LOGINفي تلك اللحظة، سمعت صوتًا في الخارج، صوت حوافر تضرب الطريق. ذهبت إلى النافذة، وأزحت الستارة بمقدار يسمح لي بالرؤية. كانت عربة سوداء تقف أمام البيت. لم تكن عربة عادية؛ لم أرَ في حياتي شيئًا يشبهها، صندوقها طويل، وأبوابها مزينة بنقوش فضية، وتجرها أربعة خيول سوداء.
رغم الطريق الوعر المؤدي إلى منزلنا، لم يكن على العربة شعار عائلة أو اسم مالكها. كان هناك رجل يجلس في مقعد السائق، يرتدي معطفًا أسود طويلًا وقبعة تخفي معظم وجهه. نزل رجل آخر من الباب المقابل. كان طويلًا ونحيلًا، يرتدي ملابس رسمية ذات طراز قديم، ويحمل حقيبة جلدية صغيرة. سار نحو المنزل، ولم ينظر إلى الجيران الذين أخذوا يراقبونه من خلف النوافذ. تراجعت عن النافذة. ثلاث طرقات على الباب لم تكن قوية، لكنها جعلتني أقبض على مقبض السكين. تذكرت كلام أم فؤاد: _لو جالك حد من القصر، ما تفتحيش له. جاءت الطرقات مرة أخرى. _مين؟ سمعت صوت رجل من الخارج: _مبعوث من صاحب السمو. لم أجب. _أعلم أنك بالداخل يا آنسة حنان. _ازاي عرف اسمي؟ نظرت إلى مريم. كانت قد فتحت عينيها، وتتابع ما يحدث في الممر. لم يكن على وجهها أي أثر للحمى أو التعب. بدت منتبهة تمامًا، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة. عاد الرجل إلى الكلام: _أحمل عرضًا يتعلق بحياة أختك، وأظن أنك لن ترغبي في رفض سماعه. فتحت الباب مقدار شبر، وأبقيت السلسلة المعدنية في مكانها. كان الرجل في منتصف العمر، ذا وجه شاحب ولحية قصيرة مهذبة. عيناه رماديتان، وملامحه هادئة إلى حد أثار ضيقي. لم يكن يبدو كمن جاء إلى منزل فيه فتاة تحتضر، بل كموظف حضر لتسليم ورقة تحتاج إلى توقيع. نظر إلى السكين في يدي، ثم رفع عينيه إليَّ. _هل تسمحين لي بالدخول؟ _قول اللي عندك من هنا. أومأ، وفتح حقيبته. أخرج منها ظرفًا مختومًا بشمع أحمر، ووضعه على حافة الباب. _أختك مريضة، أليس كذلك؟ _إنت مين؟ _اسمي لا يهم. أنا ممثل عن صاحب السمو الأمير أدريان، حاكم القصر الشمالي. شعرت بأن اسم الأمير يوقظ شيئًا سمعته من قبل، لكنني لم أستطع تحديده. أكمل الرجل: _يعلم سموه بحالة أختك، وقد أرسل طبيبه الخاص، وهو يستطيع علاجها، مهما كان المرض الذي تعاني منه. كدت أضحك من شدة الغضب. _وهو عرف منين إنها مريضة؟ وبعدين إيه المطلوب؟ مفيش حد بيبعت دكتور من غير مقابل. _هذا صحيح. فتح الظرف وأخرج ورقة مطوية، كُتب عليها عقد زواج رسمي بيني وبين الأمير أدريان، وفقًا لقوانين المملكة القديمة. قرأت السطر الأول مرتين، ثم رفعت رأسي. _أنت بتهزر؟ _لا. _أنا عمري ما شفت الأمير ده، ولا أعرفه. إزاي يبعتلي عرض جواز؟ _لأن سموه اختارك. _اختارني أنا ليه؟ للمرة الأولى، تغيرت ملامح الرجل قليلًا. لم يكن ذلك خوفًا، بل شيئًا أقرب إلى الحذر. _هذا أمر لا أملك الإجابة عنه. مزقت الورقة نصفين ولوحت له. _خد ورقتك وامشي. لم يغضب، ولم يعترض. أخرج ورقة أخرى من الحقيبة، ثم وضعها أمامي. كانت تحمل ختمًا طبيًا، وتوقيع طبيب، وقائمة بأدوية باهظة الثمن، يليها تعهد من الأمير بتحمل تكاليف العلاج والإقامة والرعاية الكاملة لأختي. _لن تُجبري على دفع شيء. كل ما يطلبه سموه هو أن تصبحي زوجته. نظرت إلى الورقة، ثم إلى مريم في الداخل. _ولو رفضت؟ أغلق الرجل الحقيبة. _سنغادر، ولن يعود أحد إلى هذا المنزل. _والعلاج؟ _لا أستطيع تقديم وعد نيابة عن سموه في حالة الرفض. كان ذلك كافيًا لأفهم أن العرض لم يكن عرضًا حقيقيًا. كان ابتزازًا. لكن مريم كانت تحتضر. لم يكن لدي مال، ولا طبيب يستطيع مساعدتها، ولا أحد ألجأ إليه. استطعت أن أكرهه، وأن أرفضه، وأن أغلق الباب في وجهه، لكنني لم أستطع أن أتخيل نفسي واقفة عند قبر أختي بعد أيام، وأنا أفكر أنني كنت أملك فرصة لإنقاذها. _عايزة أشوف الدكتور الأول. _بالطبع. _وعايزة أعرف إنتوا هتعالجوها إزاي، ومش هتلمسوها قبل ما أفهم كل حاجة. أومأ الرجل. _سيكون الطبيب هنا خلال دقائق. _وأنا لسه ما وافقتش على الجواز. _أعلم ذلك يا آنسة حنان. كان يتحدث بأدب شديد، ما كنت أصفه بـ«أدب القرود»، لكنني شعرت أنه لا ينتظر موافقتي حقًا، كأن القرار اتُّخذ قبل أن يولد هذا العرض، وكأن دوري الوحيد هو الوصول إلى اللحظة التي أقول فيها نعم. أغلقت الباب، ووقفت أمامه أحاول ترتيب أفكاري. لم أكن أريد الزواج من رجل لا أعرفه، فضلًا عن رجل يرسل مبعوث إلى منزل فتاة فقيرة ويعرض علاج أختها مقابل يدها. لكنني لم أكن أملك رفاهية رفض المساعدة لمجرد أن طريقة تقديمها مهينة. عدت إلى غرفة مريم. _في دكتور جاي يعالجك. لم تجب. _يا مريم، سمعاني؟ فتحت عينيها ببطء، ثم نظرت إليَّ. _وافقت؟ _وافقت على إيه؟ _إنك تتجوزيه. جلست بجوارها. _أنتِ عرفتي منين؟ لم تجب. رفعت يدها نحو وجهي، ومسحت بإبهامها دمعة لم أنتبه إلى نزولها. _ما تروحيش معاه يا حنان. _أنتِ قلتيلي قبل كده إني ما أروحش معاه. مين هو؟ وإنت تعرفيه منين؟ أغمضت عينيها، وبدأت تتمتم بكلمات لم أفهمها، ثم انتفض جسدها، وخرجت من حلقها شهقة. أمسكت بيدها. _مريم! فتحت عينيها على اتساعهما، وحدقت في السقف. _هي هنا. _مين؟ _الملكة. ثم بدأت تبكي. لم أرَ مريم تبكي هكذا من قبل. كانت تحاول إخفاء وجهها عني، وتشد الغطاء حول رأسها، وتطلب مني أن أخرج من الغرفة. وحين سألتها عن السبب، صرخت في وجهي: _هي مش عايزاكي تروحي! هي عايزاكي تفضلي هنا! لم أتركها. بقيت ممسكة بيدها حتى هدأت، ثم سمعت الطرقات الثلاث للمرة الثالثة. هذه المرة، لم تأتِ من الباب الخارجي؛ جاءت من داخل خزانة الملابس. لم أتحرك في البداية. نظرت إلى الخزانة، ثم إلى مريم، التي كانت تراقبها بعينين واسعتين. ثلاث طرقات أخرى. وضعت مريم يديها على أذنيها. _ما تفتحيش! كان صوتها طبيعيًا هذه المرة، صوت أختي التي أعرفها. أخذت السكين من فوق