Share

الفصل 3

Author: Samar
last update publish date: 2026-03-31 03:01:05

صباح مدينة النهر كان مختلفًا في هذا اليوم؛ أشعة الشمس الذهبية تسللت عبر نوافذ المكتب الفخم لسيف الزين، لتضيء أوراقه المرتبة بعناية على الطاولة، وتنعكس على الحائط العاكس كلوحة فنية لا تحمل أي تشويش. المكتب، الذي لطالما اعتبره مكانًا للعمل الجاد واتخاذ القرارات المصيرية، بدا هادئًا بشكل غير معتاد، وكأن المدينة كلها توقفت للحظة لتتركه وحده مع أفكاره.

سيف جلس على كرسيه الجلدي الفخم، أصابعه تتلمس قلمًا معدنيًا فاخرًا بينما كانت عيناه تتابع تقارير السوق الأخيرة. كل اجتماع، كل رقم، وكل قرار كان جزءًا من عالمه الذي يعرفه جيدًا، لكنه اليوم لم يستطع التركيز الكامل. حتى في أكثر اللحظات روتينية، كانت فكرة عن فتاة بعينين عسليتين ترفض مغادرة ذهنه. ليان.

لم يكن يعرف ماذا جذبها إليه بهذه الطريقة، لم يكن مجرد جمالها، بل شيئًا أعمق. ابتسامتها التي لا تُنسى، الطريقة التي تسللت بها إلى أعماقه، والأهم من ذلك، اهتمامها البسيط الذي لم يكن مبالغًا فيه لكنه كان كافيًا ليشعل شعورًا بداخله لم يعرفه من قبل.

هشام الكيلاني دخل المكتب بابتسامة عريضة، حاملاً فنجانين من القهوة، وكأنه يعرف تمامًا أن صديقه سيحتاج إلى دفعة إضافية في هذا الصباح. “يبدو أنك غارق في الأوراق أكثر من المعتاد اليوم،” قال هشام وهو يضع الفنجان على المكتب.

سيف ابتسم بخفة دون أن يرفع عينيه عن الأوراق، ثم أجاب: “ليس غارقًا، فقط مركّز. لكن… هناك شيء يشغلني أكثر من هذه الأرقام.”

هشام رفع حاجبه بفضول، لكنه لم يسأل، لأنه يعرف أن سيف عندما يتحدث عن شيء شخصي، يختار الوقت المناسب للكشف عنه. مجرد وجود هشام في المكتب أضاف بعض الراحة إلى جو الصمت، وسمح لسيف بأن يطلق العنان لأفكاره بعيدًا عن صخب الاجتماعات والمواعيد.

خلال اليوم، التقى سيف بعدد من الشخصيات المهمة في عالم الأعمال، كل منهم يسعى للحصول على اهتمامه أو توقيعه على اتفاقيات مربحة. لكنه لم يستطع التركيز الكامل على هذه الاجتماعات. كل كلمة يسمعها، كل حركة يراها حوله، كانت تذكره بطريقة ما بليان؛ ربما طريقة حرص أحد الزملاء على تقديم نفسه أو ابتسامة عابرة لأحد الحضور، أي شيء صغير كان يكفي ليعيد صورة ليان إلى ذهنه.

في منتصف النهار، بينما كان يجلس على الشرفة المطلة على النهر، احتسى كوبًا من القهوة وهو يراقب حركة المدينة أسفل التلال، شعر بشيء لم يشعر به من قبل؛ شوقًا خفيفًا، رغبة في معرفة المزيد عن حياة ليان بعيدًا عن نظرات الحفل، عن ضحكاتها، عن أفكارها.

لحظات صمت كهذه كانت تكشف له جانبًا جديدًا من نفسه، جانبًا لطيفًا ومهتمًا، لم يظهر في عالم الأعمال المليء بالقوة والصرامة. كان هذا الجزء منه مخصصًا فقط لأولئك القادرين على لفت قلبه، وكان واضحًا أن ليان استطاعت ذلك بطريقة لم يكن يتوقعها.

