FAZER LOGINلم يكن العشق في عُرف عشيرته يشبه أي حبٍ بعالم البشر… كان أشبه بنداءٍ جبريّ يتسلّل إلى القلب دون استئذان، فيربكه، يربطه، ثم يأسره دون رحمة. هناك حيث يهمس البحر بأسرار العشّاق وتتنفّس الجدران القديمة حكاياتٍ لم نعهدها… وُلد عشقٌ لا يُقاس بالزمن ولا يخضع لقوانين البشر. عشقٌ إن بدأ… لا ينتهي، وإن اشتعل… أحرق كل ما حوله. فهي لم تكن تدري أن قلبها الذي طالما ظنّته حصنًا منيعًا سيسقط بهذه السرعة… ولا أن عينيها ستبحثان عنه في كل زاوية وكأن روحه أصبحت جزءًا من أنفاسها. هو… لم يكن مجرد رجلٍ مرّ في حياتها بل كان قدرًا كُتب بلغةٍ لا تُقرأ، ونارًا إذا اقتربت منها… لا نجاة منها. وبين نظرةٍ مرتجفة، ولمسةٍ تائهة، وكلماتٍ آسرة… بدأ شيءٌ أكبر من مجرد حب. شيءٌ يُشبه اللعنة… أو المعجزة. بين سطور هذه الرواية لا يقع العشاق في الحب فقط… بل يسقطون فيه حتى القاع حيث لا طريق للعودة… ولا قلب ينجو سالماً.
Ver maisهناك على أعلى قمة "جبل خنوقة" موطن معازف الجن بوادي نجد في بلاد الحجاز حيث شبه الجزيرة العربية، موطئ يتجنبه عرب وسكان هذه البلاد، عرف هذا الجبل بالمعازف لما يصدر في صحاريه من أصواتٍ ونواحٍ وصفيرٍ فسّره البعض بصوت الرياح على السواحل والكثبان الرملية.
ولكن عندما نتحرى ما يحدث هناك الآن سنعرف لِمَ سمي بمعازف الجن؟! ها قد أظلمت السماء وكأنها تشهد كسوفاٌ كلياً للشمس، وبعدها توهجت خيوط زرقاء تشبه ألسنة البرق ولكنها أشد قوة وأكثر عمقاً، لها صوت يحاكي الشرز الناري، وهذا المشهد إعلان عن حضور ملك عشيرة "الجن الضوئي"، فلتشهد سماء تلك البقعة من الأراضي الطاهرة أول لقاء ل"راكان" بعد تنحي والده الملك "الأشهب" عن كرسي المُلك لابنه الأصغر "راكان" ملك ملوك الجن. انبعاث الضوء شاهدة من شواهد وجوده، وهذا إذا غضب "راكان". والقوة هبة وهبها الله لهذه العشيرة، فهم أقوى أنواع الجان على الإطلاق، وبالرغم من قلة أعدادهم قياساً بالبقية إلا أن واحداً من الجن الضوئي يستطيع قتل مائة شيطان بضربة واحدة في المعارك والحروب التي شنها الشياطين ضدهم فهم نادراً ما يخضون الحروب لقلة أعدادهم. أما إذا أراد شيطان قتل جني ضوئي واحد فعليه بأقوى السحرة ليجمع؛ له الآلاف من أعتى الشياطين من مختلف العشائر. وقد تفشل حيلهم لقتله، لذا ينأى السحرة بأنفسهم عن مكائد الشياطين التي يحيكوها ضد الجن الضوئي؛ إذ في تلك المحاولات الفاشلة يصاب الساحر بالأعياء الشديد ولن يسلم الأمر من إصابته بجروح بالغة قد تودي بحياته التي وهبها للشيطان. فما بالك بملكهم حتى وإن كان من رحم إنسية!! "راكان" السرعة ملكته، والحكمة عنوانه، والهيئة تشبه هيئة البشر، فهو مختلف تمام عن هيئة محكوميه التي تتبدل كما يشاءون فمرراً يتهيئوا في شاكلة البشر وأحياناً أخرى في شكل حيوانات أو طيور. ولكن حتى وإن لم يستطيع تحويل الهيئة وبقى على شاكلته البشرية التي ولد عليها. فعن أي