LOGINالفصل الخامس
ظل آدم واقفًا أمام نادين، وعيناه مثبتتان على شاشة هاتفها كأن الصورة التي أمامه لا يمكن أن تكون حقيقية. لم يكن وجه الرجل غريبًا عليه، ولم تكن السنوات التي مرت كافية لمحو ملامحه من ذاكرته. كان يعرفه جيدًا، أكثر مما يتمنى. كان اسمه كريم. الاسم الذي حاول آدم دفنه في مكان عميق من ذاكرته منذ ثلاث سنوات، الاسم الذي ارتبط في ذهنه بليلة لم يستطع نسيانها مهما حاول. قال بصوت منخفض: "إنتِ متأكدة؟" ردت نادين: "أنا شفته بعيني." أخذ آدم الهاتف من يدها، وكبر الصورة، ثم أعادها إليها بسرعة. "فين؟" "في الجامعة." "إمتى؟" "من يومين." "ومقولتيليش؟" "كنت بحاول أتأكد الأول." نظر إليها بغضب. "كان لازم تقوليلي فورًا." "وأنت كنت هتعمل إيه؟" لم يجب. كان يعرف أنها محقة. لو عرف قبل يومين، ربما كان سيفعل شيئًا لا يعرف عواقبه. قالت نادين: "آدم، أنا عارفة إنك مش عايز تسمع اسمه، بس لازم تفهم إن رجوعه مش صدفة." "يعني إيه؟" "يعني إنه كان بيدور عليك."
رفع آدم رأسه فجأة. "عليا أنا؟" "أيوه." "إنتِ عرفتي منين؟" "سمعته بيتكلم مع حد عنك." "مين؟" "مش عارفة." اقترب منها وقال: "نادين، لو في حاجة تعرفيها قوليها كلها." نظرت إليه للحظات، ثم قالت: "سمعته بيقول إنك فاكر إن الموضوع انتهى، وإنه هيفكرك بكل حاجة." شعر آدم بقلبه يضرب بقوة. لم يكن يخاف من كريم بقدر ما كان يخاف من الشيء الذي قد يعيده معه. قال: "إنتِ لازم تبعدي عن الموضوع." "وأنت؟" "أنا هتصرف." "لوحدك؟" "آه." "إنت لسه زي ما أنت." ابتسمت بحزن. "بتحاول تشيل كل حاجة لوحدك." لم يرد، ثم غادر.
في أعلى الدرج كانت ليان واقفة. لم تكن قد سمعت الحديث، لكنها رأت كل شيء. رأت آدم يأخذ الهاتف، ورأت وجهه يتغير، ورأت نادين تنظر إليه بطريقة جعلتها تشعر أن بينهما تاريخًا أكبر مما قالت. وعندما رفع آدم عينيه فجأة، التقت عيناه بعينيها. توقف للحظة. أدرك أنها كانت هناك. لم تعرف ماذا تفعل، فاستدارت وصعدت بسرعة. ناداها: "ليان!" لكنها لم تتوقف. لحق بها حتى وصلت إلى نهاية الممر. "استني." توقفت دون أن تلتفت. "إنتِ كنتِ بتسمعي؟" "لا." "بتكذبي." استدارت إليه. "وأنت مش من حقك تسألني." صمت. قالت: "كل مرة أسألك عن حاجة تقولي مش وقته، ولما أشوف حاجة بعيني تقولي متدخليش. أنا مش عايزة أدخل في حياتك يا آدم، بس أنت اللي بتخليني أسأل." نظر إليها طويلًا. "أنا مش عايزك تتأذي بسببي." "مين قال إنك مهم للدرجة دي؟" خرجت الجملة منها أسرع مما أرادت. صمت آدم، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة فيها شيء من الألم. "ولا حاجة." ومشى.
