممتاز... لم أجد أي ملاحظة. ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه سارة دون أن تشعر. ــ شكرًا. ــ يبدو أنك تتعلمين بسرعة، وهذا سيوفر علينا الكثير من الوقت لاحقًا. هزت رأسها بخجل، ثم عادت إلى مكتبها تجمع أغراضها استعدادًا للمغادرة. في الجهة الأخرى، كانت ريم قد أغلقت حاسوبها هي أيضًا. اقتربت منها وهي تحمل حقيبتها. ــ هيا؟ ابتسمت سارة. ــ هيا. خرجتا معًا من المكتب، وساد بينهما صمت مريح، قطعه صوت خطوات سريعة خلفهما. ـ