Masukالنهار التالي كان هادئًا نسبياً في مدينة النسيم، لكن قلب ليان لم يعرف الهدوء. منذ الحفل البارحة، كانت صور سيف الزين تتكرر في ذهنها بلا توقف، ابتسامته، نظرته الثاقبة، الطريقة التي كان يراقب بها القاعة وكأنها كل شيء بالنسبة له. شعور غريب غمرها، مزيج من الفضول والاهتمام، لم تعرف له اسمًا بعد، لكنه كان واضحًا بما يكفي لتشعر أن هناك شيئًا لم يبدأ بعد، لكنه على وشك الحدوث.
ليان جلست في حديقة فيلا عائلتها، كوب من الشاي بين يديها، والنسيم يداعب شعرها، وعيونها تتابع أوراق الشجر المتلألئة تحت أشعة الشمس. حاولت أن تنسى اللقاء البارحة، لكن كل محاولة فشلت. كل حركة من سيف أمس كانت محفورة في ذاكرتها: طريقة وقوفه، صوته الهادئ عندما همس لصديقه هشام، حتى تلك النظرة العابرة التي أرسلها لها من بعيد. في الوقت نفسه، كان سيف في مكتبه الفخم في مدينة النهر، يراجع مستندات تتعلق بأحد مشاريعه الضخمة، لكن عقله كان يطوف في مكان آخر. صورة ليان لم تغب عن ذهنه، كل تفصيلة فيها كانت حية، ابتسامتها، حركتها الرشيقة، شعورها بالغموض والقدرة على أسر الانتباه دون أي جهد. هشام، الذي كان يجلس بجانبه، لاحظ الصمت المفاجئ على وجه صديقه، وقال بابتسامة ساخرة: “سيف، هل أنت متيقظ أم تفكر في فتاة؟” سيف ابتسم بخفة ولم يرد. لكنه علم أن شيئًا ما بدأ ينمو بداخله، شيء لم يعرفه من قبل، شعور يجمع بين الفضول والانجذاب الحقيقي، شعور يدفعه لمعرفة المزيد عن ليان الراشد. في مساء اليوم نفسه، اجتمعت ليان مع صديقتها ياسمين وبسمة المنصوري في أحد المقاهي الفاخرة في مدينة النسيم، تتبادلن الأحاديث حول الحياة والعمل، لكن الحديث سرعان ما عاد إلى ما لا تستطيع ليان نسيانه: الرجل الغامض من الحفل. ياسمين، بعينيها اللامعتين، قالت مازحة: “أراهن أنك تفكرين به الآن، أليس كذلك؟” ليان حاولت التظاهر باللامبالاة، لكنها ابتسمت بطريقة لا تخفي الفضول، وقالت: “قد يكون… مجرد فضول، لا أكثر.” بسمة ضحكت، وأدخلت روح الدعابة كما اعتادت: “فضول؟ يا ليان، أظن أنه شيء أكثر من مجرد فضول. كل من يراه سيشعر بذلك فورًا!” في تلك اللحظة، لم تكن ليان تعرف أن سيف نفسه يبحث عن فرصة جديدة للقاءها مرة أخرى، فرصة أقل رسمية من الحفل البارحة، فرصة ليقترب بطريقة طبيعية دون أن يبدو أنه يلاحقها. وبالفعل، لم يمض وقت طويل قبل أن يظهر مصادفة في إحدى الحفلات الصغيرة للأصدقاء المشتركين، حيث كانت ليان تتواجد مع ياسمين وبسمة. لم يكن اللقاء مخططًا، لكنه حدث كما لو أن القدر نفسه أراد أن يجمعهما. سيف ابتسم لها من بعيد، ولم يقترب مباشرة، لكنه جعل نفسه واضحًا في المكان، كحضور غير متوقع يضيف شعورًا بالأمان والفضول في نفس الوقت. ليان شعرت به، قلبها ارتجف قليلاً، لكنها تمالكت أعصابها. لم تكن تريد أن يبدو فضولها