Compartir

خروج تحت النار

Autor: Zikostras
last update Fecha de publicación: 2026-08-21 23:36:10

ارتجفت الهياكل المعدنية للمطبعة المهجورة إثر ضربة ثقيلة متتالية سددها اقتحام الخصوم نحو الباب الصلب. كل ضربة كانت ترنّ كالجرس داخل الجدران الخرسانية، محذرة من ثوانٍ معدودة تفصل الثنائي عن الوقوع في قبضة هؤلاء المجهولين.

كانت ميار تقف مسمرة لجزء من الثانية، تحكم إغلاق قبضتها على القرص الصلب المشفر الذي ألقاه إليها زين. كانت أنفاسها متسارعة، وتجمدت حواسها أمام منظر المسلسل وكتم الصوت الرمادي في يد زين. لم تكن تتوقع أن يتحول التحقيق الصحفي والأكواد البرمجية إلى مواجهة مسبقة بالأسلحة في أزقة مظلمة.

"ميار! استيقظي ورافقيني الآن!"

جاء صوت زين كالصفعة التي أعادتها إلى واقعها. لم يكن صوته يحمل أي ذرة هلع، بل كان آمراً وواضحاً كبرمجة دقيقة. سحبها من معطفها بقوة خفيفة نحو خلفية الورشة، حيث تتراكم صناديق خشبية وآلات طباعة متهالكة يعلوها الصدأ.

ركل زين لوحاً خشبياً يسند إحدى الآلات القتيمة، ليكشف عن فتحة مربعة صغيرة في الأرضية تؤدي إلى نفق تصريف قديم يمتد تحت أحياء المدينة العتيقة.

"انزلي أولاً،" قال وهو يتفحص شاشة الهاتف المشفر التي بدأت تظهر تنبيهات متتالية تعلن اختراق البوابة الخارجية للورشة. "النفق ضيق ومظلم، لكنه يمتد نحو سكة الحديد المهجورة خلف الحي."

"وماذا عنك؟" سألت ميار بصوت يرتجف وهي تنظر إلى الظلام الدامس داخل الفتحة.

"أحتاج إلى ثماني ثوانٍ فقط،" أجاب وهو يوجه حاسوبه نحو وحدة معالجة صغيرة مثبتة بالقرب من السيرفرات الرئيسية. "لا يمكن أن أترك خلفي أي أثر للبيانات التي قمنا بمعالجتها. انزلي!"

لم تجد ميار وقتاً للتردد. نزلت عبر السلم الحديدي المتهالك، وغرقت قدماها في مياه باردة تصل إلى منتصف ساقيها. ارتفعت رائحة الرطوبة والعفن، لكن خوفها من المتسللين بالداخل كان أكبر بكثير من ظلام النفق.

في الأعلى، كانت أصوات تحطم الحديد تعلن السقوط النهائي للباب الرئيسي. دخل أربعة رجال مسلحين يرتدون أقنعة تكتيكية داكنة ومعدات رؤية ليلية، وانتشروا في المكان بسرعة مدربة دون إطلاق أي كلمة.

كان زين يقف في الزاوية المظلمة بجانب جهاز التحكم، وأصابعه تتحرك بسرعة خاطفة على شاشة حاسوبه. ضغط على زر الحذف النهائي، ليصدر السيرفر الرئيسي صوتاً عالياً، تلاه انبعاث شرارات كهربائية ورائحة حريق إلكترونيات، حيث دمر زين المعالجات بالكامل عبر حث تفريغ كهربائي ذاتي.

التفت أحد المسلحين نحو مصدر الصوت ووجه سلاحه فوراً: "هناك أحدهم! ألقِ حاسوبك وأرضاً!"

لم ينتظر زين إتمام الأمر. أطلق رصاصتين متتاليتين عبر كاتم الصوت نحو أنبوب غاز قديم مثبت فوق رؤوسهم، يسرب كمية ضئيلة من الغاز الخامل المستخدم في المطبعة. أحدث الارتطام شرارة أدت إلى انفجار حراري سريع ومحدود، ناشرة لهباً خاطفاً ودخاناً كثيفاً حجب الرؤية في الممر الرئيسي وأربك المسلحين.

استغل زين حالة الفوضى والصدمة، وقفز فوراً إلى الفتحة الأرضية، وأغلق اللوح الخشبي والغطاء الحديدي خلفه بقوة، ثم أطلق رصاصة على مزلاج الغطاء من الداخل ليلتحم ويفقد قابليته للفتح من الأعلى.