الطاولة، واقتربت من الخزانة. كانت إرثًا عن أمي، ولم يكن فيها سوى الملابس وبعض الأغطية. وضعت يدي على المقبض، وسمعت من خلف الباب صوت امرأة تهمس باسمي. _حنان. تراجعت. كان الصوت يشبه صوت أمي. _حنان افتحي لي يا حبيبتي. لم أسمعه منذ سبع سنوات، لكنني عرفته. كان يحمل النبرة نفسها التي كانت تستخدمها حين توقظني للمدرسة، والطريقة نفسها التي كانت تنطق بها اسمي حين تغضب مني. لم أقترب مرة أخرى. _أنتِ مش أمي. سكت الصوت لحظة، ثم ضحك. لم تكن ضحكة أمي؛ كانت ضحكة امرأة تعرف أنني خائفة، وتستمتع بذلك. ركضت نحو الباب، وفتحته، فوجدت المبعوث واقفًا في الممر. كان الطبيب إلى جواره، يحمل حقيبة صغيرة. _في حاجة حصلت؟ أشرت إلى الغرفة. _في حد جوه الدولاب. نظر الرجل إلى الخزانة المفتوحة، ثم إليَّ. _لا يوجد أحد هناك. _أنا سمعت صوتها. لم يسألني من تكون، ولم يبدُ عليه الاستغراب. اكتفى بإغلاق الخزانة بنفسه، ثم التفت إلى الطبيب. _من فضلك، افحص الفتاة. دخل الطبيب إلى غرفة مريم، وفحص نبضها وعينيها وحرارتها. فتح حقيبته وأخرج زجاجة صغيرة، ثم وضع قطرتين من سائل شفاف على لسانها. بعد دقائق، بدأ تنفسها ينتظم. سألته: _إيه اللي عندها؟ لم يرفع عينيه عن مريم. _لا أستطيع أن أجزم الآن، لكنها ستتحسن. _يعني هتخف؟ نظر إلى المبعوث، ثم عاد إليَّ. _إذا جئت معنا، فسأتمكن من متابعة علاجها. لم يكن هذا جوابًا، لكن مريم فتحت عينيها، ونظرت إليَّ بوضوح لم أره منذ أيام. _حنان. اقتربت منها. _أنا هنا. _خدي بالك من نفسك. ابتسمت رغم خوفي. _أنتِ اللي لازم تاخدي بالك من نفسك. أول ما تخفي هتزعلي مني عشان هخليكي تاكلي شوربة كل يوم. حاولت أن تبتسم، لكنها لم تستطع. أمسكت بيدي، وضغطت عليها، ثم نظرت إلى المبعوث. تغير وجهها. لم يعد وجه فتاة مريضة؛ صار وجه شخص يرى عدوًا عاد من الموت. رفعت رأسها عن الوسادة، ونظرت إليه مباشرة. _إنت لسه عايش؟ تبادل الطبيب والمبعوث نظرة سريعة. لم أستوعب ما قالته مريم. _أنتِ تعرفي الراجل ده؟ لم تنظر إليَّ. أما المبعوث، فقد تراجع خطوة إلى الوراء. لأول مرة منذ وصوله، فقد هدوءه. كانت يداه ترتجفان، وحاول أن يخفيهما داخل معطفه. _من أين تعرفينني؟ ضحكت مريم ضحكة قصيرة، ثم مسحت فمها بظهر يدها. _هو الأمير بعتك؟ لم يجب. _طبعًا بعتك. عمره ما بيبعت حد بنفسه. تقدم الطبيب نحوها، لكن مريم دفعته بعيدًا. نهضت في السرير، رغم أنها لم تستطع الجلوس وحدها قبل دقائق، وأشارت إلى المبعوث بإصبعها. _بص له كويس يا حنان. افتكري وشه. لم أستطع الكلام. كان المبعوث يحدق فيها، وقد اختفى اللون من وجهه. قال بصوت خافت: _هذا مستحيل. اقتربت منه، وسألته: _إنتوا تعرفوا بعض؟ لم يرد. عادت مريم إلى الوسادة، وأغمضت عينيها لحظة. وحين فتحتهما، كان فيهما شيء لم أره من قبل: غضب، كأنها تحمل في داخلها حياة كاملة لم أعشها معها. ثم قالت للمبعوث: _قول للأمير إن العروس رجعت، وإن المرة دي مش هتسامحه. لم يتحرك أحد، حتى الطبيب ترك يده معلقة في الهواء. أما أنا، فكنت أنظر إلى أختي، أحاول أن أفهم كيف تعرف أميرًا لم تسمع به من قبل، وكيف تعرف مبعوث من الأمير لم تره في حياتها، وكيف تتحدث عن عروس عادت بعد غياب. فتح المبعوث فمه، لكنه لم يستطع إخراج كلمة، ثم انحنى أمام مريم، لا أمامي. _مولاتي، أرجوك. نظرت إليه مريم باحتقار. _متقوليش مولاتي. أنت اللي قتلتني. سقطت الحقيبة من يد الطبيب، وتناثرت الأدوات المعدنية على الأرض. لم ألتفت إليها. كنت أحدق في مريم، وفي وجهها الذي بدأ يفقد ملامحه المألوفة أمام عيني. انفرجت شفتاها عن ابتسامة لم أرها قط، ورفعت يدها إلى عنقها، حيث ظهرت علامة سوداء صغيرة تحت الجلد، علامة تشبه ختمًا ملكيًا. ثم نظرت إليَّ. _حنان، أنا آسفة. لم أفهم لماذا تعتذر. _أنا مش أختك الصغيرة. وانطفأ المصباح، وسمعت صوت مريم تضحك، ثم سمعت صوت أمي من داخل الخزانة يقول: _أخيرًا رجعتي يا ملكة.وضعت يديّ على أذنيّ، بينما استمرت الطرقات خلف الباب، تتبعها تهويدة مريم. بقيت في مكاني حتى انقطع الصوت، ولم أرفع يديّ إلا بعدما مر وقت طويل.في الصباح، قررت أن أتعامل مع القصر كأنه منزل عادي، حتى لو أصر سكانه على إثبات العكس.ملأت طشتًا بالماء، وغسلت ملابسي وملابس مريم، ثم علقتها على نافذة الجناح. تجمع اثنان من الخدم عند نهاية الممر يراقبانني، وحين التفتُّ إليهما، أسرع أحدهما بالانصراف، بينما اختبأ الآخر خلف الباب._هو أنا بغسل هدوم ولا بسرق جواهر القصر؟لم يجبني أحد.حملت الطشت إلى المطبخ، فقد وعدت مريم أن أعد لها الشوربة كل يوم، ولم أكن أنوي إخلاف وعدي بسبب مجموعة من الخدم الذين يخافون من الغسيل.وجدت الطباخ العجوز واقفًا أمام الموقد. ما إن رآني حتى أمسك بمغرفة كبيرة، كأنني جئت لانتزاعها منه._عايزة أعمل شوربة.نظر إليّ، ثم إلى الباب خلفي._هنا؟_أيوه، هنا. هو فيه مطبخ تاني مخفي؟لم يرد. اقتربت من الطاولة، فوجدت ولدًا صغيرًا يحمل بصلة، وينظر إليّ من طرف كمّه الذي غطى نصف يده. مد البصلة نحوي، ثم تراجع خطوتين.أخذتها منه._إنت اسمك إيه؟خفض رأسه._ما حدش بيكلمني.توقفت لحظة، ثم ابتسمت
في الصباح، وجدت الخدم يتعاملون معي كأنني مصابة بمرض معدٍ. وضعت إحداهن صينية الإفطار أمام باب جناحي بمقشة طويلة، ثم أسرعت إلى الناحية الأخرى من الممر.فتحت الباب ونظرت إليها._هو أنا عندي جدري؟توقفت الخادمة لحظة، ثم اختفت خلف أقرب باب.على الطرف الآخر من الممر، كانت امرأة عجوز تراقبني. شعرها أبيض، وظهرها محني، وفي عينيها حزن لم أفهم سببه. رفعت يدي لأحييها، لكنها أشاحت بوجهها.حملت الصينية واتجهت إلى الدرج. كنت قد اكتفيت من الأبواب المغلقة، والخدم الهاربين، والحارس الذي لا يعرف غير جملة واحدة.وجدت أدريان عند منتصف الدرج، فاعترضت طريقه._هو إنت أمرت الخدم يعاملوني كأني قنبلة. الناس دي خايفة تقرب مني كأن ريحتي وحشة؟