Home / الرومانسية / أسرني شيطاني المفضل / الفصل الحادي والتسعون

Share

الفصل الحادي والتسعون

last update publish date: 2026-09-25 06:01:58

جرى سحب مقاتلي الشبح والحراس المدججين بالعتاد الثقيل من الباحات الداخلية، وأُبدلوا بحدائق غناء تفوح منها رائحة الورد البلدي والياسمين، وتتوسطها نوافير رخامية تعزف ألحاناً مائية عذبة طردت صقيع الخوف والترقب إلى الأبد، ليتحول القصر المصفح إلى منزل عائلي دافئ ومحمي بنسبة مائة بالمائة بأحدث المنظومات الأمنية الخفية والناعمة التي لا تخدش سكينة العيش ولا تذكر بمرارة الحروب السابقة.

كانت قمر تقف في البهو الكبير، ترتدي فستاناً أبيض ناعماً من القطن المصري الفاخر، ينسدل برقة على جسدها الشاحب الذي بدأ يسترد نضارته ورديته العاجية، وشعرها الفاحم الطويل يلتف بنعومة حول كتفيها، بينما كانت تتابع بعينين سوداوين تلمعان بالذهول والغبطة الخالصة حركة العمال والمهندسين وهم يقتلعون آخر البوابات الحديدية الثقيلة ويستبدلونها بأبواب خشبية أثرية مطعمة بالصدف والأبانوس. كانت تشعر وكأن جبلاً أشم من الضيق والذعر يزاح عن صدرها مع كل جهاز تسجسس يتفكك ومع كل قطعة سلاح تخرج من بيتها.

اقترب البطل منها بخطوات هادئة، يرتدي قميصاً أبيض غير رسمي مفتوح الأزرار عند العنق، يبدي صلابة جسده وجاذبيته الرجولية الدافئة، وقد امّحت من وجهه كل ملامح القسوة والتجهم التكتيكي لتستقر بدلها هالة من النبل والشغف العميق. وضع يده الضخمة القوية حول خصرها النحيل من الخلف، وسحبها بنعومة لتلتصق ببدنه الدافئ، طابعاً قبلة رقيقة، طويلة، ومترعة بالدفء على منحنى عنقها، مستنشقاً عبير نضارتها بانتشاء عاشق استعاد ملكه.

"أتطابق هذه التغيرات أحلامكِ يا قمري؟" همس البطل بصوت خفيض، أجش، يقطر بالنغم العاطفي الشجي وهو يمرر أصابعه الطويلة فوق ذراعها البيضاء الرقيقة. "لقد انتهى عهد القلاع المصفحة والأسلحة المخبأة... من اليوم، لن تنامي في بيت يحرسكِ فيه الرصاص، بل في منزل يحرسكِ فيه الحب والأمان الخالص!".

التفتت قمر بين يديه، ورفعت عينيها المبتلتين بدموع الفرح الخالص لتلتقيا بعينيه الزمرديتين المضيئتين بالشغف. أرسلت يدها الناعمة لتطوق خده الصارم، ممررة أصابعها فوق لحيته المهذبة بحنان وجنون استثنائي. "أنت أماني وحصني يا ظلي..." همست قمر بنبرة فصحى ينساب منها الرحيق العاطفي. "رؤية هذه الجدران وهي تتجرد من أدوات القتل وتتزين بالنور تجعلني أشعر وكأن روحنا قد وُلدت من جديد معك ومع طفلتنا... لقد أعدتَ إليّ الحياة بكل معانيها!".

لكن ورغم نسائم السلام التي رفرفت على القصر، تفجر بينهما في أواخر الظهيرة مشهد عميق مليء بالمشاعر والصراع النفسي الوجداني الراقي؛ إذ انسحبت قمر نحو الجناح الملكي، وجلست عند حافة السرير الفاخر، تأكلها شجون الذنب والامتنان المفرط. كان صراعها النفسي يتأرجح بين رغبتها الجارحة في أن تكون الزوجة المثالية التي تمنحه الطمأنينة، وبين انكسار كبريائها العفيف لأنها ترى نفسها السبب غير المباشر في كل الدمار والجراح التي نالت من جسده وإمبراطوريته، خائفة من أن يأتي يوم يسترجع فيه أحداث الماضي ويشعر بالندم على الاقتران بامرأة حملت عائلتها كل هذه اللعنات.