نزل بسرعة ودقة عبر السلم حتى وصل إلى المياه حيث تنتظره ميار. كانت تمسك بهاتفها لتضيء الزاوية بضوء الشاشة الخافت، وعيناها متسعتان من أثر الانفجار المكتوم الذي سمعته في الأعلى.

"هل أنت بخير؟" همست وموجة من الارتياح المفاجئ تسري في جسدها لرؤيته.

"سيكون الجميع بخير إذا تحركنا بسرعة قبل أن يكتشفوا مخرج النفق،" قال زين وهو يسحب كشافاً صغيراً شديد الإضاءة من جيبه ويقود الطريق في الممر المائي المظلم. "التفجير سيؤخرهم لدقائق فقط. أجهزتهم حرارية وسيكتشفون مسارنا قريباً."

سارا بخطوات سريعة داخل النفق الضيق، وصوت خرير المياه وتحطم قطرات المطر الساقطة من الشقوق السقفية يتردد بصداء يخطف الأنفاس. كان زين يسير أمامها برصانة شديدة، وكأنه يحفظ خريطة هذا النفق عن ظهر قلب، بينما كانت ميار تحاول استجماع شتات أفكارها.

"زين..." قالت بعد دقائق من السير السريع، والنفس يتقطع في صدقها، "تلك الأوراق... القائمة التي رأيناها. اسم والدي لم يكن مجرد ضحية عادية. كلمة 'الرمز 04-أطياف' كانت موجودة في المذكرات الأخيرة التي تركها في غرفته قبل اختفائه. كان يطلق عليها 'مشروع الأطياف'."

توقف زين عن السير فجأة، والتفت إليها في عتمة النفق. تسلط ضوء الكشاف الخافت على وجهه، ليرى الإصرار الشديد النابع من عينيها malgré الخوف والبلل.

"مشروع الأطياف ليس مجرد ملف يا ميار،" قال زين بنبرة هادئة ورزينة تحمل حقيقة ثقيلة. "إنه برنامج تجميع بيانات غير قانوني يُستخدم للتحكم في القرارات السياسية والمالية عبر ابتزاز الأشخاص الفاعلين في الدولة. والداكِ لم يختفِ لأنه اكتشف البرمجية فقط... بل لأنه كان الشخص الذي وضع الكود الأساسي لتشفيرها قبل أن يدرك خطورتها ويحاول تدميرها."

اتسعت عينا ميار بصدمة ألجمتها عن الكلام، وكأن المطر والظلام والمسلحين اختفوا جميعاً ليحل محلهم طنين حاد في رأسها.

"والدي... هو من صمم هذا الكابوس؟" سألت بصوت مبحوح.

قبل أن يجيبها زين، دوّى صوت انفجار مكتوم خلفهم في عمق النفق، متلوّاً بصوت خطوات ثقيلة تصطدم بالمياه وتتقدم بنظام قاتل.

نظرت ميار خلفها بالذعر، لكن زين أمسك بيده بثبات وشدها نحو الأمام: "سنتحدث في هذا لاحقاً. المخرج أمامنا مباشرة... وعلينا أن نختفي عن الأنظار قبل طلوع الفجر."

Continúa leyendo este libro gratis
Escanea el código para descargar la App

Último capítulo

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ظلال عبر الحدود

    1. اختراق الشفرة الباردةمع استقرار الحياة المؤسسية في العاصمة وانطلاق خطط المعهد الأكاديمي بثبات، خيل للجميع أن دائرة الصراع قد انغلقت تماماً عند حدود المنظومة السيادية. غير أن العالم الرقمي المعاصر لا يعترف بحدود الجغرافيا؛ فالبيانات المالية والتجسسية التي تم سحبها من "الملاذ المظلم" لم تكن تخص أطرافاً محلية فحسب، بل كانت تشكل الجزء الأهم من شفرة تتبع مالية معقدة تمس استثمارات لمؤسسات دولية شاذة كانت تتغذى على الفساد المؤسسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.في تمام الساعة الثالثة صباحاً داخل مركز الفجر، صعد نغيم خفيض من إحدى منصات التجميع الجانبية المخصصة للمراقبة الخارجية. لم يكن إنذاراً حاداً كما في أيام "السويفي"، بل كان تشفيراً مشابهاً للبث البارد الذي يعتمد تقنية "التردد الكمومي المزدوج".كان زين مستيقظاً في مكتبه، يراجع الهيكلية الأمنية للجيل القادم من خوادم الأرشيف. توقف حسابه الذهني فوراً عندما رأى البيانات الصادرة من محطة التتبع في أوفشور "المحيط الأطلسي".استدعى زين ميار التي كانت تنهي اللمسات الأخيرة على تقرير استقصائي جديد حول الحسابات المصرفية الوهمية في الخارج. دخل

