ログインلم يستطع كايرن أن يرمش. كانت المرأة تقف أمامه على بعد خطوات قليلة، والظلام المحيط بها جعل ملامحها أكثر وضوحًا بدل أن يخفيها. كان يعرف هذا الوجه، ليس من الصور القديمة ولا من الكلمات التي سمعها من الآخرين، بل من شيء أعمق؛ من ذكريات طفولته، من اليد التي كانت تمسح شعره عندما يخاف، ومن الصوت الذي كان يناديه باسمه عندما يركض بعيدًا عن المنزل. ومع ذلك، كانت كلمات الصوت الذي سمعه قبل لحظات تدور في رأسه بلا توقف: «أول ذكرى تتذكرها عن موتي... كذبة.» قال كايرن بصوت مرتجف: «إذا كنتِ أنتِ... فلماذا قلتِ إن ذكرياتي كذبة؟» لم تجبه المرأة، بل نظرت إلى داريوس. كانت نظرتها طويلة وثقيلة، وكأن بينهما حديثًا قديمًا لم يحتج إلى كلمات. رفع داريوس سيفه وقال: «لا تقترب منها يا كايرن.» التفت كايرن إليه بغضب: «مرة أخرى؟ كلما ظهرت أمامي إجابة تمنعني من الوصول إليها!» قال داريوس: «لأنك لا تعرف ما الذي يقف أمامك.» أجاب كايرن: «لكنني أعرف وجه أمي.»قالت المرأة أخيرًا: «وأنت تعرف أيضًا أنني كنت أحبك.»انخفض سيف داريوس قليلًا.أما كايرن فشعر بشيء ينكسر داخله. لم يكن الصوت مزيفًا هذه المرة
لم يتحرك كايرن. كانت المرأة تقف أمامه في نهاية الممر، وشعرها يتحرك بهدوء رغم أن الأرشيف لم يكن فيه أي مصدر للهواء. كان وجهها واضحًا هذه المرة، الوجه الذي ظل كايرن يبحث عنه داخل ذكرياته منذ أن بدأ كل شيء، الوجه الذي لم يكن يحتاج إلى تفسير حتى يعرف أنه وجه أمه. لكنه لم يستطع الاقتراب منها. شيء في داخله كان يصرخ بأن يتوقف، بينما جزء آخر منه كان يريد الركض إليها كما لو أنه طفل صغير عاد أخيرًا إلى حضنها. قالت المرأة: «كايرن...» ولم يكن صوتها صوتًا قادمًا من ذاكرته هذه المرة، بل بدا وكأنه يخرج من المكان نفسه. ارتجفت يد كايرن، وقال بصوت خافت: «أمي؟» ابتسمت المرأة، ومدت يدها نحوه.لكن داريوس اندفع أمامه.قال: «لا تقترب.»توقفت المرأة.نظر كايرن إلى داريوس بغضب. «ابتعد.»قال داريوس: «هذه ليست أمك.»التفتت المرأة إليه، وابتسامتها اختفت.قالت: «ما زلت تفعل ذلك يا داريوس.»تجمد الرجل ذو الندبة.أما كايرن فلم يفهم. «ماذا تقصد؟»قال داريوس: «الصوت، الشكل، الذكريات... كل شيء يمكن تقليده هنا.»ضحكت المرأة ضحكة قصيرة، وقالت: «لكنك نسيت شيئًا واحدًا.»رفع داريوس سيفه.«ماذا؟»قالت: «كايرن يعرف أمه.»ثم
بقيت كلمات الطفل معلقة في الظلام: «ولم يكن داريوس.» لم يتحرك أحد للحظات، وكأن الأرشيف نفسه توقف عن التنفس. ظل كايرن ينظر إلى الباب المفتوح، بينما كانت أصابعه تقبض على قطعة السيف الخشبي التي وجدها أمامه. لم تكن القطعة كبيرة، لكنها كانت مألوفة بشكل مؤلم؛ كلما نظر إليها شعر بأن شيئًا في داخله يريد أن يتذكر، وفي الوقت نفسه كان هناك شيء آخر يمنعه من ذلك. قال كايرن دون أن يلتفت: «إذن من فعل ذلك؟» لم يجب الطفل. أعاد كايرن السؤال بصوت أعلى، لكن الظلام لم يرد. عندها استدار نحو داريوس وقال: «من محا ذاكرتي؟» رفع داريوس عينيه إليه، وبدا عليه التردد قبل أن يقول: «لا أعرف إن كان من الصحيح أن تعرف الآن.» ابتسم كايرن بسخرية خفيفة وقال: «هذا ما تقوله دائمًا عندما تعرف الإجابة.»تقدم الرجل ذو الندبة نحو الباب، وانحنى ليتفحص الأرض. وجد آثار أقدام صغيرة على الغبار، لكنها لم تكن تتجه إلى الداخل، بل كانت قادمة من ممر جانبي لم يلاحظه أحد من قبل. قال: «هناك ممر آخر.» اقترب داريوس منه، لكنه توقف قبل أن يلمسه. كان على الجدار نقش قديم يشبه العلامة الموجودة على معصم كايرن، إلا أن دائرة صغيرة في وسطه كانت مشطوبة.