توقف ونظر إليّ._أمرتهم بالابتعاد عنكِ._آه، ما أنا فهمت. بس ليه؟ هو أنا عملت إيه؟ كل ما أقرب من حد يجري، والأكل بيتحط قدام الباب بمقشة. ناقص تحطوا لي علامة خطر على الجبهة.لم يبتسم._وجودكِ يوقظ شيئًا داخل القصر.نزلت درجة نحوه._إيه اللي بيصحى؟_لا أعرف اسمه. أعرف أنه يتحرك حين تتحركين، ويخافكِ أحيانًا ويشتاق إليكِ أحيانًا.نظرت إلى الصينية في يدي._يعني القصر نفسه عنده مش
استيقظت في منتصف الليل، وفتحت الباب الداخلي بالمفتاح، ومددت يدي نحو سرير مريم. كان فارغًا. لحاف مريم مطوي عند طرف الفراش، كأنها نهضت لتعود بعد دقائق. فتحت باب الغرفة الخارجي بسرعة، فوجدت الحارس واقفًا في مكانه، ووجهه خالٍ من أي تعبير. _مريم راحت فين؟ نظر دون أن يحرك جفنه. _لم يخرج أحد. _أنا بسألك عن أختي! _لم يخرج أحد. اقتربت منه. كانت عيناه مفتوحتين، لكنهما بدتا كزجاج لا يعكس شيئًا. كررت سؤالي، فسمعت الجواب نفسه بالنبرة ذاتها، حتى خُيّل إليّ أنني أسمع تسجيلًا أو روبوت يكرر نفس الجملة. انحنيت نحو الأرض. على السجاد، امتدت آثار أقدام صغيرة. يبدو أنها كانت حافية من سرير مريم إلى الممر. تبعت الأثر. عند نهاية الممر، وجدت مريم واقفة أمام جناح لم أره من قبل. عيناها مفتوحتان، وشفتاها تتحركان بلحن. كانت تدندن تهويدة أعتقد أنها لم تمر على اُذني. _مريم! لم تلتفت. اقتربت منها، فرأيت صفًا طويلًا من الأبواب، وعلى كل باب لوحة نُقش عليها اسم، لكن حروا ليست واضحة بقدر كاف. أما الجدران، فكانت منزوعة منها مرأتها. تمتمت وأنا أتفحص الممر: _هو دا فندق ولا بيت الأشباح. ولا دا فيلم الحرب ال
قبل الغروب بقليل، وصل الطبيب إلى جناح مريم حاملًا حقيبته المعدنية. كنت أنتظره عند الباب، وحين رفع يده ليطرقه، فتح الحارس الطريق أمامي، لكنه اعترضه._غير مسموح بدخول أحد دون اذن الآنسة.نظر الطبيب إليّ بضيق، فتنحيت جانبًا وأشرت إليه بالدخول. كانت تلك أول مرة أرى فيها قاعدة وضعتها تُنفَّذ من دون جدال.أخرج الطبيب الزجاجة، ووضعها فوق المنضدة. جهّز الجرعة في ملعقة صغيرة، ثم اتجه نحو مريم._استنى.التفت إليّ._هتشرب منها الأول.قطّب حاجبيه._هذا غير ممكن._ليه؟_لأن الجرعة مخصصة لها.مددت يدي نحو الملعقة، لكنه أبعدها بسرعة._قلت لكِ إنني لن أسمح بذلك.أمسكت معصمه قبل أن يرفعها بعيدًا.تراجع، وحدق في أصابعي حول يده._سأعطيكِ ما تريدين، لكن لا تلمسيني.تركت معصمه. غمس طرف الملعقة في السائل، ورفعها إلى فمي. لامست نقطة صغيرة لساني، فشعرت بمرارة حادة، أعقبها مذاق معدني بقي في فمي.انتظرت قليلًا. لم أشعر بشيء، فأشرت إليه أن يكمل.اقترب الطبيب من مريم، وأسند رأسها بيده، ثم أفرغ الجرعة في فمها. ساعدتها على ابتلاعها، وأبقيت يدي تحت ذقنها حتى تأكدت أنها لم تختنق.بعد لحظات، تحرك شيء تحت جلد رقبتها.