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ثمار الفجر

    1. عهد الاستقرار المؤسسيمع انقضاء أشهر الشتاء الباردة وبداية تباشير الربيع، شهدت البلاد تحولاً عميقاً لم يقتصر على استقرار المؤسسات وتفكيك الخلايا المتبقية فحسب، بل تجلى في أسلوب إدارة الدولة ومؤسساتها الإعلامية والأكاديمية. أصبحت الشفافية السيادية معياراً أساسياً في التعامل مع البيانات، ولم تعد التقارير الاستقصائية تُقابل بالملاحقة والترهيب، بل أضحت أداة للتصحيح وبناء الرقابة الأخلاقية النظيفة.في "مركز الفجر للحلول والأمن الرقمي"، كانت قاعات التدريب تموج بالنشاط اليومي. المئات من المهندسين الشبان والصحفيين الاستقصائيين من مختلف الولايات يلتقون في ورش عمل مكثفة تهدف إلى تطوير بروتوكولات الأمان الذاتي، وحماية المنصات الوطنية من الاختراقات الخارجية.كان زين يقف في الطابق العلوية، يطل عبر الواجهة الزجاجية على القاعات المجاورة. كان يرتدي قميصه الداكن الأنيق، وعيناه الرماديتان تتابعان انسيابية البيانات على الشاشات الجدارية. لم يعد هناك ذلك الثقل الذي كان يرتسم على ملامحه، بل حل محله وقار وعمق برمجي ينبض بالثقة واليقين.انفتح الباب الزجاجي بنعومة، ودخلت ميار وهي تحمل النسخة الأولى المطبوع

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أفق في وادي الحديد

    1. تطهير الممر الجبليساد سكون مهيب في جنبات "وادي الحديد" مع اكتمال انسحاب قوة التحقيقات السرية، حاملين معهم أدوات التجميد الرقمي والأقراص المحرزة. كانت المحطة الصخرية التي اختبأت لسنوات تحت طبقات الجرانيت والصدأ قد جُرّدت كلياً من أي قدرة على البث؛ أُطفئت السيرفرات المدمجة، وقُطعت الكابلات التكتيكية التي حاول التقنيون الاستعانة بها لإعادة إنتاج أرشيف الابتزاز.وقفت ميار عند حافة المنحدر الجبلي المطل على الوادي، وهي تطوي سترة معطفها ضد نسيم الصباح البارد الذي بدأ يحمل رائحة الصنوبر والجبال النقية. كانت تنظر إلى السيارات العسكرية وهي تبتعد فوق الطريق الترابي الملتوي، تاركة خلفها أثراً خفيفاً من الغبار الذهبي الذي سرعان ما بددته الرياح.اقترب زين بخطوات متمهلة، يحمل في يده الحقيبة الفولاذية المعزولة التي احتوت على "وحدة التحكم النواة" الأخيرة التي سحبها بنفسه من الجدار الصخري قبل إغلاق المنجم بالخرسانة المسلحة."هل انتهت إجراءات التحريز الميداني بالكامل يا زين؟" سألت ميار وهي تلتفت إليه بنبرة تتداخل فيها صلابة المحققة بسكينة المرأة التي وثقت في شريك مسيرتها.أومأ زين برأسه بثبات ورزانة

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   ظلال تحت الركام

    1. خيط في الخفاءرغم التطهير الشامل الذي شهده الأرشيف الوطني، واكتنال المحاكمات الرسمية لأعضاء "مجلس الأطياف"، كانت هناك حقيقة يعرفها خبراء التشفير الاستراتيجي: الأفكار المظلمة لا تموت بمجرد اعتقال صناعها، بل تتحول إلى شفرات خامدة تنتظر من يبعث فيها الحياة.في ساعة متأخرة من الليل، داخل غرفة التنسيق الميداني بـ "مركز الفجر"، كان زين يجلس بمفرده أمام شاشة التحليل ثلاثية الأبعاد. كان يُجري مسحاً رواديدياً دورياً للترددات المتروكة في النطاقات العسكرية المتقاعدة. ورغم الاستقرار الميداني الذي تنعم به العاصمة، إلا أن نظام الإنذار المبكر سجل تقاطعات رقمية غريبة؛ ليست موجات بث جديدة، بل "استجابات صامتة" صادرة من أجهزة تحكم قديمة مدمجة في السجلات العقارية للمنطقة الصناعية بالجهة الشرقية.اقتربت ميار بخطوات هادئة، يحذوها حذرها الصحفي المعتاد، ووضعت كوباً من الشاي الدافئ بجوار يده:"زين... المسح الدائم لهذه النطاقات المهجورة يعني أن هناك شيئاً لا يظهر في التقارير الرسمية، أليس كذلك؟"رفع زين عينيه الرماديتين، وأشار بأصابعه نحو الخريطة الرقمية التي أظهرت بقعة ضوئية خافقة بالقرب من أنفاق التعدين ا