بشر نتحدث!! لو كان "راكان" بشري لحصل على لقب أوسم رجل في العالم بل أكثرهم جاذبية على الإطلاق. "راكان" صاحب البشرة البرونزية، عيناه!! يا لها من سحر، بلونها الأخضر الزاهي الذي يشبه زيتون "الأوليا" اليانع على أغصانه، ذو ذقن وشعر بني يلمع بوهجٍ ذهبي في ضوء الشمس. له طلة ملائكية يشوبها القوة والعظمة، في حضرته تُحْنى له الجباه وتسلب العقول، وفي غيبته تتغنى إناث عشيرته ويهيمن لسحره صريعات، وفي ثورته يشيب الوليد وتحبس الأنفاس. وهذا هو حاله الآن ثائر غاضب، فبات الماثل في حضرته راكعاً على ركبتيه، مطرقاً رأسه أرضاً في خنوع، يخشى خروج النفس؛ حتى لا يزيد غضب الملك "راكان" لرائحة فمه الكريهة. إنه "دهمان" قائد عشيرة "بني قيعان" من نسل جن الأبالسة الذي نقض عهده مع الملك "الأشهب" وظن أن خليفته سيكون أقل بئساً من أبيه، وراودته الأحلام بأن يتطلع إلى فرض سيطرته على أراضي مملكة الجن الضوئي. وذلك بعد تعرض مملكته في مثلث برمودا للمداهمة من قِبَل الرحلات الاستكشافية للإنس ،تلك المملكة التي استوطنها وبسط عليها سلطانه بالمكائد. وها هو الآن في خطر محدق يريد هجر تلك المنطقة هو وعشيرته وأتباعه إلى مأمن من هؤلاء الفضوليين على حد قوله. إذ أخذه غروره الغاشم بقوته الواهية على اختبار قوى "راكان" فالمتعارف عليه أن نتاج خليط الأجناس لا يكون بقوة الصلب. أي أن الجني الذي أنجبته أنسية لا يمتلك كل هبات بني جنسه وإن أمتلك بعضاً من تلك الهبات لا تكون على نفس شاكلة الأصل. "راكان" بغضب جحيمي، وهو يسل سيفه، يثبت طرف نصله ما بين قرني هذا القميء الذي تجمدت أوصاله، عندما استمع إلى صليل السيف الذهبي المقوس الذي يزين غمده ومقبضه برصائع من الأحجار الكريمة: -ألن تكف عن نجاستك "دهمان"؟! "دهمان" بنبرة ذليلة: -العفو مولاي الملك "راكان". -صدقني أنا لم أرسل هؤلاء الخونة، هذه دسيسة يريد بها المتحالفون الإيقاع بيني وبين جلالتك. "راكان" بتحذير فهو لن يبدأ عهده بحرب كهذه، بعد العديد من الحروب التي خاضها أبيه من أجل الحفظ على حدود ملكه من أطماع هؤلاء المدنسون من الكفرة وأتباعهم: -"دهمان" إذا أردتها حرباً لا قِبَل لك بها، ففكر مرةً أخرى في تكرار فعلتك، وحينها لا شافع لك ولا منجاة من غضبي. رفع "دهمان" رأسه ينظر بعين يملؤها الخزي والمذلة المصطنعة، قائلاً باستعطاف: -مولاي الملك، أعفُ عني وسأكون بخدمتك كعبد تابع. "راكان" وهو يضرب على رأس راجيه بعرض السيف في قوة أجفلت هذا الخائن ليخفض الجاثم أرضاً رأسه: -أغلق فمك الكريهة هذا، فلا حاجة لي بعبد دميم مثلك، ولا أرغب برؤيتك مرة أخرى، لا أنت ولا من يسيروا بذيلك البغيض هذا. قالها "راكان" وهو يدعس على ذيل "دهمان" ساحقاً إياه أسفل حذائه المصنوع من الجلد الطبيعي لأحد الفهود الأسيوية التي سباها بإيران أثناء تلبيته لدعوة ملك الجن المائي "صهيب" إلى موكب زفافه من ابنة ملك الجن القمري الكبرى في رغبة