شعرت ليان بالندم فورًا. لم تكن تقصد أن تجرحه، لكنها لم تكن تعرف ماذا تقول. عادت إلى المدرج وجلست بجوار مريم، التي لاحظت وجهها. "اتخانقتوا؟" "مش بالضبط." "يعني إيه مش بالضبط؟" "مش عارفة." قالت نور: "هو في إيه أصلًا؟" هزت ليان رأسها. "مش فاهمة." في تلك اللحظة دخل آدم مع يوسف. جلس في مكانه دون أن ينظر إليها. مرت المحاضرة كاملة دون أن يتحدثا.
في نهاية اليوم، خرجت ليان مع مريم ونور. كان يوسف ينتظر آدم عند البوابة، لكن آدم لم يظهر. قال يوسف: "هو قال إنه هييجي بعد شوية." مريم سألت: "هو متخانق مع ليان؟" نظر يوسف إليها باستغراب. "إيه؟" "مفيش." ابتسمت ليان: "سيبيه." لكن قبل أن يتحركوا، ظهر آدم من بعيد. كان يمشي بسرعة، وتبدو عليه علامات التوتر. توقف أمام يوسف وقال: "تعالى." سأله يوسف: "فين؟" "معايا." "في إيه؟" "بعدين." ثم نظر إلى ليان للحظة، لكنه لم يقل شيئًا. تبعته عيناها حتى اختفى خلف بوابة الجامعة.
في اليوم التالي، لم يأتِ آدم إلى المحاضرة الأولى. لم تهتم ليان في البداية، أو حاولت إقناع نفسها بأنها لا تهتم. لكن عندما مرت ساعة ولم يظهر، بدأت تنظر إلى الباب كل عدة دقائق. سألت يوسف في الاستراحة: "آدم مش جاي؟" رفع يوسف عينيه إليها. "قال عنده ظرف." "كويس؟" "مش عارف." "اتصلت بيه؟" "آه، مردش." شعرت ليان بالقلق. قالت مريم: "واضح إن الموضوع كبير." لم ترد.
بعد انتهاء اليوم، وصل إلى هاتف ليان إشعار من رقم مجهول. توقعت أن تكون نادين، لكنها عندما فتحت الرسالة وجدت صورة. كانت صورة قديمة لثلاثة أشخاص يقفون أمام مدرسة. آدم كان أحدهم. بجانبه نادين، وعلى الطرف الآخر كريم. أسفل الصورة جملة واحدة: "اسأليه مين كان سايق العربية ليلة الحادث."
شعرت ليان بأن يدها تجمدت. أغلقت الرسالة بسرعة، ثم أعادت فتحها. لم تكن تعرف الرقم، ولم تعرف من أرسلها. كان بإمكانها أن تحذفها، لكنها لم تفعل. فتحت مجموعة الأصدقاء، وبدأت تكتب رسالة لآدم، ثم مسحتها. كتبت مرة أخرى: "إنت كويس؟" ثم ترددت وضغطت إرسال.
مرت دقائق دون رد.
بعد ساعة جاء الرد: "آه."
كتبت: "أنت فين؟"
"في البيت."
"حصل حاجة؟"
"لا."
عرفت أنه يكذب.
"آدم، أنا وصلتني صورة."
لم يظهر أنه يكتب. مرت دقيقة، ثم دقيقتان. جاء الرد أخيرًا: "صورة إيه؟"
أرسلتها.
لم يرد.
اتصلت به.
ظل الهاتف يرن حتى أغلق.
في المساء، كانت ليان تجلس وحدها في الغرفة عندما وصلتها رسالة منه: "متسأليش عن الموضوع ده تاني."
شعرت بالغضب.
كتبت: "تمام."
بعد ثوانٍ جاء رد: "أنا آسف."
توقفت.
ثم كتبت: "أنا مش محتاجة اعتذار. أنا محتاجة أفهم."
لم يرد.
وضعت الهاتف جانبًا.
لم تكن تعرف لماذا كان الأمر يؤلمها إلى هذه الدرجة. ربما لأنها بدأت تشعر أن هناك جزءًا من حياته لا يسمح لها بالاقتراب منه، رغم أن وجودها في حياته أصبح واضحًا. وربما لأنها بدأت تخاف أن تكون قد اقتربت من شخص لا تعرفه فعلًا.