استيقظت على رائحة الخبز الساخن. كان هناك طبق إفطار على الطاولة، مع كوب حليب وقطعتين من الجبن ووعاء صغير من العسل. لم أطلب شيئًا، ولم أسمع أحدًا يدخل الجناح. اقتربت من الطعام، ثم تفحصت الكوب والطبق. تذكرت المرهم الذي وجدته بجوار سريري، والصفحة التي أخفيتها في حقيبتي. في هذا القصر، حتى الأشياء البسيطة تأتي من دون تفسير. تركت الطعام كما هو، واتجهت إلى مريم. كانت مستيقظة، وقد استعادت بعض لون وجهها. وضعت يدي على جبينها، فوجدت حرارتها أقل. _عاملة إيه؟ _أحسن. _عايزة تاكلي؟ رمقت طبق الإفطار، ثم رفعت عينيها إليّ. _إنتِ كلتي؟ _لسه. حاولت الجلوس، فساعدتها على ترتيب الوسادة خلف ظهرها. قبل أن أعود إلى الطعام، فُتح الباب ودخل فيكتور، يتبعه الطبيب حاملًا حقيبته. انحنى فيكتور أمام مريم. _كيف حالكِ يا مولاتي؟ رفعت مريم عينيها إليه. اختفت آثار التعب من وجهها للحظة جعل الرجل يتراجع قليلًا. تجنبت عيناه النظر إليها، بينما ارتجفت أصابعه وهو يعدّل أزرار معطفه. راقبته جيدًا. كان يخاف منها، رغم كل محاولاته لإخفاء ذلك. بدأ الطبيب فحص مريم، ثم أخرج زجاجة صغيرة من حقيبته. قرأ ال
_وجدتِ ما تبحثين عنه؟ جاء صوت أدريان من خلف الباب. أغلقت السجل، ثم نظرت إلى الصفحات الممزقة. لا وقت عندي لإجابة مناسبة، فمقبض الباب تحرك، وتوقف، ثم عاد إلى مكانه. _حنان؟ اقتربت من السجل وبدأت أقلب صفحاته بسرعة. الأسماء والتواريخ تتداخل أمام عيني، حتى ظهر أثر لونه أحمر عند أسفل إحدى الصفحات. رفعتها بحذر. كان هناك ختم من الشمع الأحمر، وقد التصق بطرف الورقة. بدا حديثًا مقارنة بالحبر المحيط به، وما زالت حافته لامعة. طرقات على الباب. _افتحي يا حنان. _إنت مش أمير القصر؟ افتحه بنفسك. ساد الصمت لحظة، ثم سمعت صوته: _الباب لا يسمح لي بالدخول. نظرت إلى الباب، ثم إلى الصفحة في يدي. للمرة الأولى، وجدت شيئًا داخل القصر لا يستطيع أدريان الوصول إليه بسهولة. كان عليه أن يطلب مني فتح الباب، وأنا التي أملك القرار. أعدت الصفحة إلى الضوء، فرأيت كتابة صغيرة تحت الختم. مررت إصبعي فوقها دون أن ألمس الشمع، وقرأت بصعوبة: "إذا حاولت العروس مغادرة القصر، يُستدعى صاحب العهد، ويُسلَّم إليه الاسم قبل الجسد" توقفت عند كلمة "الاسم"."على حافة الختم نفسه، حروف دقيقة منقوشة. قرأتها مرتين".