من "صهيب" لعقد تحالف بين العشيرتين: عشيرة الجن المائي والضوئي. وقد أشار الملك "صهيب" على ملك الجن الضوئي "راكان" بالزواج من أختها الصغرى، فهو لا يعلم بعدم رغبة "راكان" في الزواج. إذ عانى "راكان" النبذ من تلك الأنسية التي أنجبته؛ وبات لا يأمن الإناث أياً كان جنسهن إلا إنه شارف على الاقتناع، وذلك بعد تجرأ هذا ال"دهمان" بإرساله لأتباعه من القردة والغيلان لاستكشاف ضواحي مملكة الجن الضوئي، يحثون عشيرة الملك حديث العهد "راكان" على التمرد عليه. يشيعون الفتن، فكيف للملك أن يولِ عليهم ابنه من الإنسية!! حبس "دهمان" أنفاسه، يطرق رأسه مرةً أخرى، قائلاً بامتثال ومهادنة: -سمعاً وطاعة يا ملك ملوك الجان. قالها "داهمان" وهو يسخر بداخله، فقرأ "راكان" التهكم بأفكاره، ولكنها ترددت برأس هذا العنيد وقد حاز هذا اللقب قبول واستحسان من قِبَلِه "راكان ملك ملوك الجان"، فأجاب "راكان": -ولِمَ لا؟! فهذا اللقب لا يليق سوى بالملك "راكان"، واستكمل بداخله: -ولنبدأ بمملكة الجن القمري.أسيرها هام حباً والتاع عشقاً والحبيب لا يدري ولا يعلم. واكتوى قلب المحب بصبو الهوى ومعشوقه قاسٍ لا يرحم.فترنم قلب العاشق يشدو ويتغنى بوجدٍ علَّ الجاني يَمِلُ، ويغدو أحكم:أيا عشقاً ذابت ضلوعي لضمه، أبعذاب روحي تتلذذ ولا تسأم؟! لمَن عساي أشكو ضنى قلبي سوى لرب العباد؟! فهو أحن وأكرم. ألا سبيل لمتيمٍ مهمشٍ مثلي، أن يبوح بلهجه، لمَن كان لحنايا الفؤاد توأم؟! اعنِ يا ربي على ما ابتليتني من كلفٍ، فمالكي في العشق أعمى وأصمم. في قصر الملك الأشهب."ألورا" ببراءة:-"راكان"، لِمَ تتحامل على "صفوان"؟!-ماذا فيها إذا أحب؟!"راكان" ببلادة:-تلك التراهات إذا تمكنت من قلب أي ذكر أضعفته أياً كان جنسه، بشري كان أو من الجان.قلبت "ألورا" عينيها بضجرٍ، فمع مَن تتحدث؟! هذا هو الملك "راكان" على قدر عطفه وحنانه معها، إلا أن قلبه المتحجر لم ولن يلِن، فلتحط لعنة الله على مَن كان السبب."ألورا" موجهة حديثها إلى من أطرق رأسه يغض بصره عن أميرة الجان الضوئي، وهي وإن كانت أميرة لعشيرتهم فهي سلطانة قلب "صفوان":-"صفوان".لبى "صفوان" النداء، وقلبه يهدر بحدة كقرع طبول الحرب؛ فهو في قمة نشواه الآن إذ استمع لاسمه
عاد مرة أخرى إلى الخزانة يعبث بمحتوياتها؛ ليجلب ثياباٌ داخلية؛ كي يرتديها بعد الاستحمام، فكفاه ثلاثة أيام راحة من العمل أو لنقِل عذاباً ببعدها، ومن ثَمَّ خلع عنه هذا التيشيرت القطني يلقيه أرضاً بإهمال متغاضياً عن كل محاولات "عفاف" باللين والشدة؛ لتثنهِ عن تلك العادة السيئة، وإقناعه أن هناك اختراع ما يدعى المشجب تُعَلَّق عليه الملابس، ومن ثَمَّ أدار مقبض باب الحمام؛ ليعاود غلقه سريعاً بتفاجئ.إذ رأى امرأة تجلس على حافة المغطس تواليه ظهرها حاصرةً ثوبها إلى منتصف فخذيها الناصعي البياض، وقد امتلأ المغطس بالماء، وهي تدلي ساقيها داخله تهزهما باستمتاع.