في اليوم التالي عاد آدم إلى الجامعة. كان أكثر هدوءًا من المعتاد، لكنه بدا متعبًا. دخل المدرج وجلس في مكانه. لم يتحدث مع أحد. حتى يوسف لم يعرف ماذا يقول له. بعد المحاضرة اقترب منه الدكتور سامر وقال: "آدم، عايزك بعد التدريب." هز رأسه.
خرج آدم من المدرج، فوجد ليان تنتظره في الممر. توقف عندما رآها. قالت: "ممكن دقيقة؟" "ليان..." "دقيقة واحدة." سكت.
قالت: "أنا مش هضغط عليك تحكي حاجة مش عايز تحكيها. بس متعاملنيش كأني غريبة." نظر إليها. "إنتِ مش غريبة." "أمال إيه؟" "عشان كده أنا خايف." "من إيه؟" "منك." شعرت بالصدمة. "مني؟" "من إنك تعرفي حاجات عني وتكرهي الشخص اللي هتعرفيه." قالت بهدوء: "أنا مش هكرهك عشان حاجة حصلت قبل ما أعرفك." "مش عارفة." "طب اديني فرصة أعرف." ظل صامتًا. ثم قال: "في ليلة من ثلاث سنين، كنت أنا ونادين وكريم خارجين من حفلة المدرسة. كريم كان هو اللي بيسوق، رغم إنه ماكانش المفروض يسوق أصلًا. حصلت حادثة." سكت. "مات شخص كان معانا." شهقت ليان بخفة. "مين؟" "اسمه سامر." "ودكتور سامر..." توقفت. "لا. شخص تاني." أخذ نفسًا عميقًا. "بعد الحادثة، كريم اختفى فترة. وأنا فضلت ألوم نفسي." "ليه؟" "لأني كنت عارف إنه مش قادر يسوق كويس، وسكت." "بس أنت مكنتش السواق." "كنت أقدر أمنعه." "آدم..." "من وقتها وأنا مقتنع إن السكوت عن الغلط ممكن يكون أخطر من الغلط نفسه." لم تعرف ماذا تقول. كان وجهه خاليًا من كل دفاعاته المعتادة. لم يكن الطالب المتفوق الذي ينافسها على الدرجات. كان مجرد شاب يحمل ذنبًا لم يعرف كيف يتخلص منه.
قالت: "وأنت ليه دخلت طب؟" نظر إليها باستغراب. "إيه علاقة ده؟" "يمكن عشان تصلح حاجة حصلت." ظل صامتًا طويلًا. ثم قال: "يمكن." ابتسمت ليان ابتسامة صغيرة. "أهو أخيرًا قلت حاجة مش عارف." ابتسم هو أيضًا، لكن عينيه بقيتا حزينتين.
في تلك اللحظة خرج دكتور سامر من غرفة التدريب، ونادى آدم. دخل معه، بينما بقيت ليان في الممر. لم تكن تعرف أن حديثهما سيغير شيئًا في اليوم نفسه.
كان التدريب هذه المرة في قسم الطوارئ. وقف الطلاب في منطقة المراقبة، يتابعون الحالات. كان دكتور سامر يشرح لهم كيفية التعامل مع المريض المصاب بصدمة، وكيفية تقييم حالته بسرعة. وفجأة دخلت سيارة إسعاف. تحرك الفريق بسرعة. طلب الطبيب من الطلاب الابتعاد.
لكن عندما دخل المسعفون بالمريض، تجمد آدم.
كان كريم.
لم يكن في حالة جيدة. كان مصابًا في وجهه وذراعه، ويبدو أنه تعرض لحادث آخر. اقترب المسعفون من الفريق وهم يشرحون ما حدث. قال أحدهم: "حادث سيارة. المريض كان لوحده."
وقف آدم مكانه كأن الزمن توقف.
نادته ليان: "آدم؟"
لم يجب.
كان ينظر إلى كريم فقط.
تقدم دكتور سامر خطوة، ثم لاحظ تغير وجه آدم. "آدم، اطلع بره."