دخل البطل الجناح، ورأى وجومها الشفيف ونظراتها الغارقة في بحر التفكير المظلم. اقترب منها بخطوات رزينة، وجثا على ركبتيه أمامها على السجادة المشرقية الفاخرة، واضعاً يديه الكبيرتين فوق ركبتيها الملتفتين بالحرير، متطلعاً إلى عينيها الحائرتين بنظرات تفيض بالقوة والحنان الجبار.

"لماذا تحاربين طيف الخوف في عينيكِ يا قمر؟" قال بصوت يقطر بالصدق والرجولة القاطعة التي تذيب الصخور. "أنا أقرأ أفكاركِ كما أقرأ شفرات حربي... لماذا تصرين على جلد روحكِ العذبة بذنب لم تقترفيه؟".

انهمرت الدموع الساخنة من عيني قمر، وانكفأت بجسدها المجهد تضع جبهتها على كتفه العريض المكسو بالقميص الأبيض، ونحيبها المكتوم ينساب بعاطفة حارقة. "أنا أخاف يا 'ظلي'..." اعترفت بصوت يرتجف بالشجن. "أخاف من أن تنظر إليّ في لحظات الهدوء فترى ندوب جسدك وتتذكر أن عائلتي هي من سفكت دماءك وأزحكت الأمان عن حياتك! أخاف أن أكون العبء الذي كبّلك بالضعف، وأنا التي لم أقدم لك سوى الألم والمطاردة والدموع... كيف يمكن لرجلاً بعظمتك وقوتك أن يستمر في حب امرأة جاءتك بحديث الموت والجحيم؟".

تصلب فك البطل العريض، وسرت في عروقه موجة عارمة من العاطفة التملكية والحرارة الجسدية التي تجاوزت كل الحدود. رفع رأسها ببراعة ولطف شديدين، واضعاً كفيه الضخمين حول وجنتيها الشاحبتين ليجبرها على النظر في أعماق حدقتيه الزمرديتين المشتعلتين بالحب الصادق والتقديس العاشق.

"اصمتي يا قمر... اصمتي ولا تقتلي قلبي بهذه الظنون الفاسدة!" صرخ بصوت خفيض، يحمل قسوة العشق الأعمى والجبروت العاطفي النبيل. "أنتِ لستِ عبئاً ولا لعنة، بل أنتِ الرحمة الإلهية التي نزلَت على حياتي المظلمة لتغسل خطايا الماضي! قبل أن ألتكِ، لم أكن سوى آلة قتال بلا روح، رجل يعيش بين الدم والظلال ولا يعرف للدفء معنى. أنتِ من علمتِني كيف أنبض، وكيف أحب، وكيف أقاتل لأجل بيت وطفلة وامرأة تساوي عندي العالم بأكمله!".

انحنى فوق شفتيها المرتجفتين وضغط عليهما بقبلة حارة، حازمة، ومترعة بالشغف والتملك والانصهار الروحي الذي لا يقبل الشك. كانت قبلة عميقة يمتص فيها دموعها وشحوبها، يمرر أصابعه بين خصلات شعرها الفاحم المنسدل، وساهماً بيده الأخرى عند انحناءات ظهرها ليضمها إلى صدره بقوة الفرسان وحنان العشاق. استشعرت قمر الدفء العارم والصدق المطلق الصادر من نبضات قلبه المتسارعة على بشرتها، فانسابت يداها البيضاوان حول عنقه العريض، متخلية عن كل معاقل الشك والصراع النفسي، ومستسلمة لذوبان روحي تام بين يديه.

أبعد شفتيه عنها ببطء، وجبهته ترتاح على جبهتها المبتلة بالعرق والدموع، وأنفاسهما المتلاحقة تعزف لحن الأمان الأبدي. "أنتِ ملكتي وقدر زوجكِ المخلص..." همس البطل بنبرة فصحى راقية، طابعاً قبلة دافئة على جفنيها المبتلين. "كل قطرة دم نزفتُها كانت مهراً رخيصاً لأحصل على ضحكتكِ هذه، ولن أسمح لكِ بعد اليوم بأن تشكي في مكانتكِ التي ترتفع فوق عرشي وحياتي!".