وهناك شبورة من بخار الماء المتكاثف تنبعث من حوض الاستحمام تعيق مجال الرؤية إلا من تلك الجالسة براحة واسترخاء وكأنه منزل أبيها.وأثناء شروده بماهية تلك المرأة التي تجلس بداخل حمامه المتواجد في غرفة نومه، فلا أحدٍ يعيش بالمنزل سوى هو وأبيه ووالدته، حتى لا وجود لخادمة مقيمة، فوالدته توكل مهام التنظيف إلى سيدة بعمر الخمسين تدعى "ماجدة"، وتأتي لتباشر عملها كل جمعة بالأسبوع.وحتى لو كان اليوم هو الجمعة فتلك الفالكة لا يمكن أن تكون "دادة ماجدة".شهق
بعد تلك الوكزة التي اجتسته من عالم الأحلام، ونبرة صوته المحتدة، ناظرته والدته "عفاف" بدهشةٍ، وهي تقول باستياء:-ما بك "تميم"؟! تلك أول مرة تتحدث فيها معي بتلك الطريقة!!زفر "تميم" وأطرق رأسه بخزي، فبالأخير لقد أخطأ ولكن ما كان مشرف عليه ساحر حد اللعنة، فقط هواء زفيرها الأشبه بعطور الشرق في طيبها جعل كل حواسه في حالة انتباه، وقربها منه إلى هذا الحد أرعد بداخله عواصف من الأحاسيس لها تأثير مهلك، فتمتم بأسفٍ:-آسف "فوفة"، سامحني، كنت غارق في النوم، وفُزِعت. اقتربت "عفاف" تعبث بخصلات شعره البني المشعث بالفعل إثر النوم، وقد أسعدها تغير مزاجه للأفضل عن تلك الأيام السابقة، إذ كانت تشعر بالحزن الشديد لأجله، ولا تعرف ما أصاب ابنها، دوماً حزين ومنزوي على حاله، ينام كثيراً ويتحدث قليلاً، ولا يهتم لا على صحته ولا بطعامه، فقالت بحنانٍ وأمومة يشوبها بعض الفضول:-لا عليك "تميم"، ولكن أخبرني!! ما سر هذا التغيير؟! شرد بخياله يستحضر صورتها المحفورة بذهنه، وبعد اكتمال الهيئة بات التفكير بها مرهق ولكن ذو رونق مبهج. لاحت على شفاهه ابتسامة جذابة وصورتها باتت تتجسد أمامه وكأنها تجلس إلى جواره على التخت مر
رياحٌ عاصفة اشتدت، وعلا صوت الرعد، واستحال صفاء عنان السماء إلى غسقٍ دامي، وأحدهم ثائر وقد ماجت أوداجه بغضبٍ عارم، وتشتت أصاب كل سكان مملكته والكل يتسائل:- لِمَ كل هذا السخط الذي يعصف بملكهم؟!وبعيد في الأفق جواد يعدو وعلى ظهره أكثرهم جاذبية على الإطلاق، ومن يمكنه رؤيته من عشيرته وكافة الفصائل من هذه المخلوقات التي تشاركنا الأرض ومتاعها ينحني في ثبات واستكانة إجلال وخنوع ل"ملك الجان "راكان"". وما إن اقترب هذا الفارس على حصانه ذو البياض الناصع والشعر الكثيف الذي يتدلى أعلى ناصيته، رافعاً رأسه في شموخ كممطتيه من بوابة قصر الملك "الأشهب"، حتى فُتِحت البوابة على مصراعيها دون فاعل أو طلب من القادم، وكأن تلك الكتلة الحديدية المطلاة بماء القصدير تنفذ الأمر طاعة للوالج. ترجل الملك "راكان" من أعلى سرج حصانه، يقطع الأرض أسفله بخطى ثابتة قوية وبرغم ما توحيه هذه الخطوات من نقمٍ إلا أنها واثقة محسوبة. ولكن ما الداعي؛ ليبدو على معالم وجهه الحنق وعدم الرضى؟! سؤال تبادر بذهن كل خدام القصر والتابعين وكذلك "صفوان" قائد جيوش الملك "الأشهب"، وصديق الطفولة والصبى للملك المفوض "راكان" فقد عاشوا معاً م