登入كانت شهد الحسيني مثل معظم النساء اللواتي لا يستفقن إلا بعد فوات الأوان، حين يصطدمن بواقعٍ قاسٍ؛ إذ حاولت بكل السبل أن تجعل رجلًا مثل زياد الشافعي يقع في حبها. لكن بعد ثلاث سنوات من الزواج أصبحا كالغرباء. في الوقت الذي لحق بها أذى شديد وباتت حياتها معلقة بخيط رفيع، كان زياد الشافعي إلى جانب حبيبته القديمة. تجرعت شهد الحسيني الألم وقررت الرحيل، غير أن ذلك الرجل المتعالي ظل يطاردها كالشبح ولم يفارقها. يقترب منها خطوة بعد خطوة، يحطم فرصها العاطفية، ويُوصد في وجهها كل منافذ الهروب. "أنتِ من أصررتِ على الزواج بي في البداية. هذا الزواج، ما لم أسمح أنا بانتهائه، فلن تخرجي منه طوال حياتك!" رمته شهد بنظرة باردة: "آسفة يا سيد زياد، لقد أخرجتك من حياتي. هذا الزواج، أنا من سيُنهيه. وعندما أطلب الطلاق، فلا بد أن ينتهي."
查看更多كانت شهد قد استعانت بشخص ما للتحري عن الأمر، فتبين لها أن ذلك المنزل قد اشتراه زياد قبل زواجه منها.وبناءً على ذلك، فهو لا يندرج تحت بند الممتلكات المشتركة بين الزوجين، ولا يحق لها قانونًا المطالبة بتقسيمه عند الطلاق.لذا كان عليها أن تستغل الطلاق كورقة ضغط لتساومه على المنزل.خرجت شهد من فناء التوليب، وجلست في السيارة.لا تعرف أين ذهب زياد في رحلة العمل، ولا تعرف مقدار فارق التوقيت بين هناك وهنا.لكنها لا تريد أن تتأخر للحظة واحدة، فكل يوم إضافي تسكن فيه ياسمين ذلك المنزل، هو تعذيب بطيء لها.اتصلت مباشرة بزياد.لكن الهاتف رن عدة مرات، حتى انقطع تلقائيًا، دون أن يرد أحد.اتصلت برقم جمال، ولم يجب أحد أيضًا.كانت الرياح الباردة تعصف خارج السيارة، وجلست شهد في المقصورة المعتمة تضغط على أسنانها وتضحك ببرود.وفجأة رن هاتفها.ظنت شهد أن زياد هو من يعاود الاتصال، لكن شاشة الهاتف أظهرت رقمًا غريبًا غير مسجل.ترددت لثانيتين، ثم أجابت.جاءها من الهاتف أولًا صوت ضحكة باردة، "شهد."تلك الضحكة الباردة جعلت جسدها يرتجف غريزيًا، وداهمها شعور ثقيل بالألم والاختناق.إنه مروان!"يبدو أنكِ عرفتِ صوتي.""
