Mag-log inكانت الكلمات المكتوبة بخط يدها على ظهر الصورة بمثابة صاعقة حية ضربت قاع جمجمتها، لتنسف في جزء من الثانية كل قصور الرمل التي بنتها على شاطئ استسلامها الأخير. «ليس من فخخ سيارتي.. بل هو من تلاعب بعقل والدي ليأمره بقتلي! إنه الجلاد الذي يرتدي قناع المنقذ.. لا تصدقي عينيه الزمرديتين أبداً!». ارتجفت أصابعها حتى كادت الصورة تسقط منها على الأرض الخشبية، بينما تحولت أنفاسها المنتظمة منذ قليل إلى لاهث مروع وخائف. هل كان كل ما عاشته من رومانسية طاغية واعترافات دامعة مجرد فصول مسرحية محكمة الصنع كتبها ليزيد من تخدير وعيها؟ هل كان يعلم بكل حرف مكتوب على تلك الصورة، وكان يلعب دور الضحية المنقذ ببراعة شيطان لا يضاهى؟ غرق قلبها في هاوية مظلمة من الشك المهلك، وأدركت أن بقاءها ثانية واحدة بين أحضانه يعني استسلامها التام للموت البطيء. تحولت دمشق الخوف في عروقها إلى طاقة حارقة للتمرد؛ لم تعد قمر تلك الفريسة الهشة التي تبكي على قهرها، بل تحولت إلى امرأة استيقظت على حافة الهاوية ولن ترتضي سوى الحقيقة المطلقة، حتى لو كلفها ذلك حياتها.
أدارت رأسها ببطء شديد، وعيناها محملتان بمزيج مدمر من الكراهية والحنين القاتل، لتتأمل وجهه الغارق في نوم عميق، وذراعه القوية التي لا تزال تطوق خصرها بتهديد ناعم. بحذر شديد، كمن يمشي على حقل من الألغام، بدأت ترفع ذراعه الثقيلة وتحركها إنشاً بعد إنش، دافعة برأسها للخلف ببطء حتى تحررت من قبضته بالكامل. انزلقت من على الأريكة الجلدية دون أن تصدر صوتاً يذكر، وسحبت قميصه الأسود لتستر به جسدها المرتجف. توقفت لبرهة تتأمل ملامحه الهادئة والوسيمة التي تخفي خلفها أعتى إمبراطورية في العالم السفلي، ثم نهضت على أطراف أصابعها. تذكرت شيئاً رأت تحركاته تفعله قبل قليل حين دخل المكتب؛ كان يضع بطاقته الأمنية الذهبية، المشفرة بصممة كفه والمسؤولة عن فتح كافة أبواب وخزائن إمبراطوريته، داخل جيب سترته المعلقة على شماعة الخشب بجوار الباب. اقتربت من السترة بخطوات خاشعة، مدّت يدها المرتجفة بحذر شديد، واستلت البطاقة المعدنية الثقيلة التي كانت تلمع ببريق خافت تحت ضوء القمر. قبضت عليها بقوة، وفتحت باب المكتبة ببطء قاتل، منزلقة خارج الجناح إلى ممرات اليخت المظلمة، متجهة مباشرة نحو القصر الرئيسي عبر الممر البحري السري الذي يربط السفينة بقواعد القلعة. بفضل البطاقة الذهبية، فتحت الأبواب الإلكترونية المشفرة أمامها كأنها تفتح مفاتيح الجنة المحرمة. عبرت الممرات المعتمة للقصر الذي كان يغط في صمت المقابر، صاعدة الدرج الرخامي العريض وصولاً إلى جناحه الخاص الرئيسي، حيث يوجد مكتبه المحصن الذي لم تكن تجرؤ على دخوله مسبقاً. دخلت المكتب الواسع، وكانت رائحة التبغ الفاخر والمسك تملأ المكان، وكأنه يراقبها من خلف الظلال. توجهت مباشرة نحو اللوحة الزيتية الضخمة التي كانت تتصدر الحائط الخلفي للمكتب، لوحة تعود لعصر النهضة وتجسد ملحمة شيطانية ساقطة. وقفت أمامها، وتذكرت تلك اللمحة العابرة حين كان يغلق الخزنة في إحدى المرات السابقة. رفعت البطاقة الذهبية ومررتها على مستشعر بصري دقيق مخفي خلف إطار اللوحة الخشبي، ليصدر صوت طقطقة إلكترونية خفيفة، وتنزل اللوحة الزيتية تدريجياً للأسفل كاشفة عن جدار حديدي سميك يحتوي على لوحة مفاتيح رقمية متطورة. أدخلت الأرقام السرية المتسلسلة التي استرجعتها من ومضات ذاكرتها