لم يتحرك.
"آدم!"
خرج أخيرًا.
جلس على أحد المقاعد في الممر، ويداه ترتعشان. اقتربت ليان منه. "إنت كويس؟"
قال بصوت مكسور: "هو."
"مين؟"
"كريم."
فهمت.
جلست بجانبه.
"أنت مش مسؤول عن اللي حصل دلوقتي."
نظر إليها.
"إنتِ مش عارفة."
"أعرف كفاية."
هز رأسه.
"لو مات..."
"متقولش كده."
"لو مات، هفتكر كل حاجة."
أمسكت ليان يده دون تفكير. كان ذلك أول مرة تلمسه فيها بهذه الطريقة. لم تسحب يدها عندما نظر إليها، ولم يسحب هو يده. بقيا هكذا لثوانٍ، وسط ضجيج المستشفى، وكأن العالم حولهما توقف.
قالت: "إنت مش لوحدك."
نظر إليها، ولم يقل شيئًا.
في تلك اللحظة خرج دكتور سامر من الطوارئ. كان وجهه جادًا. "المريض حالته مستقرة مؤقتًا، لكن محتاج متابعة." أخذ آدم نفسًا طويلًا.
ثم قال الطبيب: "لكن في حاجة لازم تعرفها."
رفع آدم رأسه.
"الحادثة مش حادث عادي."
تجمد الجميع.
"العربية اتلاعب فيها."
"إيه؟" قال آدم.
"الفرامل كان فيها عطل متعمد على الأغلب."
ساد الصمت.
قال آدم: "يعني حد عمل كده؟"
"الشرطة هتحدد."
نظر آدم إلى ليان.
كانت ترى في عينيه السؤال نفسه الذي يدور في رأسها.
من يريد إيذاء كريم؟
ولماذا الآن؟
في المساء، تجمع الأصدقاء في سكن ليان. كانت مريم ونور ويوسف يعرفون جزءًا من الموضوع، لكنهم لم يعرفوا التفاصيل كلها. جلس آدم أمامهم صامتًا، ثم حكى لهم ما حدث. لم يقاطعه أحد.
قال يوسف بعد أن انتهى: "يعني الشخص اللي بعت الصور ممكن يكون هو نفسه اللي عمل الحادث؟"
رد آدم: "مش عارف."
قالت نور: "طب لازم تبلغوا."
"الشرطة موجودة بالفعل."
قالت مريم: "وإنت هتعمل إيه؟"
لم يجب.
قالت ليان: "ولا حاجة. هتسيب التحقيق ياخد مجراه."
نظر إليها آدم.
كان يعرف أنها محقة.
لكن في داخله كان هناك شيء آخر.
شيء يقول إن الماضي لم يعد مجرد ذكرى.
لقد عاد.
وبشكل أقرب مما تخيل.
في اليوم التالي، انتشرت الأخبار في الجامعة عن حادثة كريم، رغم أن معظم الطلاب لم يعرفوا هويته. بدأت الشائعات تظهر. البعض قال إنه حادث عادي، والبعض قال إن هناك شبهة جنائية. سارة كانت تستمع إلى إحدى المجموعات عندما سمعت اسم آدم.
اقتربت من ليان وقالت: "هو إنتِ عارفة مين كريم؟"
"آه."
"إيه علاقتك بالموضوع؟"
"مفيش."
ابتسمت سارة ابتسامة غريبة. "واضح إنك عارفة حاجات كتير."
نظرت إليها ليان. "قصدك إيه؟"
"ولا حاجة."
ثم ابتعدت.
كانت ليان تعرف أن سارة بدأت تتدخل أكثر من اللازم، لكنها لم تكن تريد مشكلة جديدة.
في نهاية اليوم، جاء آدم إليها وقال: "لازم أكلمك."
"في إيه؟"
أخرج هاتفه وأراها رسالة جديدة.
كانت من نفس الرقم المجهول.
"أنت مش هتقدر تحميها."
نظرت ليان إليه.
"مين؟"
لم يجب.