وفي وقت لاحق من اليوم، بينما كان يسير في شوارع مدينة النهر، صادف فتاة في المقهى تشبه ليان في بعض تفاصيلها؛ حركة شعرها، نظرة عيونها العابرة. لحظة قصيرة من الدهشة مرت عليه، لكنه ابتسم لنفسه وأكمل طريقه، مدركًا أن لا أحد يمكنه أن يحل محل التفكير في ليان.

لكن الحياة لم تكن لتدع سيف يعيش فقط مع أفكاره؛ رائد السلايمي، منافسه الوسيم في عالم الأعمال، ظهر فجأة في اجتماع تجاري مهم. حضور رائد كان كالإبرة في قلب سيف؛ مزيج من التحدي والتهديد الخفي. رائد لم يكن مجرد منافس، بل شخص يعرف كيف يثير الغيرة ويضع ضغطًا إضافيًا على كل خطوة يقوم بها سيف. لكن سيف، كما هو دائمًا، تصرف بثقة، استخدم ذكاءه وخبرته ليحافظ على زمام المبادرة في الاجتماع، بينما كان كل جزء من تفكيره يعود إلى ليان، إلى هذا الاهتمام الذي بدأ يملأ قلبه ببطء.

بنهاية اليوم، جلس سيف في مكتبه مرة أخرى، دفتر ملاحظاته أمامه، يفكر في القرارات التي اتخذها، والاتفاقيات التي أنهتها، لكنه لم يستطع التوقف عن التفكير في ليان، في تلك النظرات العابرة، في الفضول الذي بدأ يتسلل إلى قلبه. لم يكن يعرف متى سيقابلها مجددًا، لكنه شعر بارتباط غامض يبدأ في النمو، شعور لم يكن مجرد إعجاب، بل رغبة صامتة في أن يعرفها أكثر، في أن يكون جزءًا من حياتها

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أشتهيك بجنون   الفصل 17

    لم تكن الشمس في ذلك اليوم ساطعة كما اعتادت، بل بدت وكأنها تخفف من وهجها، احترامًا لقلبٍ بدأ أخيرًا يلتقط أنفاسه. وقفت ليان أمام المرآة، تتأمل انعكاسها بهدوء. لم تعد تلك الفتاة التي كانت قبل يومين… شيءٌ ما داخلها تغيّر، ليس شفاءً كاملًا، بل بداية تماسك. تناولت هاتفها بعد ترددٍ قصير، ثم اتصلت: "بسمه؟" جاءها الصوت المألوف مليئًا بالحياة: "ليان! أخيرًا! أين اختفيتِ؟!" ابتسمت ليان بخفة: "أحتاج أن أخرج… نلتقي أنا وأنتِ وياسمين؟" بعد ساعة، كانت تجلس مع بسمه وياسمين في "مقهى الساحل"، حيث تختلط رائحة القهوة بنسمات البحر، وكأن المكان صُمم ليخفف ثقل الأرواح. نظرت إليها ياسمين بتركيز: "الآن… أخبرينا. ماذا حدث؟" تنهدت ليان، وكأنها كانت تحمل الكلمات في صدرها منذ زمن: "انتهى كل شيء بيني وبين سيف مجرد نزوه عابره" عادي ... تبادلت الصديقتان نظرة سريعة. "كيف؟" سألت بسمه بقلق. أجابت ليان بصوتٍ هادئ، لكنه يحمل خلفه الكثير: "ببساطة… لا أريد الاستمرار. ما حدث مع روان… كان كافيًا لأفهم أن هذه العلاقة لن تكون طبيعية أبدًا." رفعت ياسمين حاجبها: "روان؟ أخته؟" ابتسمت ليان بسخرية خفيفة: "ليست أخته كما