المتفجرة، وبصمات أصابعها التي طابقتها مع شفرة الطوارئ؛ ففتح باب الخزنة الثقيل بصوت معدني منخفض. تسللت أنفاسها بخوف وهي توجه ضوء كشاف هاتفها نحو جوف الخزنة. لم تكن مليئة بالأموال أو الذهب، بل كانت تحتفظ بملفات ورقية قديمة ومصنفة بعناية فائقة، وعليها جميعا علامات سرية حمراء. مدت يدها وسحبت ملفاً سميكاً، كُتب على غلافه بخط عريض وبارد: «الملف الطبي والسيادي - الحالة: قمر Ramadan». فتحت الملف بيديها المرتجفتين، وسقطت عيناها على التقارير الطبية التي أوقفت نبضات قلبها. لم تكن أوراقاً لعلاج حادث سيارة عارض، بل كانت تقارير جراحية عصبية متطورة ومفصلة لعمليات دقيقة أجريت في مخها تحت إشراف نخبة من جراحي العالم السفلي! طالعت الصفحات بذهول مرعب؛ كانت التقارير تثبت بالدليل القاطع أن الذاكرة لم تُمسح بسبب اصطدام أو انفجار، بل تم استئصال وتشفير ذكريات معينة يدوياً وبشكل جراحي متعمد، بناءً على أوامر صارمة صادرة من موقع السيادة المطلقة، وبإضاءة وتوقيع شخصي منه هو! وفي منتصف الملف، وجدت ورقة أخرى أشد رعباً؛ رسالة رسمية وموجهة من والديها، تتضمن اتفاقاً أمنياً سرياً، ووثائق تثبت أن والدها لم يكن محاولة لاغتياله، بل كان يحاول إنقاذها منه حين اكتشف حقيقة تورطه في تجنيدها واستغلالها لتنفيذ عمليات إمبراطوريته السوداء دون أن تدري. كانت التقارير تكشف أن الحادث الأليم لم يكن سوى محاولة يائسة من والدها لتدمير سيارات المراقبة وتهريبها من جحيمه، ليقوم هو بالقبض عليه، ووضعه في ذلك القبو الطبي كرهينة أبدية، ويمسح ذاكرتها ليحولها إلى دمية متيمة تسبح بحمده ليل نهار! سقط الملف من يديها على الأرض الرخامية ليتناثر أوراقه في أرجاء المكتب، وتهاوت هي على ركبتيها غير قادرة على تحمل ثقل الحقيقة المروعة. إذن، لم تكن سوى لعبة في يد محترف تلاعب بعقلها، ونسج حولها خيوط الوهم والعشق الكاذب ليخفي جرائمه البشعة وراء قناع العاشق المهووس. رفعت رأسها بغضب عارم ودموع تحرقهما النيران، لتستعد للوقوف والهرب، لكنها توقفت متسمرة في مكانها حين انعكس ظل طويل، داكن، ومخيف على حائط المكتب أمامهما. استدارت ببطء قاتل لتجد البطل واقفاً عند عتبة الباب المفتوح، عاري الصدر، ويرتدي بنطالاً داكناً. لم تكن ملامحه تحمل أي دهشة أو صدمة لرؤيتها تفتش خزائن أسراره، بل كانت ملامحه مسلحة بهدوء جليدي، قاتل، ومرعب يتجاوز جحيم الأرض. تقدم نحوها بخطوات بطيئة وثابتة، وبعيناه الزمرديتين اللتين جفت فيهما كل مشاعر الدفء والعشق المزعوم، انحنى بهدوء ليُلتقط الملف المبعثر من على الأرض، ورفعه أمامه، ثم نظر إليها بعينين لا تبصران سوى الظلام المطلق، وقال بصوت بارد وصارم كالجليد: «كنت أعلم أنك ستصلين إلى هنا عاجلاً أو آجلاً يا قمر.. لكن السؤال الأهم الآن، هل أنت مستعدة لسماع ثمن معرفة الحقيقة حتى الأكسجين الأخير في رئتيكِ؟»تأججت في عينيها نيران الحقيقة المسحوقة تحت أقدام الأكاذيب، فتحولت دموع الانكسار إلى جمرات مشتعلة تكاد تحرق الهواء المحيط بها. لم تكن خائفة، بل كانت تحترق بغضب جارف يغلي في أعماق روحها كالبركان الثائر. وقفت شامخة رغم رجفة أطرافها، تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة التي تشبه شظايا الزجاج الحارق. انحنى هو ببطء مهيب، التقط الأوراق المتناثرة من على الأرض الرخامية الباردة، ووقف بكامل هيبته وطوله الفارع أمامها، ممسكاً