مشاركة

الفصل السادس عشر

last update تاريخ النشر: 2026-08-21 05:46:02

انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟

لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.

حين شعرت بظله يغطيها، التفتت إليه ببطء. كانت عيناها محمرتين، ووجهها غارقاً في الدموع، بينما كانت تضع يدها على قلبها الذي كان ينبض بألم وعشق استيقظا من مرقدهما. نظرت إليه، فلم تجد الوحش الكاسر، بل وجدت رجلاً محطماً، رجلاً يحمل في عينيه الزمرديتين حزناً يكفي لإغراق هذا المحيط بأسره.

«لماذا؟» همست بصوت مخنوق، يتقطع من فرط البكاء، ورفعت الألبوم نحوه. «لماذا لم تخبرني؟ لماذا تركتني أعيش كل هذه الأيام أعتقد أنك وحش خطفني ليعذبني، بينما نحن... بينما أنا كنت...»

لم تكمل جملتها، بل انفجرت في نشيج يائس. لم يحتمل هو رؤية دموعها، ولم يحتمل هذا الانهيار. هبط على ركبتيه أمامها مباشرة، متخلياً عن كبريائه وعرشه في العالم السفلي، ليجلس عند قدميها كمتضرع يبحث عن الغفران. أمسك بيديها المرتجفتين، ودفن وجهه في باطن كفيها، وفي تلك اللحظة الصادمة، شعرت قمر بقطرات ساخنة تبلل بشرتها. كان شيطان المافيا يبكي!

«لأنكِ لو تذكرتِ هذا الحب، لتذكرتِ الثمن الذي دُفع من أجله،» قال بصوت متهدج، ممزق، يخرج من أعمق نقطة في روحه المعذبة، ورفع رأسه ليلتقي بعينيها بنظرة محترقة. «والدكِ لم يتقبل يوماً أن تكون ابنته الوحيدة، الكاتبة الرقيقة، عاشقة لزعيم العالم السفلي. خيركِ بيني وبينه، فاخترتِني، وهربتِ معي. وفي تلك الليلة الملعونة، لم يكن يقصد قتلكِ يا قمر... كان يقصد قتلي أنا! لقد فخخ سيارتي التي كنتِ تقودينها أنتِ بالخطأ. لقد رأيتكِ تحترقين بنيران كانت مُعدة لحرقي أنا. تدمير ذاكرتكِ كان الثمن الوحيد لتبقي على قيد الحياة دون أن يمزقكِ الشعور بالذنب، ودون أن تدركي أن حبكِ لي هو ما دفع والدكِ لارتكاب تلك الجريمة الشنعاء. كيف أخبركِ أننا كنا عاشقين، وأنا السبب في كل عذابكِ؟ فضلت أن تكرهيني، فضلت أن تظنيني وحشاً، على أن أرى نظرة الانكسار والندم في عينيكِ الجميلتين.»

كانت كلماته كالرصاصات التي تخترق جداراً من الجليد لتكشف عن بركان من العاطفة خلفه. انهار كل شك، وتلاشت كل مخاوفها أمام هذا الاعتراف المجنون بالتضحية. لقد تحمل كراهيتها، وتحمل نظرات الرعب في عينيها، فقط ليحميها من ألم الحقيقة. لم تعد ترى فيه جلاداً، بل رأته كدرع تلقى كل الطعنات نيابة عنها. انحنت من على كرسيها، وسقطت على ركبتيها أمامه على السجادة الوثيرة. حاصرت وجهه بكفيها، ومسحت دموعه النادرة بإبهاميها، بينما كانت دموعها تغسل كل أثر للماضي المؤلم.

«أنا لا أكرهك... لم أكرهك يوماً، حتى وأنا لا أتذكرك،» همست بصوت يفيض بلوعة وعشق استعادا عرشهما في قلبها. «روحي كانت تعرفك، جسدي كان يناديك، حتى حين كان عقلي يصرخ بالهرب. أنت لست السبب في عذابي.. أنت الملاذ الذي نجوت به.»

لم تحتج اللحظة إلى مزيد من الكلمات. انقضت عليه، أو انقض هو عليها، لم يعد الأمر مهماً، فقد تلاشت الحدود بينهما في كسر من الثانية. التقت شفتيهما في قبلة يائسة، جائعة، ومشتعلة بنيران الحرمان والاشتياق المتراكم. لم تكن مجرد قبلة عابرة، بل كانت اصطداماً كونياً بين روحين ممزقتين وجدتا أخيراً طريق العودة لبعضهما. كانت قبلة مالحة بطعم الدموع، لكنها سرعان ما تحولت إلى تذوق عميق، حار، ومستبد، يمحو كل مرارة زرعتها الأيام الماضية.