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   أوتار التجديد

    1. نبض الأرشيف الوطنيبدأت أزقة العاصمة العتيقة تستعيد ألقها المعماري القديم بعد أن أُزيلت منها كافة أجهزة المراقبة العشوائية التي زرعتها شبكات التجسس السابقة. في المبنى التاريخي لـ "دار الأرشيف الوطني"، كانت الفرق الفنية التابعة لوزارة الثقافة بالتنسيق مع مهندسي "مركز الفجر" تعمل على تنظيم الوثائق التاريخية التي استُردت من ممتلكات "طاهر السويفي" ومخازن "أمجد الفران" الصحراوية.كانت القاعة الكبرى للدار تمتاز بأقواسها الأندلسية العالية وإضاءتها الدافئة. وقفت ميار بين الرفوف الخشبية العريضة وهي تشرف على تدقيق المخطوطات والملفات الشخصية التي عانت من الإخفاء أو التزوير طوال العقود الماضية. كانت تمسك بين يديها ملفاً سميكاً يحمل اسم عائلتها «العلي»، يتضمن أبحاث والدها الأولى وسجلات ملكيته الفكرية التي حاول النظام السابق طمسها.اقترب زين بخطوات هادئة عبر الممر العريض، وهو يحمل حاسوباً لوحياً مخصصاً لمطابقة البصمات الرقمية للوثائق. وقف إلى جانبها ونظر إلى المخطوطة القديمة التي تحمل خط يد المهندس كمال العلي."كل وثيقة تُسترد اليوم يا ميار..." قال زين بصوت خفيض يطفو عليه الهدوء واليقين، "هي بمث

  • أطياف خاملة (Idle Shadows)   غراس في أرض ناصعة

    1. عهد الأكاديمية الوطنيةمرّت عدة أسابيع على انهيار "الملاذ المظلم" في صحراء "حاسي المزرعة" واعتقال أمجد الفران. شهدت العاصمة خلال هذه الفترة هدوءاً مؤسسياً شاملاً؛ حيث أعلنت وزارة العدل بالتعاون مع الادعاء العام استكمال التحقيقات في ملف "مشروع الأطياف"، وتفكيك كافة الحسابات والشركات الصورية التي كانت تتغذى على الابتزاز الرقمي داخل البلاد وخارجها.في صباح يوم شتوي مشرق، كانت القاعة الكبرى للأكاديمية الوطنية للعلوم التقنية تغص بالطلاب، والباحثين، والصحفيين الاستقصائيين الشبان. كانت الأجواء مفعمة بالحيوية والشغف، حيث أُقيمت الاحتفالية الرسمية لإطلاق "معهد الفجر للنزاهة الرقمية"، وهو فرع أكاديمي مستقل خُصص لتدريب الجيل الجديد على تقنيات التشفير الأخلاقي، وحماية البيانات السيادية، والدفاع عن حرية الصحافة الاستقصائية.يقف زين على منصة الحديث الرئيسية يرتدي بذلة داكنة أنيقة، وخلفه شاشة ضخمة تعرض الهيكلية البرمجية لبروتوكول الفجر الأخلاقي. لم تكن ملامحه تعكس أي أثر للقلق أو التوجس القديم؛ بل كانت عينوه الرماديتان تفيضان بثبات هادئ ورزانة قائد يُسلّم خبرة السنين لمن يخلفه."التشفير في جوهره

Más capítulos
Explora y lee buenas novelas gratis
Acceso gratuito a una gran cantidad de buenas novelas en la app GoodNovel. Descarga los libros que te gusten y léelos donde y cuando quieras.
Lee libros gratis en la app
ESCANEA EL CÓDIGO PARA LEER EN LA APP
DMCA.com Protection Status