  • أشتهيك بجنون   الفصل 16

    يومان كاملان قضتهما في المنزل، تتنقل بين غرفتها والنافذة، تراقب المدينة من بعيد، وكأنها تراقب حياة لا تخصها. حاولت أن تقنع نفسها مرارًا أن ما حدث بينها وبين سيف لم يكن سوى نزوة عابرة، تعارف سريع انتهى قبل أن يبدأ. كانت تردد ذلك بصوتٍ خافت، وكأنها تحفظ جملةً لتصدقها لاحقًا.لكن المشكلة لم تكن في الكلمات… بل في الصور.صورة سيف وهو يبتسم لها، صوته عندما ناداها باسمها، نظراته التي كانت أعمق من أن تُفهم بسهولة… كل ذلك كان يعود إليها بلا استئذان، يقتحم تفكيرها كضيفٍ ثقيل لا يعرف المغادرة.أغمضت عينيها بقوة، وهمست لنفسها: "انتهى الأمر يا ليان… يجب أن ينتهي."في الجهة الأخرى، لم يكن سيف أفضل حالًا.كان هاتفه بين يديه منذ الصباح، يحدق في شاشةٍ لم تتغير. عشرات المكالمات التي لم يُرد عليها، ورسائل لم تُقرأ. لم يكن معتادًا على هذا الشعور… شعور العجز.ليان لم تكن مجرد فتاة عابرة بالنسبة له، ولم يستطع أن يفهم كيف اختفت بهذه البساطة، وكأنها لم تكن موجودة أصلًا.مرر يده في شعره بضيق، ثم نهض فجأة. لم يعد يحتمل هذا الفراغ، ولا هذا الصمت.اتجه نحو غرفة والدته.كانت والدته تجلس بهدوء، تحتسي شايها كعادته

  • أشتهيك بجنون   الفصل 15

    في صباح اليوم التالي استيقظت ليان على صوت العصافير و شعرت ببروده في جسدها و بعض الحمّى ، لم تجد غطاء على جسدها و نظرت الى مصدر البروده و شعرها قد بلّل وسادتها ااااااه يبدو انني نسيت اغلاق النافذه ليلة أمس ، يبدو انني اصبت بالزكام ... التقطت سماعة الهاتف الارضي بجانب سريرها و طلبت رقم المطبخ.. ردت الخادمه هنيّه على الهاتف بلطف وقالت ليان هنيّه اريد عصير الليمون الدافئ مع العسل يبدو انني اصبت بالزكام ... ردت الخادمه: أمرك سيدتي الصغيره ، قالت هنيّه كم احبك يا ليان لقد ورثتي اللطف من إنّك و الجمال ... بحثت ليان عن هاتفها و لم تجده ، نهظت عن السرير و شعرت بالتعب و الألم يسري في جسدها تحدّث نفسها هل كل هذا زكااام !!! وجدته في حقيبتها و قد تركتها بجانب باب غرفتها أخذت هاتفها و تفاجأت عندما رأت عشرات المكالمات من سيف و ابتسمت بمراره ، دخلت على القائمه و قامت بحظر رقمه و قالت للأبد " ألم ساعه خير من ألم عام ، رمت هاتفها و استلقت على سريرها و غطت جسدها شعرت وكأن القشعريره تسري في عظامها .. سمعت دقات متتاليه خفيفه على باب غرفتها عرفت انها الخادمه.. ليان: ادخلي يا هنيّه الخادمه : تفضلي

  • أشتهيك بجنون   الفصل 14

    اقترب سيف من روان و مد يده يضغط على ساعدها و همس لها : إن لم تكفّي عن هذا سترين ما لا يسرّك ابداً ،اغرورقت عينا روان بالدموع كانت دموع القهر و الحقد معاً .. فتحت فمها لتتحدث ولكنه قاطعها قائلاً: انا اعتبرتك اختي منذ الطفوله وفي طبيعة الحال كبرنا تبقين اختي أرجو ان تفهمي هذا ، ولكن ما تغيّر هو أنه لم نعم اولئك الطفلين الذين كانا يلعبان معاً و لا يحق لك الاقتراب مني و التصرف بذلك القرب امام اي احد لتتذكري دائماً انكِ لستِ من لحمي و دمي ... تألمت روان من كلامه ولكن لم يظهر ذلك على وجهها و أخفت مشاعرها بمهاره و في رأسها صورة وجه ليان و أصرارها على التفرقه بينهما .. رفعت روان رأسها تنظر لعيني سيف تحدّق به ولم تسمح لدموعها بالنزول و تظاهرت بالبراءه كفتاة مطيعه و قالت حسناً يا اخي لن اكون بينكما بعد الآن و غادرت وفي داخلها نار تشتعل .. جلس سيف على الكرسي ينظر الى ظهر روان وهي تغادر و هو يشعر بالإشمئزاز من تصرفها استند بظهره على الكرسي و امسك بهاتفه يطلب رقم ليان و لكن لم يكن هناك إجابه عدة مرات و قلبه امتلأ بالخوف انه فقدها ...مشان ليان في شوارع المدينه التي ازدحمت بالمارّه و الأنوار ال