واضحًا. لحظة قصيرة مرت بينهما، مجرد نظرة، ابتسامة صغيرة، لكنها كانت كافية لتجعلهما يشعران بأن شيئًا ما بدأ يتشكل، شيء أعمق من مجرد إعجاب من بعيد. كانت نبضات قلوبهما متشابكة بصمت، كل منهما يشعر بما يشعر الآخر، دون أن يحتاج إلى أي كلمة. ياسمين، كعادتها، لم تتوقف عن المراقبة، همست لليان: “أظن أن هذه المرة سيبقى معنا أكثر من مجرد لمحة عابرة.” ليان شعرت بالحرج، لكنها لم تستطع إنكار الفضول الذي بدأ يملأ قلبها، وبدأت تدرك أن حياتها لن تعود كما كانت بعد الآن. وبينما كانت الحفلة تستمر، ظهرت بسمة فجأة بجانب ليان وقالت: “انظري، يبدو أن اهتمامه ليس بالصدفة. هل لاحظت كيف يتابعك؟” ليان لم ترد، لكنها شعرت أن كل حركة يقوم بها سيف تزيد من شعورها بالاهتمام والفضول تجاهه، شعور يجعلها تتطلع للقائه مرة أخرى، وللحديث معه، وللتعرف على شخصيته أكثر. ومع نهاية الحفل، وبينما كانت ليان تغادر مع صديقاتها، التقت عيناها بعيني سيف مرة أخيرة، نظرة لم تكن مجرد لقاء عابر، بل رسالة غير منطوقة، رسالة تقول: “أريد أن أعرفك أكثر، وأن أكون جزءًا من حياتك.” ليان شعرت بدفء غريب يملأ صدرها، دفء مختلف عن أي شعور شعرت به من قبل، دفء يجمع بين الاهتمام والفضول، شعور يجعلها تتساءل عن هذا الرجل الغامض، عن حياته، عن قلبه، وعن ما سيحدث بينهما لاحقًا.كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً عندما وصلت ليان إلى الفندق.وقفت أمام المدخل لحظة، تنظر إلى انعكاسها في الزجاج، ثم همست:“اهدئي… فقط لقاء عادي.”لكن قلبها لم يكن عاديًا.دخلت. في الداخل“ليان.”ابتسمت فورًا.“سيف.”اقترب منها، نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل، ثم قال بهدوء:“تبدين… مختلفة الليلة.”رفعت حاجبها:“مختلفة كيف؟”اقترب أكثر:“أقرب.”قلبها خفق.“سيف…”“لا تقولي شيئًا.”خفض صوته:“فقط ابقي.”صمتت… لكنها لم تبتعد.جلسا.النادل وضع القهوة، لكن لا أحد منهما لمسها.ليان نظرت إليه:“هل تحدثت مع روان؟”سيف تنهد:“نعم.”“و؟”“وضعت حدودًا.”“هل تقبلت؟”ابتسم بسخرية خفيفة:“لا.”ليان تنهدت:“كنت أعلم.”“لكن هذا لن يغير شيئًا.”“أتمنى.”سيف اقترب قليلًا، صوته أصبح أهدأ:“أنا لا أقول أشياء لا أستطيع فعلها.”نظرت إليه طويلاً…ثم قالت:“أنا أصدقك.”هذه الجملة… غيّرت كل شيء.سيف مد يده ببطء…وأمسك يدها.هذه المرة… لم تكن خفيفة.كانت ثابتة.واضحة.ليان نظرت إلى يدهما… ثم إليه.لم تسحب يدها.بل شدّت عليها قليلًا.“ليان…”صوته كان مختلفًا.“ماذا؟”اقترب أكثر… المسافة بينهما اختفت تقريبًا.“
