Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الثاني والستون

Share

الفصل الثاني والستون

last update publish date: 2026-09-10 05:34:31

تجمدت الدماء في عروق قمر وتوقفت أنفاسها في حنجرتها وكأن جبال الأرض جميعها قد أطبقت على صدرها في تلك اللحظة الكابوسية. كانت برودة الشفرة المعدنية التي تلامس أوتار عنقها النحيل في ذلك الممر المظلم الخانق، تتناقض بشكل مرعب مع حرارة أنفاس الدخيل المجهول التي كانت تلفح بشرتها من الخلف. أغمضت عينيها بانتظار النهاية، بانتظار أن يمزق هذا النصل البارد شريان حياتها لتغرق في بحر من الدماء وتلحق بوالدها الذي اكتشفت للتو أن حبيبها وزوجها هو من دبر مقتله. لكن في عالم تحكمه شياطين المافيا، الموت لا يأتي دائماً بالسرعة التي نتمناها. قبل أن يتحرك النصل مليمتراً واحداً ليشق طريق الهلاك، شق سكون الممر المظلم صوت تمزق مرعب، صوت لحم يُنتزع وعظام تُسحق بقسوة بدائية. تلاشت الشفرة من على عنقها فجأة، وتطايرت قطرات دافئة لزجة لتلطخ وجهها، مصحوبة بصرخة مكتومة لم تكتمل للرجل الذي كان يقف خلفها. في وسط العتمة الحالكة، لمعت عينان زمرديتان تشتعلان بنيران الجحيم، وانقضت ذراعان فولاذيتان مألوفتان لتنتشلاها من على الأرض بقوة هائلة، جاذبة إياها إلى صدر عريض يرتفع ويهبط بأنفاس لاهثة ووحشية. لم ينطق البطل بحرف واحد، بل حملها كطفلة صغيرة، متجاهلاً جرح كتفه النازف، وعاد بها أدراجها عبر الممر السري حتى ألقى بها برفق داخل الجناح المؤمن أسفل الأرض. نظر إليها بنظرة أخيرة، نظرة تحمل مزيجاً من الرعب عليها والغضب الأعمى، قبل أن يستدير عائداً إلى جحيم المعركة ليقضي على ما تبقى من جرذان "الظل الأسود"، وتاركاً إياها وحيدة مع أفكارها التي تكاد تفجر جمجمتها.

مرت الساعات ثقيلة، بطيئة، وكأنها دهر من العذاب النفسي البطيء. جلست قمر على حافة الفراش الوثير في منتصف الجناح المؤمن، جسدها المرتجف يحتضن بطنها المنتفخ، وعيناها مثبتتان على الباب الفولاذي الضخم. كانت شظايا الحقيقة التي سمعتها من القناص في القبو تمزق روحها إلى أشلاء. الرجل الذي تعشقه حد الجنون، والد طفليها، وحصنها المنيع، هو ذاته "الظل"، مؤسس فرقة الموت، وزعيم المنظمة التي أعدمت والدها. الصراع النفسي بداخلها كان حرباً ضروساً لا منتصر فيها؛ فكيف لقلبها أن يستمر في الخفقان بحب رجل تقطر يداه من دماء عائلتها؟ وكيف لعقلها أن يتقبل حقيقة أن هذا الوحش الكاسر هو ذاته العاشق الذي ألقى بجسده أمام الرصاصة ليفديها ويفدي طفليهما منذ ساعات قليلة؟ كانت كل ذرة في كيانها تصرخ مطالبة بالثرحيل، بالانتقام، بكراهيته.. لكن حبها له كان كاللعنة الأبدية، جذوره متأصلة في أعماق روحها بحيث إن حاولت اقتلاعه، ستموت هي أيضاً.

فجأة، أصدر الباب الفولاذي صوتاً آلياً معلناً فتح الأقفال البيومترية. انشق الباب ببطء، ليدخل هو. لم يكن ذلك الطاغية الجبار الذي يثير الرعب في قلوب أعدائه، بل كان يبدو كإله حرب عاد للتو من معركة خسر فيها روحه. كان جسده الضخم يقطر تعباً وإرهاقاً، وقميصه الأبيض قد تحول بالكامل إلى خرقة ممزقة ومصبوغة بلون الدماء القاني؛ دماء أعدائه، ودمائه هو التي استمرت بالنزف من كتفه. كان شعره الفاحم ملتصقاً بجبينه بفعل العرق، وعيناه الزمرديتان، اللتان لطالما شعتا بالغرور والقوة، كانتا الآن محملتين بانكسار غريب، وترقب خائف. وقف عند الباب، يسند ظهره العريض على الجدار البارد، ينظر إليها بصمت وكأنه ينتظر حكم الإعدام. كان يعلم أنها تعرف؛ لقد رأى باب الممر السري مفتوحاً في جناحها، وأدرك أنها استمعت إلى كل كلمة قالها القناص في القبو. كان ينتظر صراخها، اتهاماتها، وربما محاولتها طعنه بما تطاله يداها. كان مستعداً لتلقي كراهيتها بصدر رحب، فهذا هو العقاب الذي استحقه منذ أن قرر أن يسرق ملاكاً ليعيش معه في الجحيم.

