Share

الفصل الخامس عشر

last update publish date: 2026-08-21 05:45:44

تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.

«هل ترين كيف يتلاعبون بعقلكِ؟» خرج صوته أخيراً، خشناً، أجشاً، ومحملاً بمرارة أذابت طبقة الجليد التي تغلف غضبه. «هذه هي ألاعيبهم القذرة يا قمر. اختراق الترددات، بث نصوصكِ الإذاعية القديمة، واستخدام صوتكِ نفسه كسلاح لتمزيق أعصابكِ وضرب إسفين الشك بيننا. إنهم يعلمون أنكِ نقطة ضعفي، ويعلمون أن الطريق الوحيد لتدميري هو دفعكِ للجنون لتلجئي إليهم.»

لم ينتظر منها رداً، ولم يمنحها فرصة لتبرير وجودها. مد يده الطويلة، وقبض على معصمها بقوة لا تقبل النقاش، لكنها خالية من القسوة الجسدية، وسحبها خلفه خارج غرفة الاتصالات. كان يجرها عبر الأروقة المضاءة بنور خافت، متجاهلاً مقاومتها الواهنة ودموع الارتباك التي تجمعت في مآقيها. دفع باباً ثقيلاً مصنوعاً من خشب الماهوجني الفاخر، وأدخلها إلى مكتبه الخاص والمخفي في قلب اليخت. كانت الغرفة عبارة عن مكتبة كلاسيكية عتيقة، تفوح منها رائحة الكتب القديمة، الأخشاب النادرة، والجلد الفاخر، وتتناقض تماماً مع الحداثة الباردة لباقي أجزاء السفينة. أطلق معصمها، وأشار بيده نحو أريكة جلدية عميقة، وأمرها بصوت صارم لا يقبل العصيان: «ابقِ هنا. لن تبرحي هذه الغرفة حتى أقوم بتأمين نظام الاتصالات بالكامل. لا تحاولي الهرب، فالبحر من خلفكِ، وأنا من أمامكِ.»

أغلق الباب خلفه بإحكام، وسمعت صوت المزلاج الإلكتروني وهو يوصد من الخارج. بقيت قمر وحيدة في سكون المكتبة، تحيط بها رفوف الكتب العالية التي تمتد من الأرض حتى السقف. كانت ترتجف من فرط الأدرينالين والصراع النفسي الذي يطحن أحشاءها. هل كان صادقاً؟ هل كان ذلك الصوت المشوه مجرد فخ من أعدائه، من والدها الذي يريد استعادتها لقتلها؟ أم أنها مسرحية متقنة ألفها هو ليحكم سيطرته على عقلها؟ أخذت تذرع الغرفة جيئة وذهاباً، محاولة تنظيم أنفاسها. اقتربت من جدار خشبي مغطى بلوحات زيتية غامضة، وأسندت جبينها المشتعل على الخشب البارد. وبينما كانت تضرب بقبضتها المرتجفة على الجدار في لحظة يأس وقهر، شعرت تحت يدها ببروز خفي. لم يكن الخشب صلباً تماماً؛ كانت هناك قطعة صغيرة، مموهة ببراعة ضمن الزخارف المحفورة، قد انزلقت قليلاً للداخل إثر ضغطتها العشوائية.

توقفت عن البكاء، وانتبهت حواسها بالكامل. دفعت القطعة الخشبية بقوة أكبر، ليصدر صوت طقطقة ميكانيكية خافتة، وينزلق جزء من الجدار الخشبي ليكشف عن تجويف سري صغير، لم يكن يحتوي على أسلحة أو أوراق خطيرة، بل كان يضم شيئاً واحداً فقط: ألبوماً كبيراً، مغلفاً بجلد أسود فاخر، وحوافه مزينة بنقوش فضية دقيقة.