تخللت أصابعها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي أي مسافة، بينما طوقت ذراعاه القويتان خصرها، يرفعها عن الأرض ليلتصق جسدها النحيل بصلابة صدره. كان يتنفسها كغريق وجد طوق النجاة، يمتص رحيق شفتيها بضراوة عاشق متيم يُعيد اكتشاف جنته المفقودة. تحركت شفتيه ببراعة مهلكة، تفترس شفتيها برقة متوحشة، ثم تنزلق لتطبع قبلات حارقة، رطبة، وممتدة على طول خط فكها وعنقها، متتبعاً نبضها الثائر الذي كان يقرع كالطبول.

حملها بين ذراعيه دون أن يقطع هذا التلاحم الحسي العميق، وسار بها نحو الأريكة الجلدية الواسعة. وضعها برفق، ولحق بها ليحاصرها تحت ثقل جسده المشتعل بالرغبة. كانت أنفاسهما تتلاحق في إيقاع محموم، وعيناهما تتبادلان نظرات تنطق بملكية مطلقة واستسلام غير مشروط. امتدت أصابعه الخشنة لتلامس بشرتها بنعومة مفرطة، تنزلق أزرار فستانها بخفة، بينما كانت يداها تمزقان قميصه بحرارة لتتلمس صلابة عضلاته ووشمه الذي لم يعد يخيفها، بل بات جزءاً من الرجل الذي تعشقه.

استحالت المكتبة إلى معبد لعشقهما، حيث تبدلت دموع القهر بآهات الشغف الخافتة. كان كل تلامس بينهما يذيب جداراً من الشكوك، وكل همسة عشق كان يبثها في أذنها تخيط جرحاً في روحها. غاصت قمر في هذا الانصهار الحسي الفاخر، مستسلمة لجنونه العاطفي، تاركة جسدها يتلوى بين يديه كقيثارة لا تعزف ألحانها إلا تحت لمسات أنامله الخبيرة. كانت الليلة طويلة، عاصفة، ومليئة باكتشاف متبادل لذات الحب الذي لم يمت يوماً، بل كان ينتظر شرارة ليعود ويحرق العالم بأسره.

ومع اقتراب الفجر، حين سكنت العاصفة وتسلل التعب اللذيذ إلى جسديهما، استلقت قمر في أحضانه على الأريكة الجلدية العريضة. كان يغط في نوم عميق، وذراعه تطوقها بتملك حريص، ورأسه مسند على صدرها لتستمع إلى أنفاسه الهادئة. شعرت بسلام لم تعهده منذ استيقاظها الأول، سلام مبني على حقيقة لا تقبل الشك؛ أنها تحبه، وأنه ضحى بكل شيء من أجلها.

لكن، وبينما كانت عيناها تتأملان سقف المكتبة في هدوء تام، سقط بصرها على الأرض، حيث تناثرت بعض الصور التي سقطت من الألبوم أثناء اندفاعهما العاطفي. كانت هناك صورة وحيدة مقلوبة على وجهها. تحركت بحذر شديد كي لا توقظه، ومدت يدها لتمتد وتلتقط الصورة من على السجاد الوثير.

أدارت الصورة لتتأملها، لكن لم تكن الصورة هي ما جمد الدماء في عروقها، بل كان ما كُتب على ظهرها، بخط يدها هي، وبحبر أحمر قاني يشبه لون الدم. كانت كلمات قليلة، متسرعة، ومحملة برعب خالص، تركتها لنفسها قبل أن تفقد ذاكرتها:

«لقد اكتشفتُ سره الأكبر. إنه ليس من فخخ سيارتي.. بل هو من تلاعب بعقل والدي ليأمره بقتلي! إذا متُّ.. فهو الجلاد الذي يرتدي قناع المنقذ.. لا تصدقي عينيه الزمرديتين أبداً!»