بالملف الطبي الذي يحمل تاريخها المسلوب. كانت ملامحه حجرية، خالية من أي تعبير بشري، كأنما خُلق من صخور العالم السفلي وقسوته المطلقة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، محسوبة ومدروسة، كفهد يطبق على طريدته المتمردة. تراجعت قمر إلى خلفها خطوة تلو الأخرى، حتى اصطدم ظهرها بسطح المكتب الخشبي الفاخر، لتجد نفسها محاصرة بين جسده الصلب الذي يبعث طاقة مرعبة وحافة الطاولة التي قطعت عليها كل منافذ الهرب. لم تكن هناك مسافة تذكر بينهما، مسافة تكفي لتشعر بحرارة أنفاسه التي تلامس وجهها، وبتلك الهالة التملكية الطاغية التي تكاد تسحق استقلاليتها وتجردها من إرادتها. ببطء شديد، مد يده الكبيرة، وأمسك بالأوراق من ي
تأججت في عينيها نيران الحقيقة المسحوقة تحت أقدام الأكاذيب، فتحولت دموع الانكسار إلى جمرات مشتعلة تكاد تحرق الهواء المحيط بها. لم تكن خائفة، بل كانت تحترق بغضب جارف يغلي في أعماق روحها كالبركان الثائر. وقفت شامخة رغم رجفة أطرافها، تحاول التقاط أنفاسها المتقطعة التي تشبه شظايا الزجاج الحارق. انحنى هو ببطء مهيب، التقط الأوراق المتناثرة من على الأرض الرخامية الباردة، ووقف بكامل هيبته وطوله الفارع أمامها، ممسكاً بالملف الطبي الذي يحمل تاريخها المسلوب. كانت ملامحه حجرية، خالية من أي تعبير بشري، كأنما خُلق من صخور العالم السفلي وقسوته المطلقة. تقدم نحوها بخطوات بطيئة، محسوبة ومدروسة، كفهد يطبق على طريدته المتمردة. تراجعت قمر إلى خلفها خطوة تلو الأخرى، حتى اصطدم ظهرها بسطح المكتب الخشبي الفاخر، لتجد نفسها محاصرة بين جسده الصلب الذي يبعث طاقة مرعبة وحافة الطاولة التي قطعت عليها كل منافذ الهرب. لم تكن هناك مسافة تذكر بينهما، مسافة تكفي لتشعر بحرارة أنفاسه التي تلامس وجهها، وبتلك الهالة التملكية الطاغية التي تكاد تسحق استقلاليتها وتجردها من إرادتها. ببطء شديد، مد يده الكبيرة، وأمسك بالأوراق من ي
كانت الكلمات المكتوبة بخط يدها على ظهر الصورة بمثابة صاعقة حية ضربت قاع جمجمتها، لتنسف في جزء من الثانية كل قصور الرمل التي بنتها على شاطئ استسلامها الأخير. «ليس من فخخ سيارتي.. بل هو من تلاعب بعقل والدي ليأمره بقتلي! إنه الجلاد الذي يرتدي قناع المنقذ.. لا تصدقي عينيه الزمرديتين أبداً!». ارتجفت أصابعها حتى كادت الصورة تسقط منها على الأرض الخشبية، بينما تحولت أنفاسها المنتظمة منذ قليل إلى لاهث مروع وخائف. هل كان كل ما عاشته من رومانسية طاغية واعترافات دامعة مجرد فصول مسرحية محكمة الصنع كتبها ليزيد من تخدير وعيها؟ هل كان يعلم بكل حرف مكتوب على تلك الصورة، وكان يلعب دور الضحية المنقذ ببراعة شيطان لا يضاهى؟ غرق قلبها في هاوية مظلمة من الشك المهلك، وأدركت أن بقاءها ثانية واحدة بين أحضانه يعني استسلامها التام للموت البطيء. تحولت دمشق الخوف في عروقها إلى طاقة حارقة للتمرد؛ لم تعد قمر تلك الفريسة الهشة التي تبكي على قهرها، بل تحولت إلى امرأة استيقظت على حافة الهاوية ولن ترتضي سوى الحقيقة المطلقة، حتى لو كلفها ذلك حياتها.أدارت رأسها ببطء شديد، وعيناها محملتان بمزيج مدمر من الكراهية والحنين ال