مدت يديها المرتجفتين، وسحبت الألبوم من مخبئه. كان ثقيلاً، ومغطى بطبقة خفيفة من الغبار وكأنه لم يُمس منذ فترة طويلة، أو كأنه خُبئ هنا ليُنسى. حملته إلى مكتبه الضخم، وأضاءت المصباح النحاسي الصغير، ثم جلست على الكرسي الوثير. ترددت للحظة، وقلبها يخفق بعنف يكاد يمزق أضلاعها، قبل أن تفتح الغلاف الجلدي ببطء شديد.

ما إن وقعت عيناها على الصفحة الأولى، حتى توقف الزمن، وانقطع تنفسها تماماً. لم تكن الصور توثيقاً لعمليات مافيا، ولا تقارير عن أعدائه، بل كانت صوراً لها... وله! كانت الصورة الأولى تجمعهما على هذا اليخت بالذات، لكن في وضح النهار، تحت أشعة شمس ساطعة. كانت ترتدي فستاناً صيفياً مبهجاً، وشعرها يتطاير بحرية، بينما كانت تضحك من أعماق قلبها، ضحكة صافية، حقيقية، وخالية من أي ظلال للرعب أو الشك. وكان هو يقف خلفها، يطوق خصرها بذراعيه القويتين، ويدفن وجهه في عنقها بابتسامة مشرقة لم تظن يوماً أنها يمكن أن ترتسم على ملامحه القاسية. كانت نظرة عينيه في الصورة خالية من هوس السيطرة والغيرة العمياء، بل كانت تفيض بعشق نقي، هادئ، وعميق.

قلبت الصفحة التالية بأصابع ترتعش بشدة. صورة أخرى لهما في شوارع مدينة أوروبية عتيقة، يسيران يداً بيد، وهي تنظر إليه بنظرة هيام ووله لا يمكن تزييفها. صورة ثالثة في مطعم فاخر، حيث كان يطعمها بيده، وعيناهما متشابكتان في حوار صامت من الحب الخالص. وتوالت الصور؛ في حفلات، على شواطئ، في أروقة قصر مجهول، وفي كل لقطة، كانت السعادة تشع منهما كأنهما خُلقا ليكونا معاً. لكن الصدمة الحقيقية التي ضربت قاع عقلها، كانت التواريخ المكتوبة بخط يده الأنيق أسفل كل صورة. التواريخ كلها كانت تعود إلى ما قبل الحادث! إلى الأشهر والسنوات التي سبقت تلك الليلة الدامية التي سُلبت فيها ذاكرتها.

انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟

لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.

حين شعرت بظله يغطيها، التفتت إليه ببطء. كانت عيناها محمرتين، ووجهها غارقاً في الدموع، بينما كانت تضع يدها على قلبها الذي كان ينبض بألم وعشق استيقظا من مرقدهما. نظرت إليه، فلم تجد الوحش الكاسر، بل وجدت رجلاً محطماً، رجلاً يحمل في عينيه الزمرديتين حزناً يكفي لإغراق هذا المحيط بأسره.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس عشر

    انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس عشر

    تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع عشر

    كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث عشر

    كانت الكلمات تتردد في تجويف جمجمتها كدوي انفجار لا ينتهي، تمزق كل ما تبقى من أشرعة اليقين في سفينة عقلها الغارقة. «الرجل الذي حاول قتلكِ... هو والدكِ!». لم تصرخ، لم تبكِ، بل غرقت في حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث تجمدت الدماء في عروقها، وتحولت ملامحها إلى قناع من الشمع البارد. كيف يمكن للرجل الذي كانت تعتبره الملاذ الآمن، والذي بكت دماً حين رأته ممدداً تحت رحمة الأجهزة الطبية في القبو المظلم، أن يكون هو ذاته الجلاد الذي فخخ سيارتها بدم بارد؟ الصدمة لم تكسرها فحسب، بل سحقتها، وجعلتها عجينة طيعة بين يدي هذا الشيطان العاشق الذي استغل هشاشتها المطلقة في تلك اللحظة ليحكم قبضته عليها بشكل نهائي ولا رجعة فيه.لم يمنحها فرصة لاستيعاب الفاجعة أو ترتيب شتات روحها. في غضون ساعات قليلة، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي، كان قد انتزعها من القصر، ونقلها وسط حراسة أمنية مشددة، وموكب من السيارات المصفحة السوداء، إلى الميناء الخاص السري التابع لإمبراطوريته. وهناك، وجدت نفسها على متن يخت أسطوري ضخم، أشبه بقلعة عائمة من الفولاذ والزجاج الأسود، يخت يحمل اسماً محفوراً بحروف ذهبية بارزة على هيكله، اسماً ي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثاني عشر