ومع حلول المساء، وفي أجواء احتفالية خاصة وساحرة تم إعدادها داخل الجناح الملكي المعزول؛ خيمت على المكان هالة من الرومانسية الفاخرة والدفء العارم. كانت الشموع المعطرة برائحة الفانيليا والعنبر تصطف على طول الممر الرخامي، وتنكسر أضواؤها الذهبية الدافئة على الستائر المخملية الحوتية والنوافذ الكريستالية المطرزة. عُزفت ألحان موسيقية خفيفة وساحرة عبر مكبرات الصوت المخفية، بينما تفوح من الزهور البيضاء الموزعة في الأرجاء رائحة الربيع والحرية.

تأنقت قمر لهذه الليلة الاستثنائية؛ ارتدت ثوباً من الحرير الأسود الفاخر ذي طابع ملكي راقٍ، يبرز بياض بشرتها العاجية ونقاء ثنايا جسدها الأنثوي الآسر، وسدلت شعرها الفاحم الطويل كموج من الليل السرمدي يتطاير بنعومة على كتفيها، وضعت لمسات خفيفة من الكحل العربي والدفء الردي على شفتيها اللتين استردتا حمرتهما الشاهية. أما البطل، فكان يرتدي رداءً مخملياً أسود يتناسق مع ثوبها، ويقف بجوار الموقد الذهبي المشتعل، وعيناه الزمرديتان تتألقان بالشغف المشتعل والافتتان المطلق بامرأته الساحرة.

اقترب البطل منها بخطوات مفعمة بالهيبة والحب، وأخذ يدها البيضاء الناعمة ليلثمها بقبلة طويلة، دافئة، ومترعة بالاحترام السامي. ثم سحب من جيبه الفاخر مغلفاً جلدياً أسود مختوماً بالشمع الأحمر والختم السيادي المذهّب لإمبراطوريته، ووضعه بين يديها الرقيقتين.

فتحت قمر المغلف ببطء وذهول، لتجد داخله وثيقة ملكية رسمية وقانونية مسجلة وموثقة بأعلى الدرجات السيادية في الدولة، تنص على نقل ملكية القصر الرئيسي بالقاهرة، بجميع أراضيه، وبساتينه، وأصوله العقارية والاستثمارية بالكامل، إلى اسمها هي "قمر" واسم ابنتها الرضيعة، لتصبح هي المالك المطلق والوحيد لهذا الصرح العظيم، متجردة من أي تبعية أو اشتراط!

اتسعت حدقتا قمر بذهول غارم، ونظرت إليه بنبرة تتلعثم فيها الكلمات بالفصحى الراقية: "ماهذا يا 'ظلي'؟... هذا القصر هو مقر حكمك وإمبراطوريتك التاريخية! كيف تنقل ملكيته بأكملها باسمي واسم ابنتنا؟".

ابتسم البطل ابتسامة دافئة، ساحرة، تفيض بالنبل والعشق التملكي، واحتضن خصرها بيده اليسرى، بينما كانت يده اليمنى تداعب وجنتها الرقيقة. "هذا البيت لم يعد قلعة للقتال يا قمر..." قال بصوت عميق، يقطر بالهيبة والالتزام العاطفي المطلق. "هذا القصر أصبح ملاذكِ ومأمنكِ الأبدي... أردتُ أن تدركي أنكِ لستِ ضيفة في عالمي، بل أنتِ وصغيرتنا المالكتاب الحقيقيتان لكل ما أملك. عرشي، وقصري، وحياتي، وثروتي هي ملك يديكِ الصغيرتين، وأنا مجرد حارس مخلص يقف على عتبة بابكِ ليذود عن أمانكِ وسعادتكِ!".

تأثرت قمر تأثراً عاصفاً هز أركان روحها، وسقطت الوثيقة بنعومة على الطاولة الرخامية، بينما ارتمت هي في أحضانه بعاطفة جارفة، تطوق عنقه الشامخ وتقبل خده وشفاهه بقبلات متتالية مفعمة بالشكر والعشق الأعمى. "أنت ملك قلبي وحياتي بأكملها يا ظلي..." همست قمر ونشيج فرحتها يمتزج بضحكتها الرقيقة. "لا تهمني الملكيات ولا القلاع... ما يهمني هو أن أكون في قلبك إلى الأبد!".

تلى ذلك ليلة دافئة جداً ومفعمة بالحب الصافي والانصهار الروحي والجسدي المطلق؛ حملها البطل بين يديه الفولاذيتين كما يُحمل التاج الثمين، وتوجه بها نحو الفراش الملكي المغطى بالحرير والأرجوان. أطفأ الأنوار العالية ليدع نيران الموقد الذهبية والشموع المعطرة ترسم ظلالهما المتعانقة على الجدران.