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل السادس عشر

    انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الخامس عشر

    تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الرابع عشر

    كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثالث عشر

    كانت الكلمات تتردد في تجويف جمجمتها كدوي انفجار لا ينتهي، تمزق كل ما تبقى من أشرعة اليقين في سفينة عقلها الغارقة. «الرجل الذي حاول قتلكِ... هو والدكِ!». لم تصرخ، لم تبكِ، بل غرقت في حالة من الشلل الإدراكي التام، حيث تجمدت الدماء في عروقها، وتحولت ملامحها إلى قناع من الشمع البارد. كيف يمكن للرجل الذي كانت تعتبره الملاذ الآمن، والذي بكت دماً حين رأته ممدداً تحت رحمة الأجهزة الطبية في القبو المظلم، أن يكون هو ذاته الجلاد الذي فخخ سيارتها بدم بارد؟ الصدمة لم تكسرها فحسب، بل سحقتها، وجعلتها عجينة طيعة بين يدي هذا الشيطان العاشق الذي استغل هشاشتها المطلقة في تلك اللحظة ليحكم قبضته عليها بشكل نهائي ولا رجعة فيه.لم يمنحها فرصة لاستيعاب الفاجعة أو ترتيب شتات روحها. في غضون ساعات قليلة، وقبل أن تشرق شمس الصباح التالي، كان قد انتزعها من القصر، ونقلها وسط حراسة أمنية مشددة، وموكب من السيارات المصفحة السوداء، إلى الميناء الخاص السري التابع لإمبراطوريته. وهناك، وجدت نفسها على متن يخت أسطوري ضخم، أشبه بقلعة عائمة من الفولاذ والزجاج الأسود، يخت يحمل اسماً محفوراً بحروف ذهبية بارزة على هيكله، اسماً ي

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الثاني عشر

    «ماذا رأيتِ؟» همس بصوت أجش، خشن، يشبه حفيف الأفاعي السامة، ونفث أنفاسه الساخنة والمحملة بعبق التبغ على شفتيها المرتجفتين، مما جعل قشعريرة عنيفة تضرب كل خلية في جسدها المحاصر.«ابتعد عني!» صرخت بصوت متهدج، وهي تتلوى بعنف تحته، محاولة يائسة لتحرير معصميها من قبضته التي لا تتزحزح. كانت دموع الخوف والارتباك تتجمع في مآقيها، وصدرها يعلو ويهبط بسرعة جنونية ليحتك بصدره الصلب، مما أشعل شرارات من التوتر الحسي الذي زاد من تعقيد الموقف. «أنت وحش... لقد رأيتك... رأيت الوشم في الحريق... أنت كنت هناك في ليلة الحادث!»تصلب فكه بشكل مرعب، واختلجت عضلة بارزة في وجنته النحاسية، لكنه لم يتراجع، بل زاد من ثقل جسده عليها، دافناً إياها أعمق في الفراش الوثير. انخفض برأسه أكثر، حتى تلامست أنفاسهما الثائرة، وفي لحظة من التناقض المدمر الذي يميزه، تحولت قسوته الغاشمة إلى رقة مظلمة، سامة، ومربكة للحواس. حرر أحد معصميها، ليمرر أصابعه الخشنة ببطء قاتل وتعذيب لذيذ على طول خط فكها، نزولاً إلى عنقها النابض بالذعر، ثم مسح دمعة يتيمة هربت من زاوية عينها.«أنا كنت هناك بالفعل يا قمر،» همس بصوت رخيم، عميق، يتسلل إلى مسا

  • أسرني شيطاني المفضل   الفصل الحادي عشر

    كان الظلام الذي ابتلع وعيها إثر سؤاله المرعب، وصدمة الذاكرة التي تفجرت في قاع جمجمتها، ظلاماً كثيفاً، لزجاً، ومحاطاً ببرودة الموت. لم تدرِ كم من الوقت مر عليها وهي تسبح في تلك الغيبوبة المؤقتة التي فرضها عقلها المنهك كآلية دفاعية أخيرة ضد الجنون. حينما بدأت حواسها تستيقظ ببطء شديد، كان أول ما تسلل إلى إدراكها هو رائحة المسك الأسود الفاخر الممزوج بعبق التبغ الرجولي الحار، رائحة احتلت مسامها وصارت بالنسبة لها تعريفاً حسياً للأمان والخطر في آنٍ واحد. شعرت بنعومة الحرير البارد تحت جسدها العاري الذي كان يرتجف بضعف، وبثقل غطاء مخملي دافئ يحيط بها كشرنقة واقية. رمشت بجفنيها المثقلين مراراً، محاولة طرد بقايا الضباب الذي يغلف بصرها. كانت الغرفة غارقة في عتمة هادئة، لا يكسرها سوى ضوء القمر الفضي الشاحب المتسلل من خلال الشقوق الرفيعة للستائر المخملية الثقيلة، ليرسم خطوطاً مضيئة على الأرضية الرخامية الفاخرة.حاولت قمر أن تتحرك، لكن جسدها كان مشلولاً من فرط الإرهاق العاطفي والجسدي الذي اجتاحها في الساعات الماضية. أدارت رأسها ببطء شديد نحو الجهة الأخرى من الفراش الوثير والواسع كساحة معركة، لتجده هن

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status