    «ماذا رأيتِ؟» همس بصوت أجش، خشن، يشبه حفيف الأفاعي السامة، ونفث أنفاسه الساخنة والمحملة بعبق التبغ على شفتيها المرتجفتين، مما جعل قشعريرة عنيفة تضرب كل خلية في جسدها المحاصر.«ابتعد عني!» صرخت بصوت متهدج، وهي تتلوى بعنف تحته، محاولة يائسة لتحرير معصميها من قبضته التي لا تتزحزح. كانت دموع الخوف والارتباك تتجمع في مآقيها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة جنونية ليحتك بصدره الصلب، مما أشعل شرارات من التوتر الحسي الذي زاد من تعقيد الموقف. «أنت وحش... لقد رأيتك... رأيت الوشم في الحريق... أنت كنت هناك في ليلة الحادث!»تصلب فكه بشكل مرعب، واختلجت عضلة بارزة في وجنته النحاسية، لكنه لم يتراجع، بل زاد من ثقل جسده عليها، دافناً إياها أعمق في الفراش الوثير. انخفض برأسه أكثر، حتى تلامست أنفاسهما الثائرة، وفي لحظة من التناقض المدمر الذي يميزه، تحولت قسوته الغاشمة إلى رقة مظلمة، سامة، ومربكة للحواس. حرر أحد معصميها، ليمرر أصابعه الخشنة ببطء قاتل وتعذيب لذيذ على طول خط فكها، نزولاً إلى عنقها النابض بالذعر، ثم مسح دمعة يتيمة هربت من زاوية عينها.«أنا كنت هناك بالفعل يا قمر،» همس بصوت رخيم، عميق، يتسلل إلى مسا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الحادي عشر

    كان الظلام الذي ابتلع وعيها إثر سؤاله المرعب، وصدمة الذاكرة التي تفجرت في قاع جمجمتها، ظلاماً كثيفاً، لزجاً، ومحاطاً ببرودة الموت. لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي تسبح في تلك الغيبوبة المؤقتة التي فرضها عقلها المنهك كآلية دفاعية أخيرة ضد الجنون. حينما بدأت حواسها تستيقظ ببطء شديد، كان أول ما تسلل إلى إدراكها هو رائحة المسك الأسود الفاخر الممزوج بعبق التبغ الرجولي الحار، رائحة احتلت مسامها وصارت بالنسبة لها تعريفاً حسياً للأمان والخطر في آنٍ واحد. شعرت بنعومة الحرير البارد تحت جسدها العاري الذي كان يرتجف بضعف، وبثقل غطاء مخملي دافئ يحيط بها كشرنقة واقية. رمشت بجفنيها المثقلين مراراً، محاولة طرد بقايا الضباب الذي يغلف بصرها. كانت الغرفة غارقة في عتمة هادئة، لا يكسرها سوى ضوء القمر الفضي الشاحب المتسلل من خلال الشقوق الرفيعة للستائر المخملية الثقيلة، ليرسم خطوطاً مضيئة على الأرضية الرخامية الفاخرة.حاولت قمر أن تتحرك، لكن جسدها كان مشلولاً من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي الذي اجتاحها في الساعات الماضية. أدارت رأسها ببطء شديد نحو الجهة الأخرى من الفراش الوثير والواسع كساحة معركة، لتجده هن

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status