تبادلا في تلك الليلة أسمى معاني العشق والذوبان الروحي؛ كانت قبلاته الحارة والدافئة تتنقل بشغف وتملّك على وجهها، وعنقها، وكتفيها العاجيين، ممرراً يديه الضخمتين بحنان رفيع وطراوة فائقة على جسدها الأنثوي الرقيق، يداوي بلمساته المترعة بالحب كل بقايا جراحها القيصرية وآلام أسرتها الخائنة. وكانت قمر تستجيب لنداء حبه بشغف أنثوي ساحر، تتنفس أنفاسه المشتعلة، وتشد بيديها على شعره وكتفيه العريضين، غارقة في بحر من الدفء والأمان الذي لم تعرف له مثيلاً من قبل.

انصهرت روحاهما وجسداهما تحت أضواء الموقد الخافتة في ملحمة حب خالية من الظنون والحروب، حيث توقفت عقارب الساعة وشهدت الشموع المشتعلة على ميلاد فصل جديد من حياتهما؛ فصل لا مكان فيه للمنظمات ولا الشفرات الجينية، بل للحب الصافي، والسيادة المطلقة، والدفء العائلي الذي توج بابتسامة طفلتهما الرضيعة النائمة في مهدها المريح بجوار الفراش.

ومع وصول الليل إلى منتصفه، كان البطل ينام مستلقياً على ظهره، وقمر ترتاح بكامل جسدها الدافئ فوق صدره العريض، شعرها الفاحم ينحدر كالموج على بدنه، ويدها البيضاء تستقر فوق موقع قلبه الذي ينبض بثبات وأمان مطلق، بينما يلف هو ذراعه القوية حول خصرها ويطبع قبلاً متفرقة على قمة رأسها بين الحين والآخر.

وفجأة، وفي أشد لحظات السكينة والدفء خفوتًا ونقاءً... اهتزت الطاولة النحاسية المجاورة للفراش بصوت اهتزاز مكتوم وخفيض للغاية، منبعث من جهاز اتصال بيوماتري قديم وشديد السريّة، كان البطل قد أخفاه في حزامه القديم ولم يستخدمه منذ سنوات طوال!

تحرك البطل ببطء حذر كي لا يوقظ قمر النائمة في أحضانه كالملاك، ومد يده الطويلة ليلتقط الجهاز الصغير. انفتحت شاشة الجهاز المصغرة بوميض أصفر دافئ، وظهرت عليها رسالة نصية قصيرة جداً ومسجلة بشفرة دبلوماسية مجهولة لا تُفتح إلا ببصمة القادة العظام، مكتوب فيها بالفصحى الصارمة: "نحييك على تطهير القصر وتحويله إلى بيت عائلي يا ملك الظلال... ولكنك نسيت أن الصندوق الأثري الذي أهدي لك في احتفال السبوع كان يحمل طبقتين من المعدن، والطبقة السفلى لم تكن تحوي شفرة منظمة الظل، بل تحوي الخريطة الملكية الضائعة التي تبحث عنها العائلات السبع منذ قرن كامل... وأول حراس الخريطة ينتظرك عند بوابتك الشمالية الآن!".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع والتسعون

    لم تتزعزع شعرة واحدة في جسد ملك الظلال وهو يتأمل تلك الورقة المطبوعة التي خرجت من الطابعة الخاملة، فبعينين زمرديتين تفيضان بالبرود التكتيكي والثقة المطلقة، أدرك فوراً أن تلك الحروف المرتجفة لم تكن سوى الزفير الأخير لحيّة ميتة تحاول عبثاً بث السموم في جنة استقرارهم قبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة. تحرك بخطوات واسعة وصامتة كالسهم نحو القبو السفلي للقصر، حيث قام بنفسه بتمشيط الزوايا الحجرية القديمة، وتعطيل آخر شريحة إلكترونية مدفونة في الجدران، ليزيل تماماً كل أثر للماضي المعتم ويغلق باب الأسرار للأبد. مرّت الأيام بعد ذلك كأنها نسائم ربيعية عذبة تغسل أوجاع السنين، وتتفتح معها زهور الأمل فوق أطلال الحروب والظلال، حتى أشرقت شمس ذلك الصباح الاستثنائي الذي انتظرته قمر طويلاً؛ يوم عيد الميلاد الأول لطفلتهما المدللة، الزهرة الصغيرة التي أزهرت في وسط جحيم العالم وأعادت صياغة معنى الحياة في قلب والديها. تحولت حدائق القصر الواسعة والمحيطة بالمبنى التاريخي إلى لوحة ساحرة من البهجة والألوان المتاخمة للخيال؛ إذ امتلأت المسطحات الخضراء بأكاليل الزهور الطبيعية النادرة، وتدلت من أفرع الأشجار العريقة أشرط