ثم ظهرت رسالة ثانية:
"لو قربت منها أكتر، هي اللي هتدفع الثمن."
شعرت ليان بالبرد.
قالت: "آدم..."
رفع عينيه إليها.
"أنا كنت فاكر إنهم بيهددوني أنا."
"ومين هي؟"
لم يجب.
لأنه كان يعرف.
ولأن ليان كانت تعرف من نظراته أن المقصود هو هي.
في تلك اللحظة، رن هاتف آدم. كان رقمًا مجهولًا.
نظر إلى الشاشة، ثم أجاب.
لم يتكلم الطرف الآخر في البداية.
ثم جاء صوت رجل هادئ:
"فاكرني يا آدم؟"
تغير وجه آدم.
كان كريم.
لكن كريم لم يكن في حالة تسمح له بإجراء مكالمة.
نظر آدم إلى ليان، وشعر أن شيئًا أسوأ من الحادثة بدأ للتو.
قال الصوت من الطرف الآخر:
"لو عايز تعرف مين كان السبب الحقيقي في اللي حصل من تلات سنين، تعالى لوحدك الليلة."
ثم أغلق الهاتف.
بقي آدم ممسكًا بالهاتف، بينما كانت ليان تنظر إليه.
"هتروح؟"
لم يجب.
"آدم، هتروح؟"
رفع عينيه إليها.
وقال جملة واحدة:
"لو روحت، ممكن حياتنا كلها تتغير."
والامتحان هيخلص." ثم أضاف: "لكن صحتك لو أهملتيها ممكن تدفعك تمن أكبر." خرجت ليان وهي تفكر. كان الطب أحيانًا لا يتعلق بإنقاذ شخص من الموت. أحيانًا يتعلق بمنع شخص من الوصول إلى مرحلة خطيرة. في الجامعة، كان يوسف يواجه مشكلة مختلفة. كان لديه عرض مهم، لكن أحد أعضاء الفريق لم يكن يقوم بدوره. قال يوسف: "أنا مش هعمل شغله." قالت نور: "طب هتعمل إيه؟" "هسيبه." "والعرض؟" "يتصرف." قالت: "يبقى أنت هتعاقب نفسك معاه." سكت. "طب أعمل إيه؟" "كلمه." ذهب يوسف إلى زميله. قال: "إنت مش عامل الجزء بتاعك." "عارف." "طب ليه؟" "عندي مشكلة في البيت." سكت يوسف. لم يتوقع ذلك. "كان ممكن تقول." "مش بحب أقول." "طيب خلينا نحلها." جلسا معًا، وقسما المهمة. عاد يوسف إلى المجموعة. قالت نور: "إيه اللي حصل؟" "حليناها." "من غير خناقة؟" "من غير." ابتسمت. "كبرت." "مش قوي." ضحكت. أما مريم، فكانت تدرس موضوعًا جديدًا في البحث. بدأت تهتم بالصحة النفسية لطلاب الطب. كانت ترى كيف يتحدث الجميع عن المذاكرة والدرجات، بينما نادرًا ما يتحدث أحد عن الضغط النفسي. عرضت فكرتها على الدكتور عمر. استمع إليها. ثم قال: "مهمة." "بس؟" "مهمة وصعبة." "ل
قال بهدوء: "أنا كمان خايف." كانت أول مرة يعترف فيها بذلك. لم تقل شيئًا. لكن المكالمة استمرت طويلًا. في نهاية الشهر، بدأ آدم يستعد للعودة. كان قد تعلم الكثير. وأصبح أكثر ثقة في نفسه. لكن قبل عودته بيوم، حدث شيء لم يكن في حسابه. طلب منه الطبيب المسؤول أن يحضر اجتماعًا صغيرًا. جلس أمامه. قال الطبيب: "إنت عندك قدرة كويسة." "شكرًا." "وعايز أعرض عليك فرصة." رفع آدم عينيه. "إيه؟" "ممكن تكمل معنا فترة أطول." توقف. كان العرض مغريًا. تدريب إضافي. خبرة أكبر. وعلاقات مهنية قد تفيده في