Masukتقصى عنها جيدا وعلم أين تكون. ومثل ثعلب ماكر يحوم حول فريسته ويراقبها بالخفاء ليغدر بها، انتظر عزت خلو العيادة حيث تعمل والليل أطلق استاره السوداء منذ زمن والسكون عم الأجواء، عبر إليها بخفة خطوات لم تدركها أذنيها، وهي تهم بضم ضلفتي النافذة وتغلق الباب لترحل من العيادة بعد رحيل الطبيب گ العادة، لكن بسرعة البرق غافلها وهو يقيد ساعديها بقوة من الخلف مكممًا ثغرها حتي يمنع صراخها واستغاثتها منه، فاغتال أوصالها الهلع وهي تقاومه گعصفورة لا حول لها ولا قوة، قبل أن يصلها فحيح صوته الهامس: بقى أنا تسيبيني وتخونيني وتلبسيني العمة عشان تطلقي مني وتشوهي صورتي قصاد كل الناس يا أشرقت. انزعجت حين سمعته صوته وحاولت التملص منه بكل قوتها دون جدوة وهو يواصل فحيحه المتوعد: واللي خلق الخلق لاعلمك الادب يا أشرقت، ولا كنتي فاكراني هسيب تاري منك واختفي من حياتك بالسهولة دي؟ لا يا حلوة، ان مكنتش أحرق روحك واعلم عليكي علامة مش تنسيها طول عمرك. مبقاش أنا عزت.! أصوات مخيفة تعرفها أُذناها لا تزال تنعق من بعيد. تطرد أسراب حمائمها البيضاء من سمائها المرصعة بالنجوم. خدعها وجه البحر الهاديء الذي لجأت إليه
تعلقت الأسئلة الدائرة داخلها دون إجابة. هزمها النوم أخيرا لتنسدل جفنيها وتغط في النوم. وللعجب تسربت صورته لصفحة عقلها الغائب دون إرادة. ونظراته الدافئة تخترقها گ يهم يعرف طريقه شعرت كأنها تراه حقيقة لا في حلم كاذب. نظرة كانت تحتاج مثلها بشدة في الماضي. والأن تزهدها بنفس القدر. رحل أخر مريض بالعيادة، لتلج للطبيب قائلة بحماس: _ ما شاء الله يا دكتور مصطفى، العياده انهارده كانت مليانه ربنا يعلي صيتك كمان وكمان، ويجعلك سبب لتخفيف الألم عن الناس. ابتسم الطبيب الشاب بوقار: ده وشك هو اللي حلو عليا يا أشرقت، من يوم ما اشتغلتي معايا والعيادة مبتخلاش. _ ربنا يعزك يا دكتور، و يشفي علي ايدك كل مريض. _اللهم امين "واستطرد": هو في مرضى تاني برة؟ هزت رأسها نافيا: لا يا دكتور مفيش. قال وهو ينهض من خلف مكتبه: تمام، معلش اخرتك انهارده عن معادك كان المفروض تمشي من ساعة بس انتي شوفتي ازي العياده كانت على اخرها _ قول الله اكبر يا دكتور انا ما عنديش مشكله اني اتاخر مدام في شغل، وخالتي عارفة اني أوقات بتأخر _طيب تعالي اوصلك في طريقي. رفضت بعزة نفس: معلش يا دكتور مش هينفع، امشي حضرتك و م
بحزن فاضت لزوجها برفض أشرقت الحاسم ليهتف بحكمة: _ده كان احتمال متوقع يا "سمية"، اعذريها بنت اختك اتعقدت من جوزها بعد المرار اللي عاشته معاه، طبيعي ترفض فكرة الجواز دلوقت، دي زي سجين فضل محبوس سنين وسنين وما صدق شم نسايم الحرية وحس انه عايش، أشرقت بتحاول تبني نفسها من جديد من غير ما تحس انها محوجة لحد، عايزة تحس انها قوية لوحدها، علتها وندبة العمر كله كانت بإيد راجل، مش ببساطة هتوافق علي رضا او غيره؟ قالت بصوت يغلفه الكثير من الشجن: _ والله فاهمة كلامك ده يا "سلامة" بس لحد امتي؟ انا زي أمها و عايزة اطمن عليها قبل لما اموت. ربت علي ظهرها بحنان: بعد الشر عنك ما تقوليش كده، كل شيء باوانه وبحكمته، ربك قادر يفرجها من عنده. دوام الحال من المحال، وكل يوم هو في شأن. تنهدت بقولها: ونعم بالله يا حاج، ربنا يسمع منك ويبدل حالها ويفتح قلبها للدنيا من تاني. استيقظت أشرقت تستعد لعملها بوجه متجهم أفكارها لم ترحمها طيلة الليل ولا تذكر متى نامت بهدوء غادرت البيت مترجلة بشرود طفيف وعقلها تتصارع خواطره، خانتها خطواتها ولم تنتبه لوصولها حيث مطعم ذاك الرجل، وقفت تنظر من بعيد ورائحة الأقراص الخضرا