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث والتسعون

    تسرسلت خيوط النور الذهبية الفاتنة عبر النوافذ الكريستالية الواسعة لجناح قمر الفاخر، لتطرد آخر آثار الظلال والدجى عن أركان القصر الذي بات ينبض بالسلام والطمأنينة المطلقة بعد عواصف الدم والماضي المظلم. كانت طفلتها الرضيعة تغط في نوم عميق وهادئ داخل مهادها الحريري الأبيض، بينما استقرت قمر أمام مكتبها المصنوع من خشب الأبنوس المعسجد، حيث تستقر بين يديها لوحة مفاتيح حاسوبها الذكي ودفترها الجلدي العتيق الذي تحتفظ فيه بأسرار روحها ووجع حروفها. مدت أصابعها البيضاء المرتجفة قليلاً بفعل هالة الإلهام الجارف، وفتحت ملفاً نصياً جديداً بخط عربي أنيق وداكن، واستقرت عيناها السوداوان المتقدتان بشغف الإبداع على الصفحة البيضاء الفارغة، لتكتب بخط عريض وبأحرف تتنفس السحر والغموض اسمها المستعار الجديد الذي اختارته ليكون درعاً لحكايتها وراية لروحها التواقة للحرية: "قمر الزمان". لم يكن اختيار هذا الاسم مجرد نزوة عابرة، بل كان تجسيداً لرحلتها الطويلة بين عتمة الليالي وقسوة السلاسل وبين إشراقة النور الذي عانق قلبها على يد ملك الظلال؛ فقررت أن تسكب خلاصة أوجاعها، وعشقها المشتعل، وصراعها النفسي الطويل في قالب م

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثاني والتسعون

    تسللت أشعة الشمس الذهبية الأولى عبر الزجاج الكريستالي الناصع لقصر القاهرة، لتغسل بضوئها الدافئ أركان قاعة المؤتمرات الكبرى التي تحولت بين عشية وضحاها من غرفة عمليات استخبارية معتمة إلى صرح استثماري مدني يعج بالحياة والنقاء. وقف ملك الظلال وسط القاعة شامخاً، يرتدي بدلة رسمية سوداء فاخرة تعكس هيبته وطاغية حضوره، وأمامه كبار المستشارين والمديرين الماليين للإمبراطورية يترقبون بوجل وإجلال كلمته الفاصلة. تحدث بصوت رجولي عميق، حازم، وواثق يتردد صداه في أرجاء المكان، معلناً استقالته النهائية والرسمية من كافة الأعمال، والصفقات، وشبكات الظل المشبوهة التي طالما أدارها في خفاء العواصم العالمية. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل امتدت يده الثابتة لتوقيع الوثائق القانونية والسيادية لتأسيس شركة كبرى للتنمية العمرانية والتجارة الدولية الحرة، مسجلة بالكامل وبصورة قانونية مطلقة باسم زوجته "قمر" وابنتهما الرضيعة، لتصبح هي المالك الأوحد ورئيسة مجلس الإدارة لكل أصول الإمبراطورية المتجددة. ضجت القاعة بالتصفيق الحار تقديراً لهذا القرار التاريخي الجريء الذي أطاح بعقود من الظلام ليؤسس عصراً جديداً من الشرعية والنو