لكن ما حدث في تلك اللحظة، زلزل كيانه بطريقة لم يكن ليتخيلها يوماً. لم تصرخ قمر. لم تبكِ بهستيريا. ولم تنطق بكلمات الكراهية. نهضت من مكانها بخطوات بطيئة، هادئة بشكل مخيف، وتوجهت نحو الحمام الملحق بالجناح. عادَت بعد دقائق قليلة تحمل وعاءً زجاجياً مليئاً بالماء الدافئ، ومنشفة قطنية ناصعة البياض، وعلبة للإسعافات الأولية. توقفت أمامه مباشرة، ونظرت في عينيه المحتدمتين بعاطفة جارفة وشك مميت. لم تتحدث، بل وضعت الوعاء على طاولة قريبة، وأمسكت بيديه الكبيرتين الملطختين بالدماء الجافة. كانت يداه ترتجفان بشكل غير محسوس عندما لامست أصابعها الرقيقة بشرته الخشنة. بللت المنشفة بالماء الدافئ، وبدأت تمسح الدماء عن أصابعه، وعن باطن كفيه، بحنان أذاب كل حصونه، ورعاية دافئة كادت أن تفجر قلبه من فرط الألم والعشق. كان صمتها أبلغ من ألف صرخة، ولمساتها الرقيقة على جروحه كانت بمثابة خناجر من الندم تغوص في صميم روحه.

"قمر..." همس بصوته الأجش، المبحوح، والذي كان يتقطع من فرط المشاعر التي تعصف به، محاولاً سحب يده من بين يديها لأنه شعر بأنه لا يستحق هذا النقاء. "لا تفعلي هذا. اصرخي في وجهي.. اضربيني.. العنيني. أنتِ تعرفين الآن من أكون، تعرفين أنني الوحش الذي دمر حياتكِ الأولى، وأنني الطاعون الذي جلب الموت إلى عتبة بابكِ اليوم. لا تلمسيني بهذه الرقة، فأنا لا أستحق سوى احتقارك".

رفعت عينيها السوداوين، اللتين كانتا تلمعان ببريق من الدموع المحتبسة، لتلتقي بنظراته المكسورة. مررت يدها الناعمة على وجنته الشاحبة، ومسحت قطرة دماء جافة عن فكه القاسي. "أعلم من أنت يا ظلي،" قالتها بصوت خفيض، هادئ، ولكنه يحمل قوة زلزلت أركانه. "أعلم أنك كنت الشيطان الذي يقود 'الظل الأسود'، وأعلم أن يديك هاتين قد سفكتا دماءً لا تُحصى، من بينها دماء والدي. عقلي يصرخ بي لأهرب منك، لألعن اليوم الذي التقت فيه عيناي بعينيك... ولكن قلبي..." صمتت للحظة، وانحدرت دمعة يتيمة على وجنتها، "قلبي يرى رجلاً ألقى بنفسه أمام الموت ليحميني، رجلاً ينزف أمامي الآن لأنه كان يقاتل العالم بأسره ليحافظ على أنفاسي وأنفاس طفليه. الصراع يمزقني يا ظلي، ولكنني أدركت شيئاً واحداً في تلك العتمة الخانقة؛ أنا لا أستطيع العيش في النور بدونك، أفضل الاحتراق في جحيمك على أن أتنفس في جنة لست فيها".

كلماتها كانت كالتعويذة السحرية التي حطمت آخر قيد من قيود كبريائه. انهار هذا الجبل الشامخ أمامها، ليسقط على ركبتيه فوق الأرضية الرخامية، دافناً وجهه في تجويف بطنها المنتفخ، ومحيطاً خصرها بذراعيه القويتين وكأنه غريق يتشبث بطوق النجاة الأخير. ولأول مرة في حياته الملعونة، بكى الطاغية. لم تكن دموعاً عادية، بل كانت شهقات مكتومة، عميقة، تخرج من قاع روح ممزقة أثقلتها الخطايا والذنوب. مررت قمر أصابعها في شعره الكثيف، تحتضن رأسه بحنان أمومي خالص، وتسمح لدموعها بالانهمار لتختلط بدموعه.