كانت خطوات ليان سريعة…أسرع مما اعتادت عليه.لم تكن تهرب… لكنها أيضًا لم تكن قادرة على التوقف.“ليان!”صوت سيف لحق بها أخيرًا.توقفت.لكنها لم تلتفت فورًا.أخذت نفسًا عميقًا… ثم استدارت.“ماذا تريد؟”صوتها كان هادئًا… لكنه بارد.اقترب منها سيف، ملامحه متوترة لأول مرة:“أريد أن تشرحي لي لماذا رحلتِ بهذه الطريقة.”ضحكت بخفة… ضحكة قصيرة بلا روح:“أنا؟ أنا من يجب أن يشرح؟”“نعم.”“جيد.”اقتربت خطوة، نظرت في عينيه مباشرة:“من هي روان بالنسبة لك؟”سيف صمت لثانية…“قلت لكِ… هي—”قاطعته بسرعة:“لا تكرر ما قلته أمامها.”صمت.ليان تابعت:“أريد الحقيقة… بدون تجميل.”سيف مرر يده في شعره بتوتر:“روان عاشت معنا منذ طفولتها… أمي تعتبرها ابنتها.”“وأنت؟”“أنا…”توقف.ليان ضيّقت عينيها:“أكمل.”“كنت أعتبرها أختًا.”ليان ابتسمت بسخرية خفيفة:“كنت؟”سيف:“الأمور تغيرت.”“كيف؟”“هي… لم تعد ترى الأمر كما أراه أنا.”صمتت ليان لحظة… ثم قالت:“واضح.”سيف اقترب أكثر:“ليان، اسمعيني—”“لا.”رفعت يدها لتوقفه:“أنا لا أريد أن أكون في علاقة فيها طرف ثالث… حتى لو كان يعيش في بيتك.”“هي ليست طرفًا بيننا.”“لكنها تت
كانت ليان تقف أمام المرآة، تعدل خصلات شعرها بتوتر واضح.قالت ياسمين وهي تراقبها:“هذا ليس لقاء عادي، صحيح؟”ليان تنهدت:“لا أعرف… سيف طلب أن نلتقي.”ابتسمت ياسمين:“وهذا يجعلك ترتجفين هكذا؟”“أنا لا أرتجف.”“حقًا؟ يدكِ تقول غير ذلك.”نظرت ليان إلى يدها… كانت ترتعش فعلًا.“أنا فقط… لا أعرف إلى أين نحن ذاهبون.”ياسمين اقتربت منها:“إلى الحب يا غبية.”ليان لم تضحك هذه المرة.بعد قليل – في مدينة النهروقفت ليان أمام المبنى، رفعت نظرها للأعلى، ثم تمتمت:“لماذا طلب مني أن آتي إلى هنا؟”قبل أن تتحرك—“ليان.”التفتت فورًا.سيف.ابتسمت دون وعي:“تأخرت.”اقترب منها:“كنت أراقبك.”رفعت حاجبها:“تراقبني؟”ابتسم بخفة:“كنت أريد أن أرى… إن كنتِ ستغادرين.”“ولماذا سأفعل؟”اقترب خطوة:“لأنكِ تخافين.”نظرت إليه مباشرة:“أنا لا أخاف منك.”“أعرف.”“إذن؟”“تخافين مما أشعر به تجاهك.”صمتت…ثم قالت:“وأنت؟”“أنا لا أخاف.”فجأة…“سيف!”الصوت كان أنثويًا… مألوفًا له.لكن ليس لها.التفت سيف.وتجمد.ليان لاحظت ذلك فورًا:“من هذه؟”الفتاة اقتربت بسرعة… بثقة.عيونها كانت مثبتة على سيف فقط.“اشتقت لك.”ثم—احتضنت
لم تكن ليان تعلم أن الهدوء الذي بدأت تشعر به… كان مجرد استراحة قصيرة قبل عاصفة لا تشبه أي شيء مرّت به من قبل.في ذلك الصباح، استيقظت وهي تبتسم دون سبب واضح، لكنها كانت تعرف جيدًا من يقف خلف هذا الشعور. سيف لم يعد مجرد اسم في حياتها، بل أصبح حضورًا ثابتًا، فكرة لا تغيب، وصوتًا يتردد داخلها حتى في لحظات صمتها.لكن في مكان آخر…كان هناك من عاد.✦ في منزل عائلة الزين – مدينة النهرصوت الباب الكبير يُفتح ببطء، وخطوات خفيفة تدخل المكان وكأنها تعرفه جيدًا، وكأنها لم تغب عنه يومًا.وقفت أمام المدخل، عيناها تتجولان في التفاصيل، الجدران، السلالم، رائحة المكان…“اشتقت…”قالتها بصوت منخفض.“روان؟!”صوت نجوى الزين جاء من الداخل، مليئًا بالدهشة، ثم تحوّل إلى فرح واضح وهي تقترب بسرعة.“روان! متى عدتِ؟ ولماذا لم تخبرينا؟”ابتسمت الفتاة برقة، وارتمت في حضنها:“أردت أن أفاجئكم.”نجوى أمسكت وجهها بحنان:“كبرتِ… لكنكِ ما زلتِ كما أنتِ.”همست روان:“أنا لم أتغير… أنا فقط عدت إلى بيتي.”✦ بعد قليلدخل سيف المنزل، وهو يراجع رسالة على هاتفه، لكنه توقف فجأة عندما رأى المشهد أمامه.نجوى تبتسم… وفتاة تقف بجانبه
