Se connecterكان وقع أقدام الجنود يتردد في أرجاء قاعة الحكم وهم يقتادون ميرا إلى خارجها، بينما بقيت الفتاة تسير بينهم في هدوء غريب، لم تحاول المقاومة، ولم تلتفت خلفها ولو مرة واحدة، وكأنها أيقنت أن الاعتراض لن يغير شيئًا، وأن كل كلمة قالتها قد ذهبت هباءً. أما إيلينورا، فقد ظلت تنظر إليها حتى اختفت عن ناظريها، وشعرت بشيء ينقبض داخل صدرها، لكنها لم تجرؤ على النطق بحرف واحد بعد نظرة معلمها أوريڤال التحذيرية.ساد الصمت القاعة للحظات، ثم اعتدل الحاكم الدريان في جلسته، وألقى نظرة شاملة على الواقفين أمامه، قبل أن يقول بصوت هادئ، لكنه لا يقبل نقاشًا:"لقد انتهى الأمر لهذا اليوم... لينصرف الجميع."انحنى الحكيم ثامور احترامًا وقال: "كما تأمر، سيدي الحاكم."ثم التفت إلى المعلم أوريڤال، فأشار إليه بالانصراف، فانحنى الأخير هو الآخر، وتبعته إيلينورا بخطوات بطيئة، بينما خرج قائد الجنود مع بقية الحراس، وأُغلقت أبواب قاعة الحكم الضخمة خلفهم بصوت مكتوم، فعادت القاعة إلى سكونها المهيب.لم يبق فيها سوى الحاكم الدريان.جلس صامتًا فوق عرشه، وأسند مرفقه إلى مسند العرش، بينما استقرت أصابعه على جبينه، وظل ينظر إلى الفراغ
قال الحاكم الدريان وهو ينظر إلى إيلينورا نظرة ثابتة: "حسنًا يا إيلينورا... عودي إلى مكانك."انحنت إيلينورا باحترام، ثم عادت إلى الوقوف بجوار معلمها أوريڤال، بينما كان قلبها يخفق بعنف، وعيناها لا تفارقان ميرا، وكأنها تخشى ما سيحدث لها بعد لحظات.حوّل الحاكم الدريان بصره إلى ميرا، ثم قال بصوت هادئ يحمل في طياته سلطة لا تقبل النقاش: "تقدمي."شعرت ميرا بقشعريرة تسري في جسدها كله، وكأن حدسها يخبرها أن ما هي مقبلة عليه سيغير كل شيء. أخذت نفسًا عميقًا، ثم تقدمت بخطوات بطيئة حتى وقفت أمام البلورة السحرية، بينما كانت جميع الأنظار معلقة بها.قال الحاكم الدريان: "ضعي يدك عليها."نظرت ميرا إلى البلورة المتوهجة أمامها لحظات، ثم رفعت يدها بتردد، ووضعتها برفق على سطحها الناعم.مرّت ثانية...ثم ثانية أخرى...ثم ثالثة...لكن...لم يحدث شيء.ظلت البلورة تشع بنورها الفضي الهادئ كما كانت، دون أن يتغير لونها، ودون أن تعرض أي صورة أو ذكرى، وكأن يد ميرا لم تلامسها من الأساس.اتسعت عينا ميرا في دهشة، ثم رفعت نظرها إلى الحاكم، قبل أن تعود وتنظر إلى البلورة مرة أخرى، غير قادرة على فهم ما يحدث.أما داخل القاعة.
بعد أن انتهت إيلينورا من سرد قصة لقائها بميرا، انقطع صوتها تمامًا، وأطلقت زفرة طويلة بدت وكأنها أخرجت معها كل ما كانت تحمله من خوف وقلق. وقفت في مكانها مطأطئة الرأس، متشابكة الأصابع، تنتظر الحكم الذي سيصدر بحقها، بينما خيم الصمت على قاعة الحكم للحظات، قبل أن يقطعه صوت الحاكم الدريان، وقد جاء هادئًا، لكنه يحمل في طياته من الهيبة ما جعل الجميع ينتبه لكل كلمة ينطق بها.قال الحاكم الدريان وهو يثبت عينيه عليها: "كيف سمحتِ لنفسك أن تتحدثي مع شخص ترينه للمرة الأولى عن أسرار مملكتنا؟ ليس هذا فحسب، بل أخبرتها عن ساحرة الغابة السوداء، وعن الحرب الدائرة بيننا، وعن أمور لا يجوز أن يعلمها غريب. من أين جاءت لكِ تلك الثقة يا إيلينورا؟"ارتبكت إيلينورا، وشعرت بأن الكلمات تعاندها وهي تحاول الخروج من فمها، ثم قالت بصوت خافت: "لا أعلم يا سيدي الحاكم... ولكن... شعرت بالصدق في عينيها."ارتفع أحد حاجبي الحاكم قليلًا، وقال بنبرة لم تخلُ من الاستغراب: "الصدق في عينيها؟"ثم أردف: "وماذا عن الصدق في حديثها؟ هل صدقتِ أنها جاءت من عالم آخر؟"هزت إيلينورا رأسها ببطء وهي تجيب: "لا... لم أصدق حديثها."ساد الصمت لوه