بقي كايرن واقفًا أمام الباب نصف المفتوح، عاجزًا عن تحريك قدميه. كان الطفل يقف في الجهة الأخرى من الظلام، صغيرًا إلى درجة جعلت وجوده في ذلك المكان يبدو غير منطقي، ومع ذلك لم يشعر كايرن بالخوف منه كما توقع، بل شعر بشيء أكثر غرابة، إحساس يشبه معرفة شخص لم يره منذ سنوات طويلة. كانت عيناه المختلفتان تحدقان فيه بصمت، ثم ابتسم الطفل ابتسامة صغيرة وقال: «لم تتغير كثيرًا.» لم يعرف كايرن ماذا يجيب، فظل ينظر إليه، بينما جاء صوت داريوس من خلفه: «كايرن... ابتعد عن الباب.» لم يلتفت كايرن إليه. قال للطفل: «من أنت؟» فرد الطفل: «أنت تعرفني.» هز كايرن رأسه وقال: «لا أتذكرك.» عندها اختفت ابتسامة الطفل للحظة، ثم قال: «هذا ما جعلهم ينجحون.»اقترب كايرن خطوة، لكن داريوس أمسك بذراعه بقوة هذه المرة. قال كايرن: «اتركني.» أجابه داريوس: «لا.» التفت كايرن إليه، ورأى في عيني معلمه شيئًا لم يره من قبل؛ لم يكن الغضب ولا الحذر، بل الخوف. قال كايرن: «أنت تعرفه.» أجاب داريوس: «أعرف ما يمكن أن يفعله هذا المكان بالناس.» رد كايرن: «أنا لا أسألك عن المكان.» ساد الصمت، ثم قال داريوس: «هناك أشياء إذا تذكرتها الآن، فلن تستطي
لم يفهم كايرن ما الذي قصده الصوت عندما قال: «لقد تذكر بالفعل»، لكنه شعر في اللحظة نفسها بشيء يتغير داخله. لم يكن ألمًا عاديًا، بل إحساسًا غريبًا بدأ من العلامة الموجودة على معصمه ثم امتد إلى ذراعه وصدره، حتى أصبح تنفسه ثقيلًا وكأن جسده يحاول مقاومة شيء يعرفه هو نفسه ولا يستطيع الوصول إليه. وضع يده على رأسه، وتراجع خطوة، بينما أسرع داريوس نحوه وأمسك بكتفه قائلاً: «كايرن، انظر إليّ.» لكن صوت داريوس بدأ يبتعد، وكأن المسافة بينهما أصبحت أكبر رغم أنه يقف أمامه مباشرة. حاول كايرن أن يجيب، إلا أن الكلمات لم تخرج من فمه، وفجأة انطفأت أصوات الأرشيف كلها.ثم رأى الثلج.كان واقفًا في مكان لا يعرفه، والسماء رمادية، والريح تحمل معها رائحة دخان قوية. لم يكن جسده جسد الصبي الذي يعرفه، بل كان أصغر بكثير، وكانت يد صغيرة تمسك بإصبعه. التفت إلى جانبه فرأى امرأة ترتدي عباءة داكنة، وشعرها يتحرك مع الريح. لم يرَ وجهها بوضوح، لكنه عرفها دون أن يحتاج إلى أن تسأله نفسه من تكون.أمه.سمع صوتها يقول: «لا تخف يا كايرن.»نظر إلى يديها، فوجد نفسه طفلًا صغيرًا بين ذراعيها. كانت تضمه بقوة، لكن جسدها كان يرتجف. لم يف
بقي كايرن واقفًا أمام الباب الحجري، وعيناه مثبتتان على داريوس، بينما كانت الكلمات الأخيرة التي خرجت من خلف الباب تتردد في ذهنه: «قلت لها إنك ستحميه... مهما حدث.» لم يعد يستطيع تجاهل ما سمعه، فكل خيط ظهر أمامه خلال الأيام الماضية كان يقوده إلى النقطة نفسها؛ والدته كانت تعرف داريوس، وداريوس كان يعرف العلامة، والمدينة القديمة لم تكن أول مكان يسمع فيه ذلك الصوت، أما الآن فقد ظهر شيء جديد لم يكن مستعدًا لسماعه، وهو أن داريوس قطع وعدًا لأمه يتعلق به هو شخصيًا. قال كايرن بهدوء: «ماذا وعدتها؟» ظل داريوس صامتًا، وعندما كرر كايرن السؤال لم يتهرب هذه المرة، بل قال: «وعدتها أن أبقيك بعيدًا عن هذا العالم.» نظر كايرن إلى الباب ثم عاد إليه وقال: «لكنك لم تفعل.» أجاب داريوس: «كنت أحاول.» قال كايرن: «كنت تعرف أن العلامة ستظهر، وكنت تعرف أن هذا اليوم سيأتي.» أجابه داريوس: «كنت أعرف أنه قد يأتي، لكنني لم أعرف متى.»اقترب الرجل صاحب السيف القديم من الباب، وأخذ يتفحص العلامة المحفورة عليه. قال: «هناك شيء لا أفهمه. إذا كان هذا المكان مغلقًا منذ أكثر من عشرين عامًا، فكيف يعرف ما حدث بينك وبين أم كايرن؟» لم