كانت ليان أول من ابتعد هذه المرة…خطوة صغيرة إلى الخلف، لكنها لم تكن هروبًا، بل محاولة لالتقاط أنفاسها التي اختلطت بشيء لم تعد قادرة على تسميتهنظرت إلى سيف، عيناها تبحثان عن توازن لم يعد موجودًا، وقالت بنبرة خافتة:أعتقد أننا… نتقدم بسرعةسيف لم يتحرك بقي مكانه، يراقبها وكأن كل حركة منها تعني له شيئًاوهل هذا يزعجكِ؟ سأل بهدوءليان ترددت، ثم قالت:لا… لكني لا أريد أن أكون مجرد… لحظةاقترب خطوة، صوته أصبح أكثر جدية:وهل أبدو لكِ كرجل يعيش لحظات فقط؟هزت رأسها فورًا:لا… هذا ليس ما أقصدهإذن ماذا تقصدين يا ليان؟صمتت للحظة، ثم قالت بصراحة أربكت حتى نفسها:أخاف أن أعتاد عليكهذه المرة… سيف ابتسم.لكنها لم تكن ابتسامة عابرة، بل مزيج من الراحة والدهشة.وأنا… قالها ببطء، أخاف أن لا أراكِ كفايةتلاقت أعينهما مجددًا، لكن قبل أن تتصاعد اللحظة أكثر رن هاتف لياننظرت إلى الشاشة، ترددت، ثم أجابت:نعم بابا…صوت والدها كان واضحًا حتى من بعيد:ليان، أين أنتِ؟ كنا ننتظرك على العشاءأجابت بسرعة:أنا في طريقي، تأخرت قليلًا فقطأنهت المكالمة، ثم نظرت إلى سيف:يجب أن أذهبسيف أومأ، لكنه قال قبل أن تبتعد
لم يكن ما حدث في المعرض مجرد موقف عابر يمكن تجاوزه بسهولة، على الأقل ليس بالنسبة لليان. منذ تلك اللحظة التي وجدت نفسها فيها بين ذراعي سيف، وهي تشعر بأن شيئًا ما تغيّر داخلها، شيء أصبح أوضح، أقرب، وأكثر تأثيرًا مما كانت تحاول إنكاره.لكن أكثر ما أربكها… لم يكن قربه.بل نظرته.تلك النظرة التي لم تكن مجرد قلق عليها، بل كانت تحمل شيئًا آخر، شيئًا لم تخطئه هذه المرة… غيرة صامتة، لكنها عميقة.في طريق عودتها إلى المنزل، لم تتوقف عن التفكير، كلمات لم تُقال، مشاعر لم تُفسر، وموقف بسيط قلب هدوءها الداخلي رأسًا على عقب.أما سيف… فلم يكن حاله أفضل.في تلك الليلة، لم يستطع البقاء في مكتبه كعادته، خرج يقود سيارته بلا هدف واضح، شوارع مدينة النسيم تمر من حوله، لكن عقله كان عالقًا في مشهد واحد فقط: ليان… تقف بجانب رائد.ذلك القرب، ذلك الحديث، تلك النظرة التي لمحها في عيني رائد، كل شيء داخله رفض الفكرة، رفض أن تكون جزءًا من عالم رجل آخر، حتى وإن لم يكن هناك شيء حقيقي بعد.توقف فجأة عند جانب الطريق، أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه يحاول السيطرة على هذا الشعور الجديد عليه… شعور لم يعتد عليه، لكنه لم يستطع تجاهله