"لقد كنت أعيش في قبر من الجليد والدماء يا قمر.." بدأ يتحدث بصوت مهتز، مكتوم، وهو لا يزال يدفن وجهه في ثيابها، يسكب اعترافاته الكاملة وكأنه يطهر روحه أمام محراب عشقها. "منذ طفولتي، لم أعرف سوى القسوة. المنظمة لم تكن مجرد عصابة، كانت عقيدة، ديناً أسود تربيت عليه. علموني أن المشاعر ضعف، وأن الرحمة خيانة. أصبحت القائد لأنني كنت الأكثر دموية، الأكثر فراغاً من أي إنسانية. كنت آلة قتل صماء تقود 'الظل الأسود' نحو السيطرة المطلقة. وعندما صدر الأمر بتصفية والدكِ... لم يكن بالنسبة لي سوى اسم في قائمة طويلة. لم أكن أعلم أنه يمتلك ملاكاً مثلكِ. لم أقتله بيدي، ولكنني أنا من أعطى إشارة البدء، وأنا أتحمل وزر دمه أمام الله وأمامكِ".

رفع رأسه ببطء لينظر في عينيها، وكانت ملامحه تعكس ألماً يوازي عذاب الجحيم. "لكن كل شيء تغير في اليوم الذي رأيتكِ فيه تقفين أمام قبره، متشحة بالسواد، تبكين بانكسار حطم شيئاً ما داخل صدري المتحجر. راقبتكِ من بعيد، ووجدت نفسي أنجذب إليكِ كفراشة تسعى نحو نار ستحرقها. في البداية، أقنعت نفسي بأنني أراقبكِ لأتأكد من عدم وجود تهديد، لكن الحقيقة كانت أن روحي المظلمة كانت تتعطش لنوركِ. عندما اقتربت منكِ، وتسللت إلى حياتكِ بهويتي الجديدة، كنت أنوي فقط أن أكون ظلاً يحميكِ من بعيد لتعويضكِ عما سلبته منكِ. ولكن عشقكِ اجتاحني كطوفان لم يترك لي خياراً. لأجلكِ يا قمر، انقلبت على منظمتي، حطمت إمبراطوريتي بيدي، وأعلنت الحرب على 'الظل الأسود' لأغسل يدي من الدماء وأكون جديراً بكِ. اعتقدت أنني استطعت دفن الماضي، وأنني خلقت لنا عالماً جديداً آمناً، ولكنهم عادوا.. عادوا ليضربوني في أثمن ما أملك".

استمعت قمر لاعترافاته وروحها تتأرجح بين الألم العميق والنشوة الغامرة. كانت كلماته تنبض بصدق مرعب، بشغف يتجاوز حدود العقل والمنطق. لقد دمر عالمه الأسود بأكمله من أجلها، وتحول من زعيم للموت إلى حارس لحياتها. انحنت نحوه، وأمسكت بوجهه بين يديها، مجبرة إياه على النهوض ليقف أمامها. نظرت إلى الجرح الغائر في كتفه، وإلى الندوب القديمة التي تزين صدره، فرأت فيها خريطة لعذاباته الطويلة. اقتربت منه ببطء، وفي مشهد راقٍ وحميمي يمتزج فيه الندم بالشغف والتلاحم الروحي، طبعت قبلة رقيقة، دافئة، على جرحه النازف، وكأنها تمتص ألمه وتمنحه غفرانها الأبدي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثامن والثمانون

    في هذه الأثناء، وفي أعمق نقطة من الحصن البركاني المظلم، اخترق البطل الجدار الفولاذي الأخير للمقر الرئيسي باستخدام عبوات البلازما الحارقة. انفجر الباب المصفح متناثراً إلى شظايا متوهجة، وانثقبت ألسنة الدخان الأبيض المعقم لتفسح المجال أمام جسده الشامخ للعبور إلى داخل قاعة القيادة العليا.كانت القاعة صرحاً هندسياً فخماً ومرعباً في آن واحد؛ جدرانها من الصلب الأسود المصفح، تحيط بها أجهزة كمبيوتر عملاقة تعكس خرائط العالم الجيوسياسية، وفي منتصفها ترتفع منصة استراتيجية دائرية تطل على حوض مائي عميق يضم غواصة استراتيجية مسلحة.لكن المفاجأة الكبرى التي جمدت الدم في عروق البطل الزمرديتين لم تكن وجود الأم أو التوأم التوأم... بل كانت الشخصية القابعة على الكرسي الجلدي الفاخر في صدر المنصة!نهض الرجل من كرسيه ببطء وثبات أسطوري، ليتجلى شخصاً في الخمسينيات من عمره، ذو بنية جسدية رياضية صارمة، وشعر فضي ممشط بعناية، يرتدي بدلة تكتيكية مدنية تحمل شارات وسيادية عالية المستوى. لم يكن هذا الرجل سوى "الجنرال فالكون"... القائد السابق لأعظم جهاز استخبارات دولي، والرجل الذي كان يُعتقد أنه تقاعد ومات