انهارت دموعها كشلال ساخن يحرق وجنتيها. لم يكن حبه لها وليد اختطافها، ولم تكن علاقتهما نتاجاً لغسيل دماغ بعد الحادث. لقد كانا حبيبين، شريكين، وربما أكثر من ذلك بكثير! لقد كانت تعشقه بإرادتها الحرة، وكان هو يشاركها الحياة بكل تفاصيلها قبل أن يتدخل الموت ليفرق بينهما. زلزال من المشاعر المتضاربة ضرب كيانها؛ إذا كانا يعيشان كل هذا الحب الساحر، فما الذي أوصلهما إلى نقطة الدمار؟ لماذا حاول والدها قتلها؟ ولماذا أخفى هو عنها هذا الألبوم وهذا التاريخ المجيد من حبهما، مفضلاً أن يتحمل نظرات الكراهية والشك في عينيها على أن يخبرها بالحقيقة البسيطة: "لقد كنا عاشقين"؟لم تشعر بالباب الخشبي الثقيل وهو يُفتح، ولم تنتبه لخطواته التي توقفت فجأة في منتصف الغرفة. كان البطل قد أنهى تأمين اليخت وعاد ليواجهها، لكنه تسمر في مكانه حين رأى ظهرها المرتجف، ورأى الألبوم الجلدي المفتوح تحت ضوء المصباح. سقطت كل أقنعة القوة والسطوة التي يرتديها زعيم المافيا. انهار الدرع الفولاذي الذي بناه حول نفسه منذ أن فقدت هي ذاكرتها. تقدم نحوها بخطوات متعثرة، لا تشبه خطواته الواثقة التي ترعب أعتى الرجال.حين شعرت بظله يغطيها، التف
تسمرت قمر في مكانها، وكأن صقيع الموت قد زحف من أرضية الغرفة المعدنية ليتسلق ساقيها ويشل كل خلية في جسدها. كانت الكلمات التي انبعثت من جهاز الاتصال تتردد في جمجمتها كقرع أجراس الجحيم، لكن الرعب الحقيقي لم يكن في ذلك الصوت المشوه، بل في الجسد الضخم الذي يسد منفذ النجاة الوحيد. وقف هو في عتمة إطار الباب، يمسك بجهاز الإرسال اللاسلكي الذي انتزعه للتو من حارسه، وعيناه الزمرديتان تشتعلان بظلام لا قاع له، ظلام يبتلع كل ما تبقى من أكسجين في الغرفة الخانقة. لم ينطق بحرف، بل تقدم نحوها بخطوات بطيئة، ثقيلة، ومحسوبة، كفهد يحاصر طريدته على حافة الهاوية. كان كل شيء فيه ينضح بالتهديد؛ سكونه، اتساع صدره الذي يعلو ويهبط بغضب مكبوت، وتلك الهالة المرعبة التي تجعل الهواء يرتجف من حوله. تراجعت قمر لا إرادياً حتى اصطدم ظهرها بلوحة التحكم الباردة، وأنفاسها تتقطع في صدرها كشظايا الزجاج. توقعت أن ينقض عليها، أن يعاقبها على خيانتها وتسللها في جنح الليل، لكنه بدلاً من ذلك، رفع جهاز الإرسال الذي بيده، وبحركة خاطفة وعنيفة، سحقه بضربة واحدة على حافة الطاولة المعدنية، محطماً إياه إلى قطع متناثرة.«هل ترين كيف يتلاعب
كانت القبلة طقساً من طقوس السحر الأسود، مزجت فيها قمر بين برائتها المعهودة وغواية متعمدة أربكت كل حواسه. تذوقت طعم اليود والتبغ على شفتيه، وتوغلت بيديها في خصلات شعره الكثيف، تجذبه إليها بقوة تلغي كل مسافة ممكنة. للحظة واحدة، قاوم عقله هذا الاستسلام المفاجئ، لكن جسده وروحه العطشى إليها خانا كل منطق. انقضت يداه الكبيرتان على خصرها، يرفعها عن الأرض لتلتف ساقاها حول خصره، بينما تحولت قبلته من استجابة متفاجئة إلى اجتياح كاسر، مفترس، يمتص رحيق شفتيها بضراوة رجل وجد واحة بعد سنوات من العطش في صحراء قاحلة.حملها وهي لا تزال معلقة في عنقه وتغدق عليه بقبلات تسلبه إرادته، ومشى بها بخطوات متسارعة، ثقيلة، نحو الجناح الرئيسي المغلق في الطابق السفلي. ركل الباب بقدمه ليفتحه، ودخل بها إلى الغرفة الواسعة الغارقة في الظلال، والتي تضيئها فقط انعكاسات أضواء المصابيح الخافتة على أمواج البحر المتلاطمة خارج النوافذ الدائرية. ألقى بها برفق على الفراش الحريري الواسع، ولحق بها في جزء من الثانية، محاصراً إياها تحت ثقل جسده المشتعل.«هل تدركين ما تفعلينه الآن يا قمر؟» زمجر بصوت أجش، متقطع من فرط اللهاث، وعيناه ت