  • أشتهيك بجنون   الفصل 13

    كانت الساعة تقترب من الثامنة مساءً عندما وصلت ليان إلى الفندق.وقفت أمام المدخل لحظة، تنظر إلى انعكاسها في الزجاج، ثم همست:“اهدئي… فقط لقاء عادي.”لكن قلبها لم يكن عاديًا.دخلت. في الداخل“ليان.”ابتسمت فورًا.“سيف.”اقترب منها، نظر إليها من الأعلى إلى الأسفل، ثم قال بهدوء:“تبدين… مختلفة الليلة.”رفعت حاجبها:“مختلفة كيف؟”اقترب أكثر:“أقرب.”قلبها خفق.“سيف…”“لا تقولي شيئًا.”خفض صوته:“فقط ابقي.”صمتت… لكنها لم تبتعد.جلسا.النادل وضع القهوة، لكن لا أحد منهما لمسها.ليان نظرت إليه:“هل تحدثت مع روان؟”سيف تنهد:“نعم.”“و؟”“وضعت حدودًا.”“هل تقبلت؟”ابتسم بسخرية خفيفة:“لا.”ليان تنهدت:“كنت أعلم.”“لكن هذا لن يغير شيئًا.”“أتمنى.”سيف اقترب قليلًا، صوته أصبح أهدأ:“أنا لا أقول أشياء لا أستطيع فعلها.”نظرت إليه طويلاً…ثم قالت:“أنا أصدقك.”هذه الجملة… غيّرت كل شيء.سيف مد يده ببطء…وأمسك يدها.هذه المرة… لم تكن خفيفة.كانت ثابتة.واضحة.ليان نظرت إلى يدهما… ثم إليه.لم تسحب يدها.بل شدّت عليها قليلًا.“ليان…”صوته كان مختلفًا.“ماذا؟”اقترب أكثر… المسافة بينهما اختفت تقريبًا.“

  • أشتهيك بجنون   الفصل 12

    كانت خطوات ليان سريعة…أسرع مما اعتادت عليه.لم تكن تهرب… لكنها أيضًا لم تكن قادرة على التوقف.“ليان!”صوت سيف لحق بها أخيرًا.توقفت.لكنها لم تلتفت فورًا.أخذت نفسًا عميقًا… ثم استدارت.“ماذا تريد؟”صوتها كان هادئًا… لكنه بارد.اقترب منها سيف، ملامحه متوترة لأول مرة:“أريد أن تشرحي لي لماذا رحلتِ بهذه الطريقة.”ضحكت بخفة… ضحكة قصيرة بلا روح:“أنا؟ أنا من يجب أن يشرح؟”“نعم.”“جيد.”اقتربت خطوة، نظرت في عينيه مباشرة:“من هي روان بالنسبة لك؟”سيف صمت لثانية…“قلت لكِ… هي—”قاطعته بسرعة:“لا تكرر ما قلته أمامها.”صمت.ليان تابعت:“أريد الحقيقة… بدون تجميل.”سيف مرر يده في شعره بتوتر:“روان عاشت معنا منذ طفولتها… أمي تعتبرها ابنتها.”“وأنت؟”“أنا…”توقف.ليان ضيّقت عينيها:“أكمل.”“كنت أعتبرها أختًا.”ليان ابتسمت بسخرية خفيفة:“كنت؟”سيف:“الأمور تغيرت.”“كيف؟”“هي… لم تعد ترى الأمر كما أراه أنا.”صمتت ليان لحظة… ثم قالت:“واضح.”سيف اقترب أكثر:“ليان، اسمعيني—”“لا.”رفعت يدها لتوقفه:“أنا لا أريد أن أكون في علاقة فيها طرف ثالث… حتى لو كان يعيش في بيتك.”“هي ليست طرفًا بيننا.”“لكنها تت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status