المستقبل. لكن ذلك يعني تأجيل عودته. قال: "قد إيه؟" "شهرين إضافيين." سكت. ثم قال: "محتاج أفكر." "فكر." خرج آدم من المكتب. أول شخص فكر فيه كان ليان. اتصل بها. "فاضية؟" "آه." "عندي حاجة." "خير؟" حكى لها. سكتت. قال: "قولي رأيك." "إنت عايز إيه؟" "مش عارف." "لأ. إنت عارف." تنهد. "نفسي أكمل." "يبقى كمل." "بس..." "مفيش بس." "إنتِ مش هتزعلي؟" "هزعل." صمت. ثم قالت: "بس مش هطلب منك تسيب فرصة عشان أنا." أغمض عينيه. "أنا بحبك." سكتت. كانت الجملة هذه المرة مختلفة. لم تكن تلميحًا. ولا مزحة. ولا اعترافًا نصف واضح. كانت مباشرة. قالت
عندما تبدلت الأدوار لم تستطع ليان أن تمنع نفسها من الضحك وهي تنظر إلى آدم. قالت: "يعني أنا رجعت عشان ألاقيك مسافر؟" ابتسم: "تقريبًا." "طب ماشي." "زعلانة؟" "لأ." "كدابة." "أنا؟ مستحيل." ضحك يوسف من خلفهما. "إحنا ممكن نمشي ونسيبكم تتخانقوا براحتكم." التفتت ليان إليه. "محدش طلب منك تتكلم." قال يوسف: "أنا مجرد شاهد." قالت نور: "شاهد على إيه؟" "على إن الاتنين دول محتاجين يتعلموا إن التوقيت مش دايمًا بيكون في صالحهم." ضحك الجميع، بينما اكتفت ليان بالنظر إلى آدم. كانت سعيدة من أجله، لكنها لم تستطع تجاهل ذلك الشعور الغريب الذي تسلل إليها. بعد أسابيع من البعد، كانت تتمنى أن تستعيد الأيام التي كانا يلتقيان فيها كل يوم، والآن سيبدأ هو رحلة جديدة في المكان الذي عاشت فيه هي أصعب وأهم أسابيع تدريبها. قالت: "إمتى مسافر؟" "بعد ثلاثة أيام." "هتفضل هناك قد إيه؟" "شهر." تنفست ببطء. "شهر واحد." "آه." "كويس." "مش باين." ضحكت. "أنا بس لسه راجعة." في تلك الليلة، عادت ليان إلى منزلها وهي تحمل حقيبتها الصغيرة. كانت والدتها تنتظرها في غرفة المعيشة. "تعالي هنا." احتضنتها طويلًا. "وحشتيني." "وإنتِ كمان." جلست ل
كتبت له: "إنت مشغول؟" تأخر في الرد. بعد ساعتين كتب: "آسف، اليوم كان طويل." "ولا يهمك." "إنتِ كويسة؟" "آه." لم تكتب أكثر. كانت تريد أن تقول له إنها تفتقده. لكنه لم يسأل. وفي الجهة الأخرى، كان رامي يجلس وحده بعد يوم طويل. فتح محادثتها. كتب: "أنا مش عارف أتكلم زي الأول." ثم مسح الرسالة. لم يكن يعرف هل السبب المسافة أم الضغط أم خوفه من أن يبدأ علاقة لا يعرف كيف يحافظ عليها. في منتصف تدريب ليان، حدث موقف جعلها تتذكر لماذا اختارت الطب. دخلت طفلة صغيرة إلى القسم مع والدها. كانت خائفة جدًا من المستشفى. اقتربت منها ليان. "اسمك إيه؟" اختبأت خلف والدها. قال الأب: "اسمها ملك." "ملك؟ اسم جميل." نظرت إليها الطفلة. أخرجت ليان قلمًا صغيرًا من جيبها. "تحبي نرسم؟" ترددت. ثم أخذت القلم. بدأت ترسم. بعد دقائق، هدأت. قال الأب: "أنا مش عارف أشكرك إزاي." قالت ليان: "هي بس كانت محتاجة حد يطمنها." في نهاية اليوم، قال لها الطبيب: "إنتِ عندك حاجة مهمة." "إيه؟" "بتعرفي تخلي المريض يحس إنه إنسان مش رقم." ابتسمت. "دي حاجة كويسة؟" "دي من أهم الحاجات." تلك الليلة، اتصلت بوالدتها. حكت لها عن يومها. ثم اتصلت بآدم. قالت