توجه بنفس التوقيت للمقهي التي يجلس بها العم ليباغته بقراره الأخير دون تردد: عمي سلامة، أنا بعيد عليك طلبي و رغبتي تاني في الجواز من أشرقت، مهما كانت ظروفها و حياتها قبلي ماتهمنيش، أنا هبتدي معاها حياة جديدة هنعيشها بما يرضي الله، أنا لسه شاريها يا عمي واتمني يكون بيني وبينها نصيب. فاض بمكنون قلبه الذي يزغرد فرحا لقراره ليدرك "رضا" أنه لن يقوي علي معاندة خافقه أقدارهما تتضافر ولم يبقي سوي أن تمنحه قولها الفارق صار بين أناملها مصيره إما أن تجعله أسعد رجال الأرض بها وتعطيه فرصته. أو تلقي به في غياهب جحيم هجرها دون رحمة. ------- "حمائم" فرحته ترفرق فرحًا بسائر روحه مجرد قراره باستئناف طلبها من جديد أورثه سعادة لا توصف خفقات قلبه كأنها تدق طبولا وعين خياله تزف إليه بشرى موافقتها عليه. أشياء جميلة تدفق بمخيلته التي ترى وجهها الأن بين يديه، تغفو على كتفه و " تُطرب" بدقات خافقه المستكينة عليه. لكن بغتة هتز صورة الأمل بعيناه قليلا. أيمكن ألا تحقق أحلامه تلك إن رفضته أشرقت؟ لماذا؟ أي شيء يعيبه لترفض زيجته؟ الخوف من تكرار تجربتها السابقة؟ من جديد تهتز صورة الأمل دا
أخذ عطلة اليوم من عمله شاعرا بحاجته الماسة للاختلاء بنفسه والهدوء قليلا ليأخذ قراره، معتمدا علي من يدير مطعمه بدلا منه. سوف يجرب أن يكف عن انتظارها كل صباح. وألا يضعف ويذهب ليراها مثل مراهقًا يتلصص علي صغيرته لينال نظرة رضا، سوف يمارس أشياء أخري اليوم، ربما عليه الاهتمام أكثر بصغاره واللعب معهم، ربما يأخذهم في نزهة قصيرة تبدد كآبته وتشتت تفكيره الدائم في أشرقت. البهجة التي افترشت وجه صغاره جعلته يتأكد انه كان علي صواب حين منحهم مزيدا من وقته، هما يحتاجانه دائما، ساعدهما بتحصيل دروسهما أولا ثم كافأهما بنزهة قصيرة ليشتروا حلواهم المفضلة. _ اتبسطوا يا حبايبي؟ رحمة الأكبر عمرا: اتبسطنا خالص خالص. ليتبعها الصغير مازن: هتخرجنا تاني وتجبلنا حاجات حلوة؟ منحه ابتسامة حانية وهو يربت علي رأسه: طبعا يا ميزو، الاسبوع الجاي هاخد يوم أجازة برضو واخرجكم. ما أن اغلق باب شقته حتى وجد من يطرقه، فعاد ليتبين الطارق الذي كان جاره الحاج "حافظ"، وجهه الشاحب اقلق رضا الذي تسائل سريعا: خير يا عم حافظ مالك؟ عندك مشكلة؟ كشف الرجل عن سبب قلقه: الحاجة تعبانة شوية يا ابني، "العيا" شادد عليها ومش قادرة ت
" عاملة ايه انهاردة يا أشرقت؟" ابتسمت ببعض الشحوب لرفيقتها التي أتت تزورها: الحمد لله يا دينا احسن، والله وحشتيني. _ أنتي أكتر يا حبيبتي، بجد سبتي ليا فراغ كبير في الصيدلة، بقولك ايه انتي لازم ترجعي بكرة انتي بقيتي كويسة أهو. أومأت لها ببعض الوهن: إن شاء الله هرجع، أنا زهقت من قعدة البيت. ابتهج وجه الفتاة مع صياحها: أيوة بقا هو ده الكلام، خلاص منتظراكي بكرة عشان عندي ليكي حكاوي كتير حصلت بيني انا وخطيبي. من جديد هزت رأسها بنصف ابتسامة: بإذن الله. رحلت رفيقتها واضجعت أشرقت علي فراشها بخمول لا يعكس بركان أفكارها الثائر بضميرها، منذ أن سمعت صدفة حوار خالتها و العم سلامة عن عريس تقدم إليها، و نفرت عروقها غضبا كاد يجعلها ترتكب حماقة فتقتحم غرفتهما معلنة رفضها في التو، لولا أن سمعت من العم ان الرجل ربما يرفض هو زيجتها بعد ان علمه بظروفها، لم تدري من هو هذا الشخص ولا يهم، مهما كان شخصه. فطريقه معها مسدود بجبال "صد" لن تنهزم أبدا. ________ أتت الأميرة تشق طريقها من جديد بين زبائنه. أتت وهيبة جمالها الأثر لا تزال طاغية مسيطرة علي قلبه العنيد، عيناها ذابلة گ أوراق الخريف.