"إذن أسألك، لماذا اخترتِ هنا بالتحديد؟"تقدمت شهد خطوة إلى الأمام؛ وكان على الأرض الإسمنتية تحت قدميها طبعة قدميها الصغيرتين منذ عامها الأول، حين حملها والداها وهي طفلة صغيرة ليتركا أثر قدميها هناك.لقد عادت إلى بيتها القديم.حاولت بكل قوتها حبس دموعها ومنعها من السقوط وهي تقول: "أنتِ تعلمين أن هذا المكان هو بيتي."بالتأكيد يمكن لياسمين أن تسكن هنا، لكن لم يكن ينبغي لزياد أبدًا أن يشتري هذا المنزل ويسمح لها بالعيش فيه!كان هذا الوجع أشد إيلامًا من أن يغرس زياد سكينًا بيده في أعماق قلبها.أخرجت ياسمين من جيبها منديلًا مطويًا بدقة ومدته إلى شهد، "امسحي دموعك، الجو بارد جدًا."لم تتحرك شهد، بل لم تنظر حتى إلى ذلك المنديل."شهد، لا تتعنتي، لم يعد هذا منزلك بعد الآن. فمنذ اللحظة التي باعه فيها والدكِ، كُتب عليه أن يصبح ملكًا لشخص آخر. وإذا كان بإمكان أي غريب أن يسكنه، فلماذا لا أكون أنا؟"كانت هذه الكلمات المألوفة أشبه بسلاح ارتدّ ليصيب قلب شهد.حملت الابتسامة المنحنية على شفتي ياسمين مسحة من السخرية وهي تتابع: "تمامًا مثلما قلتِ لي في الماضي، بأنني عاجزة ومشلولة الساقين ولا يمكنني الزواج م
جلست ياسمين على الكرسي المتحرك، وضبطت الوشاح حول عنقها، "اطهي بعض الحساء صباح غد، سآخذه إلى خالي.""حسنًا، آنسة ياسمين." دفعت الخادمة الكرسي المتحرك نحو المنزل."ياسمين!"فجأة، شق الهواء صوت لاهث، مشحون بالقلق والغضب يأتي من خلفهم.كان الرجل الذي يقود السيارة حارسًا شخصيًا على ما يبدو، فبمجرد أن التقطت أذناه صوت الخطوات، وقف متأهبًا أمام كرسي ياسمين المتحرك.حتى أن ياسمين عندما التفتت في البداية لم ترَ وجه الطرف الآخر بوضوح.لكن هذا الصوت..."تنحّ جانبًا، إنها صديقتي." قالت بنبرة هادئة.تنحى الحارس الشخصي جانبًا، ورأت ياسمين في الحال شهد الواقفة في مهب الريح وعيناها محمرتان.خفضت جفنيها قليلًا.في الماضي، كانت تشعر بالحنان تجاه شهد، وكانت لا تطيق رؤيتها تبكي، ولا تطيق رؤيتها حزينة، ومن يجرؤ على إغضاب شهد لم تكن لتتركه يفلت بفعلته أبدًا.لكن من الذي جعل شهد تحب زياد أيضًا؟كل من يحب زياد، تمقته هي.خصوصًا شهد."شهد، ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟" لم تتفاجأ ياسمين على الإطلاق.أشارت بيدها إلى الخادمة لتدير الكرسي المتحرك في الاتجاه الآخر، لمواجهة شهد.لفّت الرياح الباردة شعر شهد الطويل، وقبضت
أومأت شهد برأسها، ثم غادرت غرفته بالمستشفى.وما إن أُغلِق باب المصعد، حتى ظهرت ياسمين من خلف الزاوية على كرسي متحرك تدفعه خادمة، وحدّقت في الأرقام الحمراء الوامضة للمصعد، وقد بدت عليها علامات التفكير العميق.بعد مغادرة المستشفى، قادت شهد السيارة بلا وجهة.في الحقيقة، لم يكن أمر سفرها إلى الخارج يتطلب بالضرورة مساعدة البروفيسور توفيق.فعائلة الشافعي، وعائلة منير، كلتاهما قادرتان على مساعدتها في هذا الأمر.على أي حال، في مدينة السلام، بل وفي المدن كلها، وفي مجالات متعددة، عائلتا الشافعي ومنير هما صاحبتا الكلمة.لو تدخلت جدة عائلة الشافعي، لانحل الأمر في الحال، لكنها لا تريد أن تعلم الجدة، لأنها لو علمت فستمنعها بالتأكيد.حتى الآن، ما زالت لا تعرف كيف تبدأ الحديث عن طلاقها من زياد.وياسين منير أيضًا لا يصلح، فهو لن يوافق على ذهابها إلى ذلك المكان، بل وقد يقاطعها، فذلك الشخص يهددها بالمقاطعة لأتفه الأسباب.لقد كبرت في السن، ولم تعد تحتمل هذا النوع من الصدمات.ما دامت تخفي الأمر عنهم، فعندما يحين الوقت، لن يستطيعوا منعها.شهران من الوقت.لا تدري كم من الوقت سيستغرق زياد ليرد عليها، ليذهبوا