الفصل الثلاثون: المسافة التي كشفت أشياء كثيرة لم تكن ليان تعرف أن بعض القرارات لا تخيفنا بسبب القرار نفسه، وإنما بسبب الأشياء التي قد تتغير بعده. منذ أن وافقت على التدريب خارج الجامعة، وهي تتحرك بين الحماس والقلق. كانت تتخيل المستشفى الجديد، الأطباء الذين ستتعلم منهم، الحالات المختلفة، والمهارات التي يمكن أن تكتسبها، ثم فجأة تتذكر أنها ستبتعد شهرين كاملين عن كل شيء اعتادت عليه. عن الجامعة. عن أصدقائها. وعن آدم. في صباح السفر، وقفت أمام المرآة ترتب حقيبتها للمرة الأخيرة. دخلت والدتها الغرفة وقالت: "خلصتي؟" "تقريبًا." نظرت الأم إلى الحقيبة. "إنتِ واخدة نص البيت معاكي؟" ضحكت ليان. "شهرين يا ماما." "شهرين مش سنة." "أنا بحب أكون مستعدة." ابتسمت والدتها. "أهم حاجة تكوني مستعدة نفسيًا." سكتت ليان. كانت هذه تحديدًا المشكلة. في نفس الوقت، كان آدم يجلس أمام والده. قال والده: "فكرّت في كلامي؟" "أيوه." "والنتيجة؟" "هكمل طب." تنهد والده. "إنت مصمم؟" "آه." "حتى لو الطريق طويل؟" "حتى لو." سكت والده طويلًا. ثم قال: "أنا مش ضدك." نظر آدم إليه. "أمال؟" "أنا خايف عليك." كانت الجملة أبسط مما توقع. "من إي
مع إحدى الحالات التدريبية. قال يوسف: "لازم نتحرك أسرع." ردت ليان: "بس ناقصنا معلومات." "هنضيع وقت." "ولو استعجلنا هنغلط." تدخل آدم: "خلونا نقسمها." نظر إليه يوسف. "إزاي؟" "إنت تجمع المعلومات، ليان تراجع الحالة، وأنا أرتب الخطوات." قالت نور: "وأنا هكتب." هدأ الخلاف. بعد انتهاء التدريب، قال يوسف لليان: "أنا آسف." نظرت إليه. "على إيه؟" "كنت متوتر." ابتسمت. "وأنا كمان." قال: "بس إنتِ عندك حق." "وإنت عندك حق في نقطة السرعة." ابتسم. "يبقى اتعلمنا." في تلك الليلة، وصل اتصال إلى مريم من رامي. ترددت قبل أن تجيب. "ألو؟" "إزيك؟" "كويسة." "أنا رجعت المدينة يومين." اتسعت عيناها. "رجعت؟" "أيوه." "ليه ما قلتش؟" ضحك. "كنت عايز أفاجئكم." "إنت مجنون." "عارف." "هتقابلنا؟" "أكيد." في اليوم التالي، دخل رامي الجامعة فجأة. كان يوسف أول من رآه. صرخ: "رامي!" التفت الجميع. ركض يوسف نحوه واحتضنه. "إيه يا عم؟" "وحشتوني." قالت نور: "اختفيت." "أسبوعين بس." قالت: "بالنسبة لنا كتير." أما مريم، فكانت واقفة بعيدًا. اقترب منها. "إزيك؟" "كويسة." "بس؟" "بس." ابتسم. "وحشتيني." خفضت عينيها. "إنت كمان." لم يحتج أي منهما إلى