طال الصمت في قاعة الحكم، حتى بدا وكأن الهواء نفسه قد توقف عن الحركة. عندها تنحنح الحكيم ثامور بصوت خافت، ثم قال وهو يشير إلى ميرا: "سيدي الحاكم... هذه هي الفتاة الدخيلة."لم تلتفت ميرا إليه، بل بقيت عيناها معلقتين بالرجل الجالس فوق العرش.أما الدريان، فظل يحدق فيها برهة، وكأنه يقرأ ما وراء ملامحها، ثم قال بصوته الهادئ الذي ملأ القاعة هيبة: "اقتربي... أيتها الفتاة."ظلت ميرا تنظر إليه لحظات صامتة، ثم أطلقت زفرة طويلة، وخطت بضع خطوات إلى الأمام قبل أن تتوقف على مسافة مناسبة من العرش.ساد الصمت من جديد.ثم قال الدريان: "ما اسمك؟"أجابت بصوت ثابت: "ميرا."أومأ برأسه إيماءة خفيفة، ثم قال: "حسنًا يا ميرا... من أرسلك إلى هنا؟"ابتسمت ميرا ابتسامة باهتة لم تخلُ من الإرهاق، ثم قالت: "أحقًا سنبدأ من هنا مرة أخرى؟"لم يجبها.فتابعت وهي تزفر في ضيق: "إذن دعني أوفر عليك بقية الأسئلة أيضًا. لم يرسلني أحد، ولست جاسوسة لأحد، ولا أعرف من هي ساحرة الغابة السوداء التي تكررون اسمها، ولا أمثل خطرًا على مملكتكم."لم تتغير ملامح الدريان، وكأن كلماتها لم تكن كافية لتحرك فيه شيئًا.قال بهدوء: "وما دليلك؟"ساد
أثناء استمرار الحديث بين حاكم مملكة الربيع الدريان والحكيم ثامور، دوى طرق خافت على الباب العظيم لقاعة الحكم، وما هي إلا لحظات حتى فُتح الباب ودخل قائد جنود القصر الذي أوكلت إليه مهمة إحضار الفتاة الغريبة من الأكاديمية. تقدم بخطوات ثابتة حتى بلغ منتصف القاعة، ثم انحنى احترامًا، واضعًا قبضته اليمنى على صدره، وقال بصوت جهوري: "مولاي حاكم مملكة الربيع... لقد نُفذت أوامركم، والفتاة أصبحت خارج القاعة برفقة المعلم أوريڤال ومن أمرتم بإحضارهم." رفع الدريان بصره إليه، وبقي صامتًا لحظة، ثم قال بصوت هادئ يحمل من السلطة ما يغني عن رفعه: "فليدخلوا." انحنى القائد مرة أخرى، ثم استدار وأشار بيده نحو الباب. وما هي إلا ثوانٍ حتى فُتحت مصراعاه ببطء، ليدخل المعلم أوريڤال أولًا بخطوات رزينة، وعن يساره إيلينورا، بينما أحاط بهما عدد من جنود القصر المدرعين، وفي منتصفهم كانت تقف الفتاة الغريبة، وقد أخفتها عباءة الإخفاء السحرية عن الأعين. وما إن تجاوز الجميع عتبة القاعة حتى توقفت خطواتهم في الموضع المخصص للوقوف أمام العرش، ثم انحنوا جميعًا في وقت واحد احترامًا لحاكمهم، بينما بقيت ميرا واقفة في مكانها ولم تنحنى.
في داخل قاعة الحكم بقصر حاكم مملكة الربيع، كان الحاكم الدريان يجلس فوق عرشه شامخًا بوقاره المعتاد، بينما جلس الحكيم ثامور على المقعد المقابل له، وما زال الحديث بينهما مستمرًا في انتظار وصول الجنود ومن كُلِّفوا بإحضارهم. كان الهدوء يخيّم على القاعة، فلا يُسمع سوى خرير النافورة البلورية وصوت النسيم الذي يتسلل من النوافذ العالية حاملاً عبير أزهار حدائق القصر، إلا أن ذلك الهدوء لم يكن يعكس ما يدور داخل عقل الرجلين؛ فكلاهما كان غارقًا في دوامة من الأسئلة التي لم يجدا لها جوابًا. وبعد لحظات من الصمت، رفع الحكيم ثامور رأسه، وبدا على ملامحه شيء من التردد، ثم قال بصوت هادئ: "سيدي الحاكم... هناك أمر خطر ببالي منذ أن بدأت هذه القضية، ولا أعلم أهو مجرد شك عابر أم أنه يستحق أن نلتفت إليه." اعتدل الحاكم الدريان قليلًا في جلسته، ونظر إليه بعينين ثابتتين، ثم قال: "قل ما عندك يا حكيم ثامور، فالأمر لم يعد يحتمل إغفال أي احتمال. لقد أصبح كل شيء واردًا، ومن الحكمة أن نناقش جميع الشكوك، مهما بدت بعيدة." أخذ الحكيم نفسًا عميقًا، ثم قال ببطء وكأنه يزن كل كلمة قبل أن ينطق بها: "لا أعلم يا سيدي... ولكن يخالجن