Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الثالث والستون

Share

الفصل الثالث والستون

last update publish date: 2026-09-10 05:34:53

في البداية، أقنعت نفسي بأنني أراقبكِ لأتأكد من عدم وجود تهديد، لكن الحقيقة كانت أن روحي المظلمة كانت تتعطش لنوركِ. عندما اقتربت منكِ، وتسللت إلى حياتكِ بهويتي الجديدة، كنت أنوي فقط أن أكون ظلاً يحميكِ من بعيد لتعويضكِ عما سلبته منكِ. ولكن عشقكِ اجتاحني كطوفان لم يترك لي خياراً. لأجلكِ يا قمر، انقلبت على منظمتي، حطمت إمبراطوريتي بيدي، وأعلنت الحرب على 'الظل الأسود' لأغسل يدي من الدماء وأكون جديراً بكِ. اعتقدت أنني استطعت دفن الماضي، وأنني خلقت لنا عالماً جديداً آمناً، ولكنهم عادوا.. عادوا ليضربوني في أثمن ما أملك".

استمعت قمر لاعترافاته وروحها تتأرجح بين الألم العميق والنشوة الغامرة. كانت كلماته تنبض بصدق مرعب، بشغف يتجاوز حدود العقل والمنطق. لقد دمر عالمه الأسود بأكمله من أجلها، وتحول من زعيم للموت إلى حارس لحياتها. انحنت نحوه، وأمسكت بوجهه بين يديها، مجبرة إياه على النهوض ليقف أمامها. نظرت إلى الجرح الغائر في كتفه، وإلى الندوب القديمة التي تزين صدره، فرأت فيها خريطة لعذاباته الطويلة. اقتربت منه ببطء، وفي مشهد راقٍ وحميمي يمتزج فيه الندم بالشغف والتلاحم الروحي، طبعت قبلة رقيقة، دافئة، على جرحه النازف، وكأنها تمتص ألمه وتمنحه غفرانها الأبدي.

ارتعش جسده بالكامل إثر لمسة شفتيها، وتلاقت أعينهما في حوار صامت فاق كل لغات الأرض. لم يعد هناك مكان للكلمات. رفعها بين ذراعيه برفق بالغ، متجاهلاً ألمه، واتجه بها نحو الفراش الواسع. وضعها على الوسائد الوثيرة كما توضع الجواهر النادرة، وانحنى فوقها ليغمرها بعاصفة من القبلات التي تحمل طعم الدم والدموع والشغف المحموم. كان عناقهما تلاحماً بين النور والظلام، بين الخطيئة والغفران. كان يلمسها وكأنها طقس ديني مقدس، يتعبد في محراب جسدها، ويستقي من أنفاسها الحياة. كانت استجابتها له شرسة، عميقة، ومحملة برغبة مجنونة في محو كل آثار ماضيه الأسود ودمجه في حاضرها الأبدي. في تلك اللحظات، توحدت أرواحهما في بوتقة من العشق الذي تحدى الموت والخيانات، عشق خُلق من رحم الألم ليولد من جديد أقوى وأكثر جبروتاً من ذي قبل. أحاط بطنها المنتفخ بيديه بحماية مهووسة، وهمس ضد شفتيها بوعود أبدية بأنه سيحرق العالم بأسره، وسيقتلع قلب كل من يجرؤ على التفكير في إيذائهم، مؤكداً لها أن دماءه الملوثة قد تطهرت تماماً بحبها.

بعد ساعات من هذا الانصهار الروحي والجسدي العنيف، غفا البطل أخيراً. كان الإرهاق وفقدان الدم قد نالا منه، فاستسلم لنوم عميق، ووجهه مدفون في تجويف عنقها، وذراعه الثقيلة تحيط بخصرها كطوق حماية لا يلين. ظلت قمر مستيقظة، تتأمل ملامحه المسترخية التي فقدت قسوتها، وتشعر بنبضات قلبه الهادئة ضد صدرها. ورغم السكينة المؤقتة التي غمرتها، إلا أن القلق عاد ليطرق أبواب عقلها. كانت تعلم أن المعركة لم تنتهِ، وأن "الظل الأسود" لن يصمت بعد ما حدث الليلة.

شعرت بعطش شديد، فحاولت التملص من بين ذراعيه بحذر شديد كي لا توقظه. نجحت في الانسلال من الفراش، وارتدت روباً حريرياً خفيفاً، متوجهة نحو الطاولة حيث ترك سترته الممزقة وساعته وهاتفه المشفر الذي كان يومض بضوء أخضر متقطع، مشيراً إلى استلام رسالة بالغة السرية على شبكته الخاصة. لم تكن من عادتها التلصص على خصوصياته، بل كانت تحترم عالمه السري المعقد، لكن دافعاً غامضاً، غريزة أمومة شرسة، وصوتاً خفياً في أعماقها دفعها لمد يدها نحو الهاتف.

بفضل معرفتها المسبقة برمز الدخول السري الذي أطلعها عليه للطوارئ، فتحت الشاشة. كانت هناك رسالة واحدة فقط، مشفرة، ولكنها حُلت تلقائياً ليظهر محتواها بوضوح. تجمدت قمر في مكانها، واتسعت عيناها برعب يفوق كل ما عاشته في الساعات الماضية، وشعرت وكأن صاعقة من السماء قد ضربت رأسها لتشله تماماً. لم تكن الرسالة من أحد أعدائه المعتادين، ولم تكن تهديداً جديداً من قتلة مأجورين. كانت الرسالة تحمل ختماً إلكترونياً لزهرة أوركيد سوداء، الشعار الشخصي والمميز الذي كان والدها، نعم، والدها، يضعه دائماً على رسائله الخاصة قبل وفاته المزعومة.

قرأت الكلمات المكتوبة أمامها، وكل حرف كان يمثل طعنة خنجر مسموم في قلبها:

"إلى الخائن الذي سرق عرشي وابنتي... عرضي الأخير لا يزال قائماً. سلمني ابنتي، والتوأم اللذين يحملان دمائك الفاسدة، وسأسمح لك بالرحيل حياً. السيرك الذي أقمته الليلة لم يكن سوى البداية. إن كنت تظن أنك قتلتني واستوليت على 'الظل الأسود' في الماضي، فقد أخطأت. أنا هو الظل الذي لا يموت. أعد لي قمر... وإلا سأمزقها من بين ذراعيك وأحرق التوأم أمام عينيك. التوقيع: الزعيم الأكبر... والدها".

سقط الهاتف من يد قمر المرتجفة ليصطدم بالأرضية الرخامية بصوت مكتوم، بينما تراجعت هي للخلف، تضع يديها على فمها لتكتم صرخة جنون مدوية كادت أن تمزق حنجرتها. والدها.. الرجل الذي بكت عليه دماً، الرجل الذي اتهمت زوجها بقتله، لا يزال حياً! ليس هذا فحسب، بل هو الزعيم الحقيقي لـ "الظل الأسود"، وهو من يطاردها، وهو من يريد قتل طفليها لأنهما يحملان دماء الرجل الذي خانه!

نظرت نحو الفراش حيث ينام ظلها بسلام، غافلاً عن العاصفة المدمرة التي ضربت عالمهما للتو. لقد كذب عليها؟ أم أنه هو نفسه كان ضحية لخديعة والدها الكبرى ولم يعلم بأنه لا يزال حياً؟ الصراع النفسي الذي اعتقدت أنها حسمته منذ قليل عاد لينفجر بداخلها بضراوة أشد آلاف المرات. الأب الذي ظنته ضحية بريئة تحول إلى وحش يريد قتل أحفاده، والقاتل الذي ظنته شيطاناً أصبح هو الوحيد الذي يضحي بحياته لحمايتها من أبيها. كيف ستخبره؟ كيف ستواجه عالماً اكتشفت للتو أن كل ما فيه، من البداية وحتى هذه اللحظة، كان كذبة دموية محكمة الصنع؟ وقفت في منتصف الجناح البارد، تنظر إلى الظلام الذي يزحف نحوها من كل زاوية، مدركة تماماً أن حربها الحقيقية.. قد بدأت للتو.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثمانون

    في هذه الأثناء، وفي أعمق نقطة من الحصن البركاني المظلم، اخترق البطل الجدار الفولاذي الأخير للمقر الرئيسي باستخدام عبوات البلازما الحارقة. انفجر الباب المصفح متناثراً إلى شظايا متوهجة، وانثقبت ألسنة الدخان الأبيض المعقم لتفسح المجال أمام جسده الشامخ للعبور إلى داخل قاعة القيادة العليا.كانت القاعة صرحاً هندسياً فخماً ومرعباً في آن واحد؛ جدرانها من الصلب الأسود المصفح، تحيط بها أجهزة كمبيوتر عملاقة تعكس خرائط العالم الجيوسياسية، وفي منتصفها ترتفع منصة استراتيجية دائرية تطل على حوض مائي عميق يضم غواصة استراتيجية مسلحة.لكن المفاجأة الكبرى التي جمدت الدم في عروق البطل الزمرديتين لم تكن وجود الأم أو التوأم التوأم... بل كانت الشخصية القابعة على الكرسي الجلدي الفاخر في صدر المنصة!نهض الرجل من كرسيه ببطء وثبات أسطوري، ليتجلى شخصاً في الخمسينيات من عمره، ذو بنية جسدية رياضية صارمة، وشعر فضي ممشط بعناية، يرتدي بدلة تكتيكية مدنية تحمل شارات وسيادية عالية المستوى. لم يكن هذا الرجل سوى "الجنرال فالكون"... القائد السابق لأعظم جهاز استخبارات دولي، والرجل الذي كان يُعتقد أنه تقاعد ومات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثمانون

    امحت الرؤية من على شاشات السيطرة الكبرى في غرفة عمليات القصر بالقاهرة، واستحالت الصور الحية إلى شبكة متلاطمة من الخطوط الثلجية والموجات السوداء القاتمة، بعد أن بترت أمواج التشويش الكهرومغناطيسي العاتية كل خيوط الاتصال الفضائي والأثيري التي كانت تربط العاصمة بتلك البقعة النائية في عرض البحر الأحمر. انقطع الصوت الأبح القادم من المروحيات الشبحية في منتصف كلمة حاسمة كان ينطق بها البطل، ليعود الصمت الرهيب يغلف الجناح السفلي المعزول تحت الأرض، صمتٌ أشبه ببرودة المقابر الحجرية، لا يقطعه سوى النبضات الالكترونية المنتظمة لأجهزة تنقية الهواء والهمس الخفيض لمولدات الطاقة الاحتياطية.وقفت قمر في منتصف غرفة العمليات كتمثال من العاج المنحوت، تتأمل الشاشات المظلمة بعينين اتسعتا برعب خرافي، بينما انسحبت دماء الحياة من وجنتيها العاجيتين لتدع الشحوب الموتوي يستولي على ملامحها الآسرة. في تلك اللحظة القاتلة من العزلة والانقطاع المطبق، شعرت وكأن خنجراً مسنوناً يُغرس في قلبها ويُدار ببطء وحرقة؛ إذ كانت تعلم أن زوجها، ملك الظلال والرجل الذي اختصر العالم في وجوده، قد اندفع نحو جوف الحصن البركاني في عرض

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثمانون

    "إن كانت هذه المعركة هي الأخيرة..." همست قمر بين القبلات المتتالية التي يوزعها على جفنيها وخدها وعنقها، "فأعدني يا 'ظلي' أن تعود إليّ حياً... أعدني أن تطأ أعداءنا بقدميك وتعود لتضع طفلتنا بين ذراعي ونحن في أمان مطلق!"."أعدكِ بروحي، وعرشي، وبحبي الذي لا ينتهي يا قمر،" قال البطل ونبرته تتصلب بقوة فولاذية، طابعاً قبلة أخيرة مشتعلة على جبهتها. "سأعود إليكِ مطهراً الأرض من كل شيطان حاول المساس بكِ، وسنبني فوق ركام أعدائنا الملاذ الأبدي الذي ستحيا فيه طفلتنا بكرامة وسيادة!".انكسرت جدران الشك والصراع النفسي داخل روح قمر أمام هذا القسم الصادق، واستحالت مشاعر الخوف لديها إلى خطة عمل حاسمة وواضحة. انتقلا معاً مجدداً إلى منصة التوجيه الكبرى، لتشريع تفاصيل خطة الهجوم المزدوجة المعقدة التي ستنفذ ضد الحصن البركاني في جزر البحر الأحمر.اعتمدت الخطة الاستراتيجية على تقسيم الأدوار بصورة تكتيكية عالية الدقة بين العقل الرقمي والقدرة القتالية الميدانية؛ إذ تتولى قمر إدارة مركز القيادة والاتصالات السريّة من داخل غرفة عمليات القصر الحصينة بالقاهرة، لتكون العقل المدبر والعين الحارسة التي تخت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثمانون

    في أجزاء من الثانية شحنت بضغط عصبي هائل وتوتر يقطع الأنفاس، لم يمنح ملك الظلال ذلك الدخيل الخائن فرصة لتفجير عبوة الغاز غير المرئي؛ إذ اندفع كالبرق المظلم نحو الكائن المتسلل، مستلاً من حزامه التكتيكي حربة شلل عصبية مصغرة، وهوى بها في نقطة حيوية عند أسفل عنق المهاجم ليخر صريعاً دون أن يتيح له إطلاق حافز السم. وبلمح البصر، احتضن البطل طفلته الرضيعة بيده اليسرى بحرص أسطوري ورقة تامة، بينما سحب بيده الأخرى قمر المجهدة إلى أحضانه، وأصدر إشارة طوارئ حاسمة أغلقت الجناح الملكي بصفائح الفولاذ المصفح، لينقل الجميع عبر مصعد هيدروليكي مخفي إلى أعماق غرفة العمليات المركزية الحصينة القابعة أسفل أرضية القصر الرئيسي بالقاهرة، المكان الذي أقيم ليكون مركز السيطرة والتوجيه الأكبر لجميع تحركات إمبراطوريته.ساد السكون المعقم أرجاء غرفة العمليات المركزية، حيث كانت الجدران مغطاة بشاشات التتبع الرقمية العملاقة، وتنعكس عليها الأضواء الزرقاء والبيضاء الصادرة من الخرائط الكهرومغناطيسية وثلاثية الأبعاد. استقرت الطفلة الصغيرة في مهدها المعقم المجهز بأحدث أجهزة دعم الحياة داخل الجناح الطبي الملحق بالغرفة، بي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والثمانون

    تجمد النبض في عروق البطل وهو يتأمل الهولوغرام المتوهج في عتمة الليل، بينما كانت يد البطلة قمر ترتاح على الوسادة إلى جواره، تنام في سكينة شاحبة تطفح بالبراءة والألم. خاض سبعة أيام كاملة من السير على جمر الترقب واليقظة المطلقة؛ احتفظ بكل تفاصيل التحذير الجيني الجائر في أعماق عواطفه المكتومة، حريصاً على أن يغلف القصر برداء من الفخامة والدفء ليرد إليها روحهما التي انتُزعت في غرف العمليات، متكتماً على الشكوك القاتلة حتى يتيح لجسدها المجهد أن يتعافى من آثار الجراحة القيصرية. وفي اليوم السابع للولادة، وتجسيداً للموروث العائلي الدافئ وسط أسوار الحصن الفولاذي، استحال الجناح الملكي والقاعات السفلية للقصر الرئيسي بالقاهرة إلى مسرح أسطوري لاحتفال عائلي مصغر ومغلق بمناسبة "السبوع"؛ احتفال لم يحضره سوى الصفوة المطلقة من الحراس المخلصين، والقلة القليلة من الأطباء والخدم الذين رضعوا الوفاء لعشيرته منذ العقود الأولى.كانت القاعة الكبرى تزدين بأطواق من الزهور البيضاء النادرة، ويتصاعد في أرجائها عبير البخور الجاوي والعنبر الممزوج برائحة الياسمين البلدي، بينما عكست الثريات الكريستالية الضخمة خيوطاً

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والثمانون

    سحبها بلمح البصر إلى أحضانه بقوة وجنون، ضاماً جسدها المرتجف إلى صدره الفولاذي حتى كاد يدمج عظامها بضلوعه، ودفن وجهه في منحنى عنقها، يستنشق عبير ياسمينها الدافئ ويتنفس حرارة بشرتها بنشوة وشغف يفيضان بالحرقة والحنان المفرط.أخذ يوزع قبلاته المشتعلة على عنقها، وفكها، ووجنتيها المبتلتين بالدموع، ممرراً يديه الضخمتين على طول ظهرها بحنان تملك عاشقا يسعى لاستعادة أنفاسه من بين يدي الموت. "أنا أخشى عليكِ من الهواء الذي تتنفسينه يا قمر!" همس بصوت يتذبذب بالشجن والدفء العميق، وهو يرفع وجهها بيده الكبيرة، واضعاً إبهامه تحت ذقنها ليلتقي بعينيها المشتعلتين بالحب والتحدي. "أنتِ ونور عينيا الصغير كل ما أملك في هذا العالم المظلم. القتلة والأم والمنظمة ليسوا سوى حشرات أطؤها بقدمي، لكنني لو خسرتُ قطرة دم واحدة منكِ، سأفقد عقلي وأحرق العالم بما فيه!".تشابكت عيناهما في لحظة رومانسية داكنة الشغف؛ اقترب شفتيه من شفتيها الرقيقتين المرتجفتين، وضغط عليهما بقبلة حارة، عميقة، ومترعة بالحب والتملك والانصهار الروحي المطلق. كانت قبلة طويلة يتبادلان فيها الأنفاس، الدموع، والشوق الجارف بعد كل أهوال الولاد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status