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الحادي والتسعون

    جرى سحب مقاتلي الشبح والحراس المدججين بالعتاد الثقيل من الباحات الداخلية، وأُبدلوا بحدائق غناء تفوح منها رائحة الورد البلدي والياسمين، وتتوسطها نوافير رخامية تعزف ألحاناً مائية عذبة طردت صقيع الخوف والترقب إلى الأبد، ليتحول القصر المصفح إلى منزل عائلي دافئ ومحمي بنسبة مائة بالمائة بأحدث المنظومات الأمنية الخفية والناعمة التي لا تخدش سكينة العيش ولا تذكر بمرارة الحروب السابقة.كانت قمر تقف في البهو الكبير، ترتدي فستاناً أبيض ناعماً من القطن المصري الفاخر، ينسدل برقة على جسدها الشاحب الذي بدأ يسترد نضارته ورديته العاجية، وشعرها الفاحم الطويل يلتف بنعومة حول كتفيها، بينما كانت تتابع بعينين سوداوين تلمعان بالذهول والغبطة الخالصة حركة العمال والمهندسين وهم يقتلعون آخر البوابات الحديدية الثقيلة ويستبدلونها بأبواب خشبية أثرية مطعمة بالصدف والأبانوس. كانت تشعر وكأن جبلاً أشم من الضيق والذعر يزاح عن صدرها مع كل جهاز تسجسس يتفكك ومع كل قطعة سلاح تخرج من بيتها.اقترب البطل منها بخطوات هادئة، يرتدي قميصاً أبيض غير رسمي مفتوح الأزرار عند العنق، يبدي صلابة جسده وجاذبيته الرجولية الدافئة،

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التسعون

    انحنى فوق شفتيها المرتجفتين وضغط عليهما بقبلة حارة، طويلة، وعميقة للغاية؛ قبلة يتبادلان فيها حرارة الأنفاس وطعم الدموع الممزوجة بقطرات المطر العذبة. كانت قبلة انصهار روحي وتملك مطلق، يستشعر فيها البطل طراوة جسدها الأنثوي واستسلامها الشغوف بين يديه، بينما كانت قمر تلتصق ببدنه الحار بكل ما أوتيت من قوة متبقية، مستمدة من شفتيه ونبضات قلبه الحية كل الأمان والدفء الذي حرمت منه لسنوات تحت تهديد الموت والخيانة.انتقلا معاً، ويده الضخمة تطوق خصرها النحيل بحنان وغلظة حامية، نحو الجناح الملكي الداخلي المغلق والمضاء بنور الشموع الموزعة والموقد الذهبي الدافئ الذي يبعث الحرارة في أرجاء المكان. أجلست قمر زوجها على الأريكة المخملية الفاخرة المجهزة بجوار الموقد، وجلست بين قدميه على السجادة المشرقية الفاخرة، مرتدية ثوبها الأبيض وممسكة بوعاء ماء دافئ ومنشعة ناعمة لتنظيف جراحه ولطخات البارود عن وجهه وجسده الصلب.بدأت قمر تمرر قطعة القماش المبتلة بالماء الدافئ على خده الأيمن وعلى طول عنقه العريض بلمسات شفوقة ورقيقة للغاية، ودموعها لا تتوقف عن السيلان صامتة، تأثراً بحجم التضحيات والجراح التي تحم

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل التاسع والثمانون

    تجمد الزمن في أحداق ملك الظلال وهو يطالع الشاشة المتوهجة بذاك الطيف الغادر الذي يتسلل نحو مخبأ زوجته وطفلته، بينما كانت الابتسامة الشيطانية تتسع على شفتي فالكون الداميتين، ظاناً أن نبضات قلبه البيولوجية المربوطة بصاعق التفجير الخفي هي درعه الأخير ضد الموت المحتوم. غير أن ملك الظلال لم يكن رجلاً تحكمه الذعر أو تقتاده الخديعة إلى شلل الإرادة؛ إذ تفجرت في عروقه المجهدة شحنة متوحشة من الغضب الساطع والحب الأعمى الذي يستمد قوته من صورة قمر الرقيقة القابعة في ظلمات القاهرة. وبدهاء تكتيكي خاطف يحبس الأنفاس، لم ينزل نصل سكينه على حنجرة فالكون مباشرة، بل استخدم يده الأخرى لانتزاع مسدس شلل مغناطيسي عالي التردد من حزامه التكتيكي، وهوى به بقوة قاتلة على المفصل العصبي الأوسط لرقبة فالكون، مطلقا شحنة تثبيط حيوية جمدت إشاراته العصبية والإرادية في كسر من الثانية، مع إبقاء عضلة القلب تنبض بإيقاع اصطناعي بطيء ومستقر لا يتجاوز الحد الأدنى اللازم لمنع تفعيل الصاعق البيولوجي!تهاوى فالكون غائباً عن الوعي كجسد بلا روح، وقبل أن يسترد وعيه أو تتغير ترددات معصمه، انحنى البطل بقسوة جبلية وسحب ذراع القائد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status