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السابع والثمانون

    امحت الرؤية من على شاشات السيطرة الكبرى في غرفة عمليات القصر بالقاهرة، واستحالت الصور الحية إلى شبكة متلاطمة من الخطوط الثلجية والموجات السوداء القاتمة، بعد أن بترت أمواج التشويش الكهرومغناطيسي العاتية كل خيوط الاتصال الفضائي والأثيري التي كانت تربط العاصمة بتلك البقعة النائية في عرض البحر الأحمر. انقطع الصوت الأبح القادم من المروحيات الشبحية في منتصف كلمة حاسمة كان ينطق بها البطل، ليعود الصمت الرهيب يغلف الجناح السفلي المعزول تحت الأرض، صمتٌ أشبه ببرودة المقابر الحجرية، لا يقطعه سوى النبضات الالكترونية المنتظمة لأجهزة تنقية الهواء والهمس الخفيض لمولدات الطاقة الاحتياطية.وقفت قمر في منتصف غرفة العمليات كتمثال من العاج المنحوت، تتأمل الشاشات المظلمة بعينين اتسعتا برعب خرافي، بينما انسحبت دماء الحياة من وجنتيها العاجيتين لتدع الشحوب الموتوي يستولي على ملامحها الآسرة. في تلك اللحظة القاتلة من العزلة والانقطاع المطبق، شعرت وكأن خنجراً مسنوناً يُغرس في قلبها ويُدار ببطء وحرقة؛ إذ كانت تعلم أن زوجها، ملك الظلال والرجل الذي اختصر العالم في وجوده، قد اندفع نحو جوف الحصن البركاني في عرض

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس والثمانون

    "إن كانت هذه المعركة هي الأخيرة..." همست قمر بين القبلات المتتالية التي يوزعها على جفنيها وخدها وعنقها، "فأعدني يا 'ظلي' أن تعود إليّ حياً... أعدني أن تطأ أعداءنا بقدميك وتعود لتضع طفلتنا بين ذراعي ونحن في أمان مطلق!"."أعدكِ بروحي، وعرشي، وبحبي الذي لا ينتهي يا قمر،" قال البطل ونبرته تتصلب بقوة فولاذية، طابعاً قبلة أخيرة مشتعلة على جبهتها. "سأعود إليكِ مطهراً الأرض من كل شيطان حاول المساس بكِ، وسنبني فوق ركام أعدائنا الملاذ الأبدي الذي ستحيا فيه طفلتنا بكرامة وسيادة!".انكسرت جدران الشك والصراع النفسي داخل روح قمر أمام هذا القسم الصادق، واستحالت مشاعر الخوف لديها إلى خطة عمل حاسمة وواضحة. انتقلا معاً مجدداً إلى منصة التوجيه الكبرى، لتشريع تفاصيل خطة الهجوم المزدوجة المعقدة التي ستنفذ ضد الحصن البركاني في جزر البحر الأحمر.اعتمدت الخطة الاستراتيجية على تقسيم الأدوار بصورة تكتيكية عالية الدقة بين العقل الرقمي والقدرة القتالية الميدانية؛ إذ تتولى قمر إدارة مركز القيادة والاتصالات السريّة من داخل غرفة عمليات القصر الحصينة بالقاهرة، لتكون العقل المدبر والعين الحارسة التي تخت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس والثمانون

    في أجزاء من الثانية شحنت بضغط عصبي هائل وتوتر يقطع الأنفاس، لم يمنح ملك الظلال ذلك الدخيل الخائن فرصة لتفجير عبوة الغاز غير المرئي؛ إذ اندفع كالبرق المظلم نحو الكائن المتسلل، مستلاً من حزامه التكتيكي حربة شلل عصبية مصغرة، وهوى بها في نقطة حيوية عند أسفل عنق المهاجم ليخر صريعاً دون أن يتيح له إطلاق حافز السم. وبلمح البصر، احتضن البطل طفلته الرضيعة بيده اليسرى بحرص أسطوري ورقة تامة، بينما سحب بيده الأخرى قمر المجهدة إلى أحضانه، وأصدر إشارة طوارئ حاسمة أغلقت الجناح الملكي بصفائح الفولاذ المصفح، لينقل الجميع عبر مصعد هيدروليكي مخفي إلى أعماق غرفة العمليات المركزية الحصينة القابعة أسفل أرضية القصر الرئيسي بالقاهرة، المكان الذي أقيم ليكون مركز السيطرة والتوجيه الأكبر لجميع تحركات إمبراطوريته.ساد السكون المعقم أرجاء غرفة العمليات المركزية، حيث كانت الجدران مغطاة بشاشات التتبع الرقمية العملاقة، وتنعكس عليها الأضواء الزرقاء والبيضاء الصادرة من الخرائط الكهرومغناطيسية وثلاثية الأبعاد. استقرت الطفلة الصغيرة في مهدها المعقم المجهز بأحدث أجهزة دعم الحياة داخل الجناح الطبي الملحق بالغرفة، بي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والثمانون

    تجمد النبض في عروق البطل وهو يتأمل الهولوغرام المتوهج في عتمة الليل، بينما كانت يد البطلة قمر ترتاح على الوسادة إلى جواره، تنام في سكينة شاحبة تطفح بالبراءة والألم. خاض سبعة أيام كاملة من السير على جمر الترقب واليقظة المطلقة؛ احتفظ بكل تفاصيل التحذير الجيني الجائر في أعماق عواطفه المكتومة، حريصاً على أن يغلف القصر برداء من الفخامة والدفء ليرد إليها روحهما التي انتُزعت في غرف العمليات، متكتماً على الشكوك القاتلة حتى يتيح لجسدها المجهد أن يتعافى من آثار الجراحة القيصرية. وفي اليوم السابع للولادة، وتجسيداً للموروث العائلي الدافئ وسط أسوار الحصن الفولاذي، استحال الجناح الملكي والقاعات السفلية للقصر الرئيسي بالقاهرة إلى مسرح أسطوري لاحتفال عائلي مصغر ومغلق بمناسبة "السبوع"؛ احتفال لم يحضره سوى الصفوة المطلقة من الحراس المخلصين، والقلة القليلة من الأطباء والخدم الذين رضعوا الوفاء لعشيرته منذ العقود الأولى.كانت القاعة الكبرى تزدين بأطواق من الزهور البيضاء النادرة، ويتصاعد في أرجائها عبير البخور الجاوي والعنبر الممزوج برائحة الياسمين البلدي، بينما عكست الثريات الكريستالية الضخمة خيوطاً

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والثمانون

    سحبها بلمح البصر إلى أحضانه بقوة وجنون، ضاماً جسدها المرتجف إلى صدره الفولاذي حتى كاد يدمج عظامها بضلوعه، ودفن وجهه في منحنى عنقها، يستنشق عبير ياسمينها الدافئ ويتنفس حرارة بشرتها بنشوة وشغف يفيضان بالحرقة والحنان المفرط.أخذ يوزع قبلاته المشتعلة على عنقها، وفكها، ووجنتيها المبتلتين بالدموع، ممرراً يديه الضخمتين على طول ظهرها بحنان تملك عاشقا يسعى لاستعادة أنفاسه من بين يدي الموت. "أنا أخشى عليكِ من الهواء الذي تتنفسينه يا قمر!" همس بصوت يتذبذب بالشجن والدفء العميق، وهو يرفع وجهها بيده الكبيرة، واضعاً إبهامه تحت ذقنها ليلتقي بعينيها المشتعلتين بالحب والتحدي. "أنتِ ونور عينيا الصغير كل ما أملك في هذا العالم المظلم. القتلة والأم والمنظمة ليسوا سوى حشرات أطؤها بقدمي، لكنني لو خسرتُ قطرة دم واحدة منكِ، سأفقد عقلي وأحرق العالم بما فيه!".تشابكت عيناهما في لحظة رومانسية داكنة الشغف؛ اقترب شفتيه من شفتيها الرقيقتين المرتجفتين، وضغط عليهما بقبلة حارة، عميقة، ومترعة بالحب والتملك والانصهار الروحي المطلق. كانت قبلة طويلة يتبادلان فيها الأنفاس، الدموع، والشوق الجارف بعد كل